1 لقد ظَلَّ فِرْناندو بيسوا (1888 ـ 1935) يَعْتَبِر «كتاب اللاطمأنينة» كتابه هو بصفة حصرية بَعْدَما وَزَّع ذاته على مجموعة أنداد وأسماء مستعارة جاوزت الستين اسماً ما بين شاعر وناقد ومنظّر ومسرحي وروائي وكاتب مقالات اقتصادية وسياسية إلخ... أول نصوص «كتاب اللاطمأنينة» ظهر عام 1913 في مجلة Aaguia وكان عبارة عن نص نثري شعري تحت عنوان «غابة الانخطاف». ومنذ ذلك التاريخ حتى قبيل وفاته بأسابيع قليلة يوم 30 نوفمبر 1935، لم يتوقف بيسوا عن تدوين «شذرات» الكتاب. لكن العمل لم يَخْلُ من تعثرات. ومع ذلك كان يعود دائماً بعد كل فتور أو توقف لمواصلة العمل بقوّة وحماس. كان الكتاب كتاب حياته الأساسي. سنة 1929 عرفتْ انكباباً تدوينياً أكثر كثافة على الكتاب وفيها أيضاً قرَّ قرارُ بيسوا على نسبة الكتاب إلى «برْنارد سوارش» كَاسْم مستعار أو ندِّ أو حتى شبه نديد لـبيسوا، على الخلاف. في الوقت نفسه وبكيفية موازية عرف الإنتاج الشعري لـ «ألبارو دي كامبوس» وهو الشاعر الأكثر بِيسوية في بيسوا نفسه نشاطاً قوياً ومتواصلا لم يتوقف إلا قبيل وفاة الشاعر بأيام قليلة. 2 «كتاب اللاطمانينة» كتاب فريد كل الفرادة في بنيته ومحتواه غير قابل للتجنيس والتصنيف الأدبي رغم أنه إبداع أدبي قبل أيّ شيء آخر، بل يملك من عناصر العمق والجدة الأدبيين ما يزيد على اللزوم. لأنه نص مزدوج الهوية. نثري في بنيته الأسلوبية المتعدّدة الأنماط، ما بين السرد والتأمل والتداعيات والاستبطانات. وفي الوقت نفسه عبارة عن شذرات مأهولة بروح الشعر وأنفاسه السارية فيه مسرى الدم في أوردة الكائن الحي. ففيه تتبدى الشذرات النثرية معبّأة بقوة شعرية تجاوز الشعر إلى قول ما لا ينقال. بنيته العامة بنية متاهية وهو ما قد يتعارض مع الاستعارة التي يوردها إدمون عمران المليح في تقديمه للكتاب عندما يجعله أشبه بالمعبر الضيّق الذي يقود إلى جَبل. ذلك أن تأويل المتاهة يسمح لنا باعتبار المعبر الضيّق نفسه منفتحا لا يقود إلى أيّ أعلى وإنما إلى الهاوية وحدها. وإذا كان إدمون عمران المليح يرى في نهج الكتاب وروحه ما يستدعي بعض النصوص التصوفية الكبرى في التقليدين الإسلامي واليهودي مثل مواقف النفري ونصوص القبالة اليهودية على سبيل الاستئناس فإن المنحى الميتافيزيقي لـ«كتاب اللاطمأنينة» وبنيته العامة لا يكشفان لنا سوى بعض الوشائج الواهية بين التجربة الصوفية في روحيتها ومرجعيتها الغيبية وبين التجربة البيسوية في روحها العدمية اللادنيوية. 3 «كتاب اللاطمأنينة» من حيث نمطُ تأليفه هو «كتاب يوميات». ذلك هو الشكل الذي اختاره له مؤلفه فرناندو بيسوا. يوميات في صيغة شذرات متفاوتة حجما ومنظوراً. كتاب يوميات يجاوز ما هو يومي إلى أنماط استبطان للذاتي والكوني بما يجعل منه سِفْراً لتدوين «ألم الوجود» في العالم. إنه «كتاب موزون ـ حسب الفيلسوف البرتغالي إدواردو لورنسو ـ وفق نَفَس مقامات الوجود، وفق الإقامات التي تنفتح فيها نفسٌ للحيرة، وهي تذرع ليل نهار الفضاء الموجود بين الحياة والموت حدَّ الفناء». الزمن الحاضر هو زمن اليوميات. زمن السرد والتداعيات «لأنني ـ يقول بيسوا ـ أحيا دائما في الحاضر. المستقبل لا أعرفه. الماضي لم يعد ملكي». من الحاضر إذن يُراقب الكاتبُ الحياة. يراقبها منْ موقع المتفرج عليها وعلى نفسه أيضاً. يراقبها بألم وبلامبالاة. يراقب ويحلم وهو يرى مدينته لشبونة أحياءها، شوارعها، كما لو كان ينتمي إلى عالم آخر. يراقب العالم حالِماً بما ليس إياه، حاسّاً بكونه أجنبيا داخل روحه منفياً داخل أحاسيسه يقول: «لا أنام. أحيا وأحلم. أنا لم أفعل شيئاً قط سوى الحلم. لقد انتميتُ دائما إلى ما لم يوجد. لم أحبّ أبداً غير لا شيء». إنه يتفرج على الحياة بالسخرية منها أيضا ومن ذاته في آنٍ بما يجعل من عملية المراقبة والكتابة معا ضرباً من التعذيب والاضطهاد لكنه يعلم أنه مجبر على الكتابة ما دامت دَاءَه المداوي. يعلم أنه يكتب كما لو كان ينفّذ عقاباً و«العقاب الأكبر ـ يقول ـ هو معرفتي بأن ما أكتبه باطل وفاشل» لأنه يعتبره دائماً دون مستوى أحاسيسه وإن كان من أفضل ما يمكن أن يكتبه أحسن الكتاب. هكذا يواصل الكتابة مسكوناً دائماً بأحاسيس القنط والضجر. عرضة يوميّاً لتعذيب المرئيات والأصوات الناس والأشياء في المكتب في الشارع في الترام، تتشوّش المعالم ويتعتّم الوجود ويَنتهك العالمُ الخارجي يوميا ذاتَه الحالمة المعذبة. وحده الليل يمنحه بعضاً من عزاء. فقط في الليل، إذ تنقطع صلته بالواقع والمنفعة، يجد ذاته وعزاءه على حد قوله. الليل يعني النوم لأن كل شيء منام. لأن النوم هدنة مؤقتة إزاء حالة الحرب التي تشنها عليه الحياة. الليل يعني العزلة التي يفضّلها دائماً على الرفقة. وهو يطلب من الآلهة «أن يحفظوه كما لو في خزانة» ليبقى في منجى من مرارة الحياة ومسراتها أيضاً ذلك أن عزلته الروحية وانفصاله عن الوجود جعلاه يتألم لأتفه الأشياء، حتى لمجرد مرور غيمة أمام الشمس لأن رغبته الوحيدة هي الانطفاء التام للحياة وللروح معاً. 4 إن ما يعمّق من هذه الحساسية المغتربة إزاء الوجود والذات هو اتكاؤها على منظور ميتافيزيقي شديد الخصوصية لا صلة له البتة بالرؤية الميتافيزيقية لدى الشعراء الكلاسيكيين الإنجليز على شاكلة ملتون أو الرومانطيقيين منهم مثل ويليم بليك. فالميتافيزيقا البيسوية هي حالة تكوينية في شخصية الشاعر في طبعه ومزاجه وأحاسيسه قبل أن تكون موقفاً فلسفياً مكتسباً بالمعرفة والصقل التأملي. ذلك أن تجليات هذه الميتافيزيقيا في أدب بيسوا نجدها حتى في كتاباته الأولى على سن المراهقة في اليوميات وفي أشعاره الأولى لتصير مِنْ بعدُ مشاكلةً وملازمة لكل أعماله اللاحقة. ولا سيما في «كتاب اللاطمأنينة» الذي هو في جوهره كتاب ميتافيزيقي. وهذه الميتافيزيقا متغلغلة في كل مناحي الكتاب إنها تشريح لا يرحم للذات والوجود 5 «كتاب اللاطمانينة» كتابٌ مُخلخِل لرؤيتنا للعالم والذات إنه رؤية شاعر مفرط الحساسية يُخضع أحاسيسه وكل ما يراه لتشريح لا يرحم: الأشياء والأمكنة الوجوه الأفكار والأزمنة. كل ما هو مألوف واعتيادي يبدو مفرط الغرابة والإدهاش. الواقع نفسه يغدو أقل يقينية من الحلم أو من واقع موصوف في كتاب. كان بيسوا واعياً تماما بالأهمية المستقبلية لكتابه لذلك صرح في شذرة هامة من شذرات الكتاب: «ذات يوم قد يدركون أنني أكملتُ، كما لم يفعل أيَّ شخص آخر، واجبي منذ الولادة كترجمان لجانب من جوانب قرننا هذا؛ وعندما يدركون ذلك عليهم أن يعلموا أنني لم أكن مفهوماً في العصر الذي عشت فيه، وأنني عشت وسط أجواء من الجفاء واللامبالاة وأنّه من المؤسف أن هذا ما حدث لي وأنّ من يكتب هذا الآن سيكون في العصر الذي يكتبه فيه غير مدركٍ مثلَ من يحيطون به لشبيهه في الزمن المستقبلي، ذلك لأن الأحياء يتعلّمون فقط من أجدادهم الذين ماتوا والأموات وحدهم هُم من نعرف تعليمَهم القواعد الحقيقية للحياة». نص «روّاغ» بسبب الطبيعة «الروّاغة» لنصوص الكتاب وشذراته وعدم كفاية الملاحظات المُدوّنة من لدن بيسوا في إيجاد «بنينة» (من بُنية) ملائمة للكتاب فضلاً عن تنوّع وتعدّد الأساليب التي كتبت بها الشذرات على مدى أكثر من عشرين عاماً، لم يكتب لـ «كتاب اللاطمانينة» أن يرى النور إلا عام 1982 بفضل العمل الصبور العارف لكل من: ماريا غالهوز وتيريزا كونها من جهة وخاسينتو برادو كوليهو من جهة ثانية لمدة جاوزت ثلاثة عشر عاماً.