الاتحاد

ألوان

علماء: التكبر «رجس» يفسد المجتمع

أحمد مراد (القاهرة)

حذَّر علماء الدين من خطورة آفة التكبر، واعتبروها من أسباب خراب وفساد المجتمع ونشر البغضاء والحقد والحسد بين الناس، مؤكدين أن التكبر في كل صوره وأنواعه وحالاته سلوك قبيح يرفضه الإسلام الحنيف وينهى عنه. ودعا العلماء إلى ضرورة نشر التواضع في المجتمع، ووصفوها بأنها صفة جميلة تنشر الحب والترابط، مؤكدين أن التواضع أنواع، أسماه وأعلاه التواضع مع الله سبحانه وتعالى، والتواضع مع رسوله صلى الله عليه وسلم، والتواضع مع الناس بعدم التكبر أو التعالي عليهم أو ينظر إليهم نظرة فيها دونية أو احتقار.

التواضع خلق إسلامي
أوضح د. أحمد علي سليمان، الأستاذ بجامعة الأزهر، أن التواضع هو عدم التعالي أو التكبر على خلق الله، وهو صفة جميلة تدل على صفاء النفس وطهارتها وتدعو إلى المحبة والمساواة، حيث ينشر التواضع الحب والترابط ويمحو الحقد والحسد من نفوس الناس، وقبل ذلك كله يؤدي إلى رضا الله، وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يلفت أنظارنا ويحفزنا إلى هذا الخلق الكريم، فقال جل شأنه: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، «سورة القصص: الآية 83»، وكذلك قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، «سورة آل عمران: الآية 159»، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم على هذه المعاني، قال: «من تواضع لله رفعه الله»، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر».
وقال د. سليمان: ولقد ورد في الأثر أن الله سبحانه وتعالى قال في الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار»، وقديما قيل: المتكبر مثل الطائر في السماء كلما علا وارتفع، قل في نظر الآخرين، والتواضع كان خلقاً أصيلاً وسمة أساسية من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وله في حياته صور كثيرة ومتجددة تظهر كل يوم للصحابة الكرام، منها ما قاله ومنها ما فعله، ولنتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد، ولما أراد بعض الصحابة أن يذبحوا شاة قال أحدهم: عليّ ذبحها، وقال الآخر وأنا علي سلخها، وقال الثالث وأنا علي شييها، حينها قال صلى الله عليه وسلم: «وأنا عليّ جمع الحطب»، حيث اختار صلى الله عليه وسلم أصعب عمل ومهمة في مكان يندد فيه الحطب، لكي يرسخ قيمة التواضع.
وأضاف د. سليمان: التواضع أنواع، أسماه وأعلاه التواضع مع الله سبحانه وتعالى، والتواضع مع رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك بأن يقدس المرء ويحترم تعليمات الله ورسوله، وهناك التواضع مع الناس بعدم التكبر أو التعالي عليهم أو ينظر إليهم نظرة فيها دونية أو احتقار، وهنا نتذكر قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: لا يحقرن أحد أحداً من المسلمين، فإن صغير المسلمين عند الله كبير، والمسلم أيضاً مطالب بأن يكون متواضعا مع كافة مفردات الطبيعة والكون من نبات وحيوان وجماد.

آفة التكبر مذمومة
بدورها، حذَّرت الكاتبة الإسلامية، د. خديجة النبراوي، صاحبة موسوعة أصول الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الإسلام، من خطورة آفة التكبر، حيث إنها تسبب خراب المجتمع، ويعتبر أصحاب التكبر من وسائل الهدم في كيان المجتمعات، فضلاً عن أنه موجب للحرمان من رحمة الله تعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الرجل يذهب بنفسه «أي يرتفع ويتكبر» حتى يكتب في الجبارين، فيصيبه ما أصابهم»، وقال تعالى محذراً من التكبر: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا)، «سورة الإسراء: الآية 37».
ووصفت الكاتبة الإسلامية التكبر بأنه خصلة مذمومة تفسد المجتمع، وتجلب الشقاء النفسي، وترجع أسبابه إلى شعور المتكبر المغرور بالاستعلاء الذاتي على أقرانه، والرغبة في الامتياز على الآخرين والتعالي عليهم، ومن أهم أسبابه أيضاً وأخطرها تزكية النفس وحب الظهور وحكاية الأحوال للغير على وجه المفاخرة والتكاثر والتفاخر بالنسب والأصل والقبيلة أو الوظيفة والمرتبة، إضافة إلى الشعور بالنقص الداخلي مما يدعوه إلى تكميله على حسب نظره القاصر بالتكبر الخارجي، ولذلك كله، فإن المتكبرين من أجبن الناس، وأكثرهم جهلاً، وأبعدهم عن الشجاعة والمروءة والرجولة.

سلوك مرفوض
أما الداعية الإسلامي، د. منصور مندور، من علماء وزارة الأوقاف المصرية، فقال: التكبر في كل صوره وأنواعه وحالاته سلوك قبيح يرفضه الإسلام الحنيف وينهى عنه، ولكن أقبح حالات التكبر هو أن يتكبر الفتى من غير سبب، فهذا من أشر الناس منزلة عند الله يوم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم، شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر»، أي فقير مستكبر. وأضاف: يجب على المسلم أن يتواضع لعباد الله، ويلين لهم جانبه، ويحب لهم الخير والنصح في كل حالة من أحوالهم، يحترم كبيرهم، ويحنو على صغيرهم، ويوقر عالمهم، ويحفظ لكل ذي مكانَة منزلته، فقد تعددت نصوص الكتاب والسنة في الأمر بالتواضع للحق والخلق والثناء على المتواضعين وذكر ثوابهم في العاجل والآجل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد»، وقال: «وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».

اقرأ أيضا