الاتحاد

عربي ودولي

عاشق السلطة (1-2) لا يزال في انتظار بدر البدور


القاهرة- حلمي النمنم:
'بانتظار بدر البدور' كتاب للدكتور بطرس غالي وموضوعه صاحب الكتاب نفسه، وصفحاته يوميات كتبها للمرحلة الباريسية في حياته، التي تولى فيها منصب امين عام منظمة الفرانكفونية في أعقاب انتهاء فترته كأمين عام للأمم المتحدة، وجرت العادة ان يكتب المسؤول مذكراته بعد انتهاء عمله، وقد يرجع الى أوراقه ووثائقه، لكنه يتذكر، ويتناول الاحداث بعد وقوعها بفترة، تطول او تقصر حيث تكون المشاعر قد تغيرت والافكار تطورت أو تحولت·· اما اليوميات فهي شيء مختلف، فليس لها موضوع سوى صاحبها، وتتناول كل شيء، من المأكل والمشرب والملبس حتى أعقد القضايا السياسية والفكرية، وتعبر عن مشاعر الانسان وافكاره أولا بأول دون ترتيب أو تنسيق فيكون فيها ما هو غريب أو مفاجئ وهذا ما نلمسه في كتاب د· بطرس·والغريب في الكتاب هو جرأة د·بطرس، التي لم يتوقعها القارئ منه، فهو طوال حياته المديدة كان متحفظا للغاية، مراعيا للكثيرمن الحساسيات، لكنه هنا يتجاوز كثيرا من التحفظات، والكتاب مليء بالاسقاطات الاجتماعية والسياسية والثقافية·· ويبدو انه شعر بعد الانتهاء من تدوين يومياته أنه تجاوز الكثير من عاداته لذا راح يبدي الندم في المقدمة بالقول 'وطيلة مسيرتي السياسية والدبلوماسية، ألزمت نفسي بواجب التحفظ، وأعتقد انني في كتابي هذا لم أشذ عن هذه القاعدة الذهبية، لأن معظم الشخصيات التي آتي على ذكرها، التقيتها في إطار مهماتي الرسمية، ومع ذلك إذا حدث في بعض الاحيان أن قمت بإفشاء اسرار، أود الاعتذار للأشخاص الذين ذكرتهم، والاشخاص الذين أغفلت ذكرهم'··لكنه يعلن انه لم يغير شيئا مما كتبه، حتى لو تكشفت الاحداث بعد ذلك عن غير ما فهم أو التحليل الذي توصل اليه 'إن الزمن يضيء أحيانا بعض جوانب الاحداث، فتنكشف بصورة مغايرة وغير متوقعة وكان يمكن ان يغريني تعديل بعض التكهنات، أو اعادة صياغة بعض التحليلات التي قمت بها لحظة وقوع الحدث، وتبين لاحقا أنها غير دقيقة، لكني فضلت للأمانة العلمية ان أبقيها على صيغتها الاولى··'·
بطرس غالي: مذبحة قانا أطاحت بي من الأمم المتحدة
ورغم حرص د· بطرس غالي على أن يكون عقلانيا دائما، ومتمسكا بالطابع العلماني، إلا أنه هنا لا يخلو من قدر من الايمان بالخرافة، والعنوان نفسه دال على ذلك، ففي عام ،1994 كان يمر بمدينة نيودلهي وجاء من يقترح عليه استشارة عراف، وحتى لا يثير الامر اي استهجان ولا تعلم به الصحافة، حيث كان د· بطرس آنذاك هو الامين العام للأمم المتحدة، فقد تقرر ان يأتيه العراف بالفندق ولا يذهب هو إليه، وكان اليوم المحدد هو 9 سبتمبر ويصف المشهد كما يلي 'كنت أتوقع أن أجد امامي رجلا مسنا، ذا لحية بيضاء ووجه نقشته السنون، وهي الصورة التي نرسمها عن الحكماء، ولشد ما كانت دهشتي حين رأيتني ذاك النهار امام شاب يافع، يوحي بالاحترام، ويكاد يبدو خجولا، لولا تلك العينين المتقدتين اللتين تضفيان على وجهه سلطة مقرونة بسحر غامض··'·
وبدأ العراف يسأل عن الاسم بالكامل وتاريخ المولد ومكانه وساعته، حتى يحدد برجه القمري، وبدون الدخول في تفاصيل، كان د· بطرس واضحا ومحددا فيما يريد أن يعرفه ويشغله وقتها 'إن في نيتي السعي لولاية ثانية لخمس سنوات في الأمم المتحدة·· ما هي حظوظ إعادة انتخابي؟' وجاءت الاجابة فورية ومخيبة لآماله 'لا أظن أنك ستنجح في تحقيق هذا المشروع، لكني اعتقد في المقابل، أن نجمك سوف يسطع اكثر بعد ان تنتهي من مهامك، سيحدث ذلك بعد انقضاء قمرك الالف، وبإمكاني أن أؤكد لك ان نجمك يشع بنور لا مثيل له، لا أرى شيئا آخر في الوقت الحاضر سوى النور الباهر لهذا النجم' ومن يومها ينتظر د· بطرس هذا النور المشع، خاصة أن الجزء الاول من نبوءة العراف قد تحقق، ولم يتم انتخابه أمينا عاما للأمم المتحدة، ويبقى الجزء الاخير انه ينتظر بدر البدور ومن هنا كان عنوان تلك اليوميات·
وتبدأ اليوميات ليلة 31 ديسمبر ،1996 وتنتهي في نفس الليلة ولكن في عام ،2002 في الليلة الاولى كان بمدينة نيويورك، وفي الليلة الاخيرة كان في القاهرة يحتفل برأس السنة·· ويعبر عن شعور بالرضا والحبور 'أود أن أرد للحياة ما اعطتني طوال سنواتي الست الباريسية'·
سوق الأوهام
وحين وصل باريس يوم أول يناير 1997 كان في استقباله عدد من المسؤولين، بينهم صديقه حسن فودة، مدير المركز الاعلامي للأمم المتحدة في باريس وهو تونسي، كان موجودا بالمطار كما هو العهد به دائما، ويعدد بطرس غالي خصاله الحميدة، كدبلوماسي لكن الأهم من ذلك أنه 'بعكس معظم الموظفين الكبار في الأمم المتحدة فإنه يظهر الاهتمام نفسه والصداقة نفسها إزاء الذين اصبحوا خارج السلطة'·
وفي باريس أيضا استقبله الرئيس الفرنسي جاك شيراك، في قصر الاليزيه بنفس الحرارة والبساطة والمودة الصادقة 'لقد خسرنا معركة، نحن الاثنين، خلال تلك الايام التي مرت، شكل جاك شيراك بالنسبة اليّ طوق الخلاص الوحيد، وان كان ذلك مخالفا لرأي معاونيه، كان في الواقع تعبيرا عن صداقة نادرة جدا في الاوساط السياسية، فكل الدول وبإجماع ظاهر ومضمر، فضلت ان تتخلى عني في وجه الاعصار الاميركي'· ويبدو أن موقف وزارة الخارجية الفرنسية كان مخالفا لموقف شيراك، ففي يوم 3 يناير دعي بطرس هو وزوجته السيدة ليا الى غداء في 'الكي دورسيه' -وزارة الخارجية- وكان الوزير الفرنسي وزوجته حاضرين مع عدد من كبار معاونيه وبدأت ليا بالقول للوزير 'لم يكن للدبلوماسية الفرنسية أي خطة مدروسة لدعم اعادة إنتخاب بطرس في الأمم المتحدة' ولم يشأ الدبلوماسيون أن يحدثوا أزمة فآثروا عدم الرد وتغيير الموضوع ولا يتردد في أن يصف الامم المتحدة بعد انهيار حائط برلين ونهاية الحرب الباردة بأنها تحولت الى 'سوق للأوهام'·
وفي أول مارس 1997 اتصل به هاتفيا كوفي انان أثناء مروره في باريس 'إنها المرة الاولى التي نتحادث فيها بعد أن اصبح امينا عاما للأمم المتحدة وهو يدين لي بتعيينه رئيسا لقسم عمليات حفظ السلام، مما أتاح له فرصة تطوير علاقته بالإدارة الاميركية'·
ويضيف قائلا 'سألني مرات كثيرة لماذا رفعته الى هذا المركز·· فكنت أجيب بأنني اريد ان يتنامى عدد الأفارقة الذين يشغلون مراكز المسؤولية'· وينقل د· بطرس هنا ما سمعه من البيروقراطية المصرية 'كثيرا ما كان أفذاذ في الادارة المصرية يرددون أمامي: إن درجة إخلاص معاونيك، أو بتعبير أدق درجة عدم قدرتهم على طعنك في ظهرك هي التي يجب أن ترشدك في اختيار معاونيك وقد درج سلاطين بني عثمان على تعيين أقرب مستشاريهم من بين الأقليات، اي من غير المسلمين، مما كان يقطع الطريق على أي اغراء بكرسي الخلافة'·
ولا يتردد في أن يشير تلميحا الى أن كوفي أنان طعنه في الـظهر، ولعبت الدبلوماسية الاميركية ضده وأظهرت ما يسميه 'خيالا خصبا وحقارة لا تضاهى لمنعي من التجديد'·
وبدأت المتاعب في العام ،1995 أي قبل ان تنتهي ولايته في الأمم المتحدة بعام كامل إذ أن صديقه، الصحافي بصحيفة 'لوموند' جان ربيار بيرونسيل هوغوز، سرب خبرا اعتبره د· بطرس مزعجا، اذ جاء في الخبر ان بطرس غالي سيكون الامين العام المقبل للفرانكفونية، فاتصل به غاضبا·· هذا يعني انه ليس في نيتي السعي الى ولاية ثانية في الأمم المتحدة؟ فرد عليه مؤكدا·· لقد صرحت غداة انتخابك في الأمم المتحدة، بأنك لن تشغل المنصب إلا لولاية واحدة، ولا ينكر بطرس انه اصدر ذلك التصريح ولكن 'بدلت رأيي، وليس إلا الحمقى من لا يغيرون رأيهم'·· ثم يقول 'كنت أجهل في تلك اللحظة أن الدبلوماسية الاميركية سوف تبني كل مخططها لمنع إعادة انتخابي، على التذرع تحديدا بما صرحت به حول رغبتي في ولاية واحدة فقط'·
وفي زيارة الى قرية 'قانا' بلبنان في 29 ابريل ،1998 يتذكر ما جرى، حيث وقعت المأساة قبل عامين يوم 18 ابريل ،1996 فقد انهالت قذائف المدفعية الاسرائيلية على مباني الأمم المتحدة بلبنان حين لجأ اليها النساء والاطفال لاعتقادهم بانها مكان آمن، واعتبر الاسرائيليون أنها 'غلطة' بينما رأى كلينتون انه 'خطأ مأساوي في التصويب'· اما صحيفة 'واشنطن بوست' فقالت: ما حدث دليل على ان 'الاسلحة المتطورة ليست معصومة من الخطأ' وأصر بطرس غالي على أن يعد خبراء الامم المتحدة تقريرا عما جرى وان ينشره هو على الملأ، وقبل ان ينشر التقرير، اتصل به هاتفيا وزير الخارجية الاسرائيلي ايهود باراك، وطلب منه ألا ينشر تقريره قبل ان يصل احد الجنرالات الاسرائيليين الى نيويورك خصيصا ليشرح له ظروف القصف في قانا الذي لم يقع عن 'عمد وتصميم' أما الادارة الاميركية فقد أرسلت اليه تلميحا بسرية شديدة عبر وسطاء 'إذا نشر هذا التقرير، فذلك سيسيء ربما الى شمعون بيريز الذي يخوض حاليا معركته الانتخابية، ومن الأجدى للعملية السلمية وكذلك للفلسطينيين أن يربح حزب العمل الانتخابات'· وتحول التلميح السري الذي جاء في شكل نصيحة، الى ضغط صريح 'لا تنشر هذا التقرير، واكتف بتقرير شفهي أمام مجلس الامن، إنه حل وسط يرضي الجميع'·
مبادرة أنان
وبعد ذلك بوقت قصير، وخلال احد الاجتماعات، قدم كوفي انان مسؤول عمليات حفظ السلام، وبمبادرة شخصية منه، صيغة معدلة لهذا التقرير أعدت بطريقة ترضي الاسرائيليين والاميركيين، هنا -يقول بطرس- 'استشطت غضبا، وصحت موجها كلامي الى فريق المساعدين: ثمة خلل ما في مملكة الدانمارك -عبارة شهيرة لشكسبير- ثم اضفت·· أيها السادة، انا المسؤول عن هذه المؤسسة، وأنوي ومهما كلف الامر أن أنشر التقرير الاصلي الذي تقدم به العسكريون الذين أوفدتهم الى مكان الحادث'·
بعض التقارير قالت فيما بعد ان بطرس كان يعلم بيقين انه عند نشر هذا التقرير فإن الادارة الاميركية واللوبي الصهيوني سيعارضان بكل حال اعادة انتخابه، ومن ثم فلم يكن يجب ان يشعر بالمفاجأة، لكنه بعد هذه السنوات ينفي تلك التحاليل: 'أستطيع ان اقول بكل راحة بال إنني وخلافا لكل المزاعم، كنت حينها على قناعة بأن إعادة انتخاب بيل كلينتون سوف تبدل موقف الولايات المتحدة تجاهي، تحت ضغط العديد من رؤساء الدول المؤيدين لترشيحي، كما كنت مقتنعا بأن نشري لهذا التقرير سوف يبطل نهائيا أي امكانية تحول في السياسة الاميركية مع ذلك لم أتردد لحظة واحدة، رغم نصائح التروي التي قدمها الي أقرب معاونيّ· كان ذلك واجبي· وكان عليّ القيام به من اجل النساء والاطفال الذين فتكت بهم الآلة العسكرية الاسرائيلية··' ورغم كل شيء، فقد خسر المنصب المرموق، لكنه غير نادم على ما فعل، ولم يشعر بالحزن، بل على العكس 'أشعر ببعض الرضا الذاتي، لكوني استطيع ان أقول بأني ساهمت، ولو بشكل محدود، في لفت الانتباه الى عذابات الشعب الفلسطيني'·
وتتردد قصة إخراجه من الأمم المتحدة عبر صفحات الكتاب 620 صفحة- ويبدو انها ما تزال تؤلمه الى اليوم يقول 'لقد تسنى لي مرات عديدة أن أعايش يأس الذين يخسرون السلطة فجأة، بعضهم يلجأ للتبجح والمكابرة، فيتكلمون عن مرحلة جديدة، وعن عودة قريبة للسلطة، ولكن معظمهم لا يستطيع اخفاء ضيقه لفقدان مسؤولياته، وخوفه من الفراغ ، وقلقه من أن ينهي أيامه في غياهب النسيان الذي رمته فيه الأقدار'· وبالنسبة للدكتور بطرس، فقد ترك الأمم المتحدة الى منصب آخر، هو أمين عام المنظمة الفرانكفونية، صحيح أن هناك بين الدبلوماسيين المصريين من سخروا من الموقع الجديد، مثل السفير نبيل العربي، وهو دبلوماسي مصري رفيع، تولى منصب مندوب مصر الدائم لدى الامم المتحدة فترة، حيث رأى ان الموقع الجديد الذي يسعى اليه د· بطرس هو 'تخفيض له' وأن الفرانكفونية هي 'منظمة فولكلورية' ويكون رده أنه سوف يخلق منها فرانكفونية سياسية، ويبقى د· بطرس مواطنا عربيا، إذ انه فور أن ترك الامم المتحدة، راح يعلن يأسه منها كمنظمة 'لقد ساد اعتقاد، أو بالاحرى يجب القول اني اعتقدت بأن لدى الامم المتحدة إمكانية ادارة فترة ما بعد الحرب الباردة· وسرعان ما بدا جليا أنها لا تمتلك الوسائل لذلك، مما شجع في مختلف مناطق العالم، وخصوصا في الولايات المتحدة، الموقف القائل 'ليعمل كل لنفسه' نحن الان في وضع لاتزال فيه النزاعات بين الشمال والجنوب بدون حل، وأصبحت ادارة مرحلة ما بعد الحرب الباردة من شأن بلد وحيد أوحد' وقد سبقت الاشارة الى تسمية المنظمة الدولية الكبرى بأنها صارت محل أو بيت للأوهام·
ترى هل لو استمر د· غالي امينا عاما لفترة جديدة كان سيقول هذا الكلام؟ وبعبارة اخرى اذا كانت الامم المتحدة هكذا لماذا أراد أن يكون أمينا عاما لدورة جديدة؟
المغامرة الفرانكفونية
ولم يكن لمصر علاقة بالمؤسسة الفرانكفونية، صحيح ان اللغة الفرنسية كانت لغة الصفوة طوال القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن العشرين، ولكن منذ العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ومشاركة فرنسا فيه تراجعت اللغة الفرنسية في مصر، وصارت الانجليزية هي اللغة الاجنبية الاولى خاصة في التعليم، ولكن شاءت الظروف ان تدخل مصر المنظمة الفرانكفونية عام 1981 وكان وراء هذا الانضمام بطرس غالي نفسه، ففي اغسطس من تلك السنة كان وزير الدولة المصري للشؤون الخارجية وقام بجولة في اميركا الوسطى في محاولة لإرسال وحدات من دول اميركا اللاتينية ضمن قوة دولية، خارج اطار الامم المتحدة تنتشر على الحدود المصرية في سيناء، بعد انسحاب القوات الاسرائيلية تطبيقا لمعاهدة السلام، وشاءت المصادفة ان يقيم في نفس الفندق الذي كان يقيم فيه 'كلود شيسون' وزير خارجية فرنسا، واتفقا على ان يلتقيا بعد منتصف الليل، وفي اللقاء طرح الوزير المصري على نظيره الفرنسي مشاركة فرنسا في القوات الدولية، وطرح عليه ايضا ان تصبح مصر عضوا في المنظمة الفرانكفونية وان تشارك في القمم الفرنسية -الافريقية، وقد فاجأه المطلب الاخير، وتساءل عن الاسباب الحقيقية التي تدفع مصر الى الانضمام لهذه المنظمة وكان الرد أن هناك ثلاثة اسباب على الاقل، وأخذ يعددها 'ان مصر الرئيس السادات ترغب في الانفتاح على العالم الغربي، وبالاخص على أوروبا· وانا ارى ان هذا التوجه سيكون له ايضا انعكاس ايجابي، إذ انه يقطع الطريق على أي انزلاق نحو الانكفاء على الذات الذي يراهن عليه الاصوليون، وستساعدنا الفرانكفونية في هذا المجال، ومن جهة ثانية أنتم تعلمون أن الدبلوماسية المصرية هي في أوج نشاطها في افريقيا ونصف البلدان الافريقية فرانكفونية، من هنا فإن مشاركة مصر في المؤسسات التابعة للمنظمة الفرانكفونية ستصب في خانة دعم سياستنا الافريقية، وأرى اخيرا في تدعيم العلاقات بين باريس والقاهرة سببا ثالثا مهما لنا لكي نلتحق بالمنظمة الفرانكفونية، فتقربنا من فرنسا ومن أوروبا سيتيح لنا الحد من التأثير الاميركي في مصر'·
وفي لقائه بالرئيس الفرنسي شيراك شرح له الاخير مهام الامين العام للمنظمة وتركيبة مؤسسات الفرانكفونية ورهانها الذي يتمثل في 'الدفاع عن التعدد اللغوي والتنوع الثقافي' وكان من المقرر أن يتم انتخاب الامين العام في هانوي، خلال نوفمبر ،1997 واقترح شيراك عليه أن يقوم ابتداء من شهر مايو بجولة في آسيا وافريقيا كي يحضر لانتخابه، جولة يمارس فيها الدعاية الانتخابية لنفسه، وبعدها جاء الى القاهرة والتقى الرئيس مبارك الذي لم يبد اي اعتراض على أن يخوض تجربة الترشيح للمنصب الجديد ويقبل ان يدعم ترشيحه، وفي نفس المساء اقيم حفل استقبال على شرفه في أحد الاندية العسكرية بالقاهرة، بحضور الرئيس مبارك وقرينته واكثر من اربعمئة عضو، ويتحلق حول الرئيس شيخ الازهر والاب شنودة الثالث 'متلألئا بالذهب والفضة' ورئيس الوزراء آنذاك د· كمال الجنزوري 'عابسا كعادته' ورئيس الوزراء الاسبق عاطف صدقي 'بطبعه المرح' والسفير الاميركي ادوارد ووكر الذي يتكلم العربية بطلاقة، في هذا الحفل لم يقاوم الرئيس مبارك متعة الممازحة حول 'موضوعه المفضل' وهو افتقار د· بطرس للجرأة تجاه السيدة التي أبعدته عن الامم المتحدة، يقصد مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الاميركية في ادارة كلينتون، الجميع يضحكون من القلب باستثناء السفير الاميركي الذي بقي 'باردا كالرخام'·
ويستقبله مبارك في باريس يوم 7 مارس ،1997 ويبدي الرئيس المصري اهتماما بترشيح د· بطرس للمنصب الجديد، وكان رأي مبارك على خلاف رأي شيراك في أنه لا يجب أن يقوم بحملة انتخابية أو بجولة في ربوع بلدان افريقيا وآسيا، وكانت نصيحة مبارك 'دع الفرنسيين والكنديين وأصدقاءك الافارقة يهتمون بترشيحك· وفي هذه الاثناء تابع اصدار الكتب وإعطاء المحاضرات' وبعدها تداولا في مشاكل العالم العربي ويقول عن الرئيس '·· كعادته يقدم تحليلا عن الوضع يتسم بالكثير من الواقعية، وبالكثير من البراجماتية، شأنه في ذلك شأن الرئيس السادات من قبله··' وفي مساء نفس اليوم يلتقي في عشاء بمنزل أحد جيرانه الباريسيين، حضرته مجموعة متميزة ويدور نقاش حاد حول الاصولية الاسلامية، وأبديت اسفي لأن الحكومة الفرنسية لا تشجع الاسلام المعتدل، عن طريق انشاء مجلس تمثيلي، وتشجيع بناء المساجد، وتعيين مسلمين فرنسيين في مراكز قيادية، لايوجد وزير مسلم واحد، ولا نائب مسلم، بتهميش المسلمين على هذا النحو، تبعد فرنسا الطريق امام الاصوليين القادمين من مصر وشمال افريقيا، مزودين بالمال السعودي··'
وينتقل الحديث عن الوضع في الجزائر، ويقترح هو على الفرنسيين مساندة الجنرال زروال، رئيس الدولة آنذاك، وحجته في ذلك انه اذا سيطر اصحاب اللحى' على الحكم، يخشى ان تنهار انظمة شمال افريقيا كلها، بما في ذلك ليبيا ومصر··' وكان كثير من الحضور لا يشاركونه آراءه حول الاصولية، وبعد العشاء خرج ليسير وحده على الرصيف المحاذي لحديقة اللوكسمبورج ويتساءل 'إن كانت هذه النخبة من أهل الفكر الذين تركتهم منذ قليل، تعي الخطر المتمثل في الاصولية التي تتنامى على ضفاف المتوسط الفقيرة؟ مجموعة من حوالي مئة متطرف يمكنها تحويل فرنسا الى نموذج شبيه بإيرلندا الشمالية، يبدو ان الذين حادثتهم هذا المساء على قناعة بأنهم يستطيعون مساكنة الاصوليين أو التعايش معهم بطمأنينة، داخل فرنسا وخارجها'·
ويتحدث هنا كمواطن فرنسي·· يقول 'أخشى أنه يلزمنا تفجير مماثل تحت برج ايفل او قوس النصر لتبادر الحكومة الى بلورة مشروع كبير يقضي باستيعاب الاسلام المعتدل، واستئصال الاسلام المتطرف من فرنسا'·
··يتبع/··

اقرأ أيضا

وزير ألماني يندد باغتيال الساسة على خلفية مقتل فالتر لوبكه