الاتحاد

ألوان

القرآن وحي من الله.. عربي فصيح معجز

أحمد محمد (القاهرة)

قال عبد الله بن مسلم: كان لنا غلامان نصرانيان من أهل عين التمر، اسم أحدهما يسار والآخر جبر، وكانا يقرأان كتباً لهما بلسانهما، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بهما فيسمع قراءتهما، وكان المشركون يقولون، يتعلم منهما، فأنزل الله تعالى فأكذبهم: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَ?ذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)، «سورة النحل: الآية 103».
وقد اختلف العلماء في تعيين هذا البشر الذي زعموا أنه يعلم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صرح القرآن بأنه أعجمي اللسان، فقيل هو غلام الفاكه بن المغيرة، واسمه جبر، وكان نصرانياً فأسلم، وقيل اسمه يعيش عبد لبني الحضرمي، وكان يقرأ الكتب الأعجمية، وقيل غلام لبني عامر بن لؤي، وقيل هما غلامان اسم أحدهما يسار واسم الآخر جبر.
قال الطاهر ابن عاشور، في «التحرير والتنوير»، هذا إبطال لتلبيس مما يلبسون به على عامتهم، وذلك أن يقولوا إن محمداً يتلقى القرآن من رجل من أهل مكة، وافتتاح الجملة بالتأكيد يشير إلى أن خاصة المشركين كانوا يقولون ذلك لعامتهم، ولا يجرون به بين المسلمين، لأنه باطل مكشوف، وأن الله أطلع المسلمين على ذلك، فقد كان في مكة غلام رومي كان مولى لعامر بن الحضرمي، اسمه «جبر» كان يصنع السيوف بمكة، ويقرأ من الإنجيل ما يقرأ أمثاله من عامة النصارى من دعوات الصلوات، فاتخذ زعماء المشركين من ذلك تمويها على العامة، فإن معظم أهل مكة كانوا أميين ويحسبون من يتلو كلمات يحفظها - ولو محرفة - أو يكتب حروفاً يتعلمها يحسبونه على علم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما جانبه قومه، وقاطعوه يجلس إلى هذا الغلام الذي أظهر الإسلام، فقالت قريش هذا يُعلّم محمداً ما يقوله. وقد كشف القرآن هذا اللبس بأوضح كشف، إذ قال قولاً فصلاً دون طول جدال، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين، أي كيف يعلمه وهو أعجمي لا يكاد يُبين، وهذا القرآن فصيح عربي معجز. ومعنى يلحدون، يميلون عن الحق، لأن ذلك اختلاق معاذير، فهم يتركون الحق القويم من أنه كلام منزل من الله، إلى أن يقولوا يعلمه بشر فذلك ميل عن الحق، وهو إلحاد، ويجوز أن يراد بالإلحاد الميل بكلامهم المبهم إلى قصد معين، واللسان الكلام، والأعجمي المنسوب إلى الأعجم، وهو الذي لا يبين عن مراده ولا يفهمون ما يريده، ولذلك سموا الدواب العجماوات، والمبين زائد في الإبانة بمعنى الفصاحة والبلاغة، فحصل تمام التضاد بينه وبين لسان الذي يلحدون إليه.
وقال الشنقيطي في «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن»، أقسم - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه يعلم أن الكفار يقولون إن هذا القرآن الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ليس وحياً من الله، وإنما تعلمه من بشر من الناس، وقد بيّن الله كذبهم وتعنتهم في قولهم، كيف يكون تعلمه من ذلك البشر، مع أن ذلك البشر أعجمي اللسان، وهذا القرآن عربي مبين فصيح، لا شائبة فيه من العجمة، فهذا غير معقول، وبين شدة تعنتهم أيضا بأنه لو جعل القرآن أعجميا لكذبوه أيضا وقالوا كيف يكون هذا القرآن أعجمياً مع أن الرسول الذي أُنزل عليه عربي، وذلك في قوله تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ...)، «سورة فصلت: الآية 44».
وقال السعدي، يخبر تعالى عن قيل المشركين المكذبين لرسوله أنهم يقولون إنما يعلمه هذا الكتاب الذي جاء به بشر أعجمي اللسان، وهذا القرآن لسان عربي مبين، هل هذا القول ممكن؟ ولكن الكاذب يكذب ولا يفكر فيما يؤول إليه كذبه، فيكون في قوله من التناقض والفساد ما يوجب رده بمجرد تصوره.

اقرأ أيضا