الأحد 29 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
تجربة فاشلة لإنتاج تجانس سياسي وجهاز أحادي الثقافة
20 أغسطس 2005

الكاتب والباحث باروخباروخ كيمرلينغ باحث اسرائيلي معروف في المجتمعين الاسرائيلي والفلسطيني وفي قضايا الصراع العربي الاسرائيلي، ومختص في الجيش والحرب، له العديد من الكتب والمقالات الكثيرة التي ترجمت إلى عدة لغات· ويروي الباحث في مقال له مؤخرا في هآرتس حكاية مجتمع المهاجرين اليهود في اسرائيل، بداية الاستيطان والتناقضات التي يعيشها هذا المجتمع·
يبدأ الكاتب وينتهي وهو يصف التجربة الفاشلة لإنتاج تجانس سياسي وجهاز أحادي الثقافة في إسرائيل وتشكل دولة تتميّز بتعدد الثقافات·
يقول كيمرلينغ: نعلم علم اليقين بعدم التجانس القائم في بنيوية مجتمع الدولة وللحفاظ على المبنى القائم من فترة الييشوف حتى تأسيس الدولة تم بناء أجهزة للتجانس والأسرلة هدفها بناء جهاز أحادي الثقافة كحاجة ماسة، ولم نكن نقصد فقط بناء الأمة انما خلق مجتمع موحد ومتكتل ومواجه للصراع مع العرب اضافة الى تحويل الذراع العسكري للدولة (ويقصد الجيش) ليس فقط كجهاز مدافع عن الوجود إنما كثقافة سائدة وهاجس امني في صلب الحياة المدنية·
ويتوقف عند إشكاليات وتناقضات الدولة اليهودية، وأهمها عدم فصل الدين عن الدولة وسيطرة تعريفات مقاييس الانتماء للمجموعة وفق الشريعة اليهودية التي استطاعت أن تحوّل الحاخامات ورجال الدين الى جزء من البيروقراطية السياسية لخلق رمز مؤسساتي للدولة·
ويستعرض عبر القراءة الاكاديمية السريعة التاريخ من الفترة البيزنطية الى نهاية بناء قبة الصخرة في العام 705 م وينتقل الى الحرب الصليبية على القدس وتحريرها بقيادة صلاح الدين الأيوبي في العام 1187 م بعد اقل من مئة عام على قيام مملكة اللاتين لينتقل الى الفترة العثمانية ويتوقف عند ظاهر العمر وأحمد الجزار وحملة ابراهيم باشا في العام ،1830 ومرة أخرى يعود للعثمانيين، حيث تبدأ الهجرات الصهيونية الى فلسطين في العام 1882 ، عندها لم يشعر أهل البلاد الأصليين أن أحدا يهدد مصالحهم، لكن كان هناك من لاحظ في بداية القرن الماضي أن مخططا ما يجري لكنه لم يكن جديا لكن مع حملات الهجرة المكثفة في الثلاثينيات من القرن العشرين وبداية التطور المدني بدأ يشعر أهل البلد بالتهديد الملموس وخافوا ان تتحول السلطة الى يد اليهود المهاجرين·
في هذه السنوات، أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، بدأت تنشأ ثقافة محلية جديدة في المدن الساحلية عكا، حيفا ويافا وغزة· وفي هذه الاثناء ازداد سكان البلاد وارتفع عددهم من 250000 نسمة الى 750000 نسمة بين العام 1922 حتى العام ·1936 نسبة التكاثر الطبيعي وصلت الى 3 في المئة والتي تعتبر أعلى نسبة في العالم برغ حركة الهجرة الاستيطانية الصهيونية الى فلسطين ولأسباب اقتصادية انتقل عدد لا بأس به الى مدن الساحل· ويضيف: اختفت اكثر من 350 قرية عن الوجود وغابت الحياة العربية المدنية عن يافا التي وصل تعداد سكانها في فلسطين الى 80000 نسمة وبقي فيها 3000 نسمة بعد قيام الدولة اليهودية· ومنذ النكبة ناضل الشعب الفلسطيني من أجل الحفاظ على هويته الفلسطينية· ينتقل كيمرلينغ بعد النكبة ليروي روايته عن العرب الفلسطينيين في اسرائيل الذين تحولوا من الاكثرية الى الاقلية مواطنين في الدولة اليهودية، أيتام على مائدة اللئام، بقايامجتمع مشرد ومهزوم، لا طبقة وسطى ولا مثقفين وبدون قيادة سياسية والذين عرّفتهم الدولة اليهودية، التي قامت على خراب شعبهم وبلدهم، كأبناء اقليات طائفية، مسلمون، مسيحيون ودروز· واعتبروا على هامش المجموعة الاسرائيلية· عزلت الدولة اليهودية العرب من الحياة المدنية ومن مراكز التأثير في المجتمع والدولة بل ذهبت الى ابعد من ذلك حين صادرت ما تبقى لهم من أراض وفرضت عليهم الحكم العسكري حتى أواسط الستينيات·
ويخوض كيمرلينغ في هوية العرب الفلسطينيين، من نشاط الحزب الشيوعي الاسرائيلي الى حركة الارض التي قمعتها اسرائيل واخرجتها خارج القانون الى بداية الوعي القومي في السبعينيات· يقول كيمرلينغ عن دور حزب ماكي أو على الاصح راكاح انه عمل من اجل قضية المساواة أو ما يسميه لقضية العربية المحلية لكنه عزل نفسه كليا عن التطورات الثقافية الجارية في العالم العربي·
ويذكر يوم الارض كمنعطف أساسي في حياة العرب في اسرائيل لينتقل الى اوضاعهم الاقتصادية ومدى ارتباطهم بالدولة اليهودية، الى الثمانينيات وأحداث اكتوبر 2000 ، ومن ثم يتوقف عند الاندماج ويأخذ مثلا الحزب العربي الديمقراطي برئاسة النائب السابق عبد الوهاب دراوشة الذي طالب أكثر من مرة بالانضمام الى الائتلافات الحكومية· ويقدم لنا نقيضه التجمع الوطني الديمقراطي الذي يتبنى طروحات قومية· ومن ثم يقدم لنا عرضا عن الثورة الدينية في اوساط العرب ويذكر الحركة الاسلامية الشمالية والجنوبية بين التشدد والبراغماتية·
يتابع كيمرلينغ أن المثقفين العرب في اسرائيل نجحوا في السنوات العشر الاخيرة في قراءة الثقافة الاسرائيلية السائدة، من جهة اخرى عمموا ثقافتهم وهويتهم وطرحوا شعار دولة المواطنين الا أن الجماهير العربية اكتشفت للتو إنه صعب المنال، حتى الحكم الذاتي الثقافي بات دعوة عربية يحسب لها حساب خوفا من إنسحاب جغرافي سياسي للعرب في الجليل والمثلث·
ولا يشكك في كون الاقلية العربية الفلسطينية تشكل أكبر تحد جدي تواجهه إسرائيل بخصوص مسألة طابعها اليهودي ليس فقط لان أسس الاخلاق والديمقراطية الليبرالية تحتم عليها حل هذه المعضلة بل لأنه لا يمكن اعتبار أقلية يزيد تعدادها على مليون نسمة أقلية، حيث تتحول اسرائيل سنة بعد سنة إلى دولة ثنائية القومية من الناحية الديمغرافية وفي الواقع أيضا·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©