الاتحاد

دنيا

الثقافة الفلسفية الدرس الغائب


في رحلة قصيرة لي إلى بلد أوروبي، سألني أحد أبناء تلك البلد أثناء جلسة عابرة معه بإحدى المقاهي: من أين أنتَ؟ قلتُ: من العراق· فراحَ مندهشاً، وقال: البلد الذي ولد فيه الكندي الفيلسوف، قلت: نعم وقد خيَّمت الدهشة على وجداني، فسؤال من هذا النوع تكرَّر معي في البلدان العربية التي عشتُ فيها، فكم من عربي سألني: من أي البلاد أنت؟ وراحت الدهشة تأخذني إلى ألم ما بعده ألم، فكيف بالعربي يسألني سؤالا من هذا النوع وأنا عربي في لوني وقسماتي، وأيّ عماء هويّاتي بات يصيب الناس في وطننا حتى أن إحساسهم بأبناء جلدتهم صار متردِّداً ومرتجفا·
ليس هذا هو المهم، المهم هنا ذاكرة ذاك الرجل الغربي الذي ما أن عرفني كعراقي حتى تذكَّر أن الفيلسوف الكندي من العراق، وأنه مولود في الكوفة· وكم شعرتُ بالفخر أن شخصاً من الغرب القصي يعرف عن بلدي أشياء لا يريد العربي حتى معرفتها عن قُرب، ما يعني أن الفجوة بين الإنسان العربي ورموزه الفكرية والثقافية أمست كبيرة وشاهقة· ولم يكتف ذلك الضيف الغربي العابر بالحديث عن الفيلسوف الكندي إنما تحدَّث عن دوره الفكري وعن حياته الشخصية بوصفه ابن أحد أمراء الكوفة الكبار، ورأيتُ أنه، بعد أن عرف أنني من مدينة الكوفة وسط العراق، راح يتحدَّث عن أعلام الكوفة الكبار، فتحدَّث عن جابر بن حيّان الكوفي، الكيميائي الشهير، بحب جم، وراح يتحدَّثُ بإعجاب كبير عن الإمام أبو حنيفة النعمان، رضوان الله عليه، وهو ابن الكوفة، وعن اعتدال أبو حنيفة النعمان الفقهي، ومنحاه التسامحي الكبير، كان يتحدَّث عن هؤلاء بحب كبير، وبانتشاء أكبر، فدفعني فضولي أنْ أسالهً فيما إذا كان الرجل أستاذاً في الفكر العربي أو في الفلسفة العربية أو حتى الغربية؟ فإذا به لا هذا ولا ذاك، إنما الرجل لا يعدو أن يكون مهندساً معمارياً، قرأ الكثير عن الشرق الإسلامي وهو الآن يحلم بزيارته·
انتهى لقائي العابر معه وما انتهى ألمي الذي كان ممزوجاً بالفرح لأنني أجد رجلاً يعيش بأقصى العالم ويعرف عن ثقافتي الكثير· وأخذت الأسئلة تتوارد على مخيالي: كم مهندساً عربياً يعرف شيئاً عن الكندي وجابر بن حيان والإمام أبي حنيفة النعمان؟ بالتأكيد هم قلائل، ولكن أما ينبغي على طبقاتنا المتعلمة أن تعرف عن أسلافنا الكثير الكثير لأن ذلك يمثل جزاءً من اعتزازنا بهويتنا الثقافية والفلسفية؟
عندما عُدت إلى الشرق الذي أعيش فيه، والذي يحلم صاحبي بزيارته· أخذني التفكير في الأمر ملياً، فلماذا هذا العقم المعرفي الذي يعاني منه الناس في شرقنا العربي؟ ولماذا نُخرت الذاكرة العربية حتى أنها لم تعد تعرف عن تراثها شيئا؟؟
كثيرة هي الأسئلة، ولكن المشكلة هي أن مؤسساتنا التعليمية في أكثر من بلد عربي ألغت تدريس (مادة الفلسفة) في مناهجها، لأن الفلسفة لا تعدو أن تكون سفسطة! ولو أردنا أن نسأل الذين قالوا بأن الفلسفة سفسطة: ما هي السفسطة؟ لقالوا: إنها الكلام الفارغ· ولا أدري هل الكلام الذي ظل الكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد يتحدَّثون فيه وبه طوال حياتهم كان كلاماً فارغاً؟!
لقد أمعنت مؤسساتنا التعليمية كثيراً في تهميش الدرس الفلسفي من المناهج، وشاركت بعض المؤسسات في جريمة معرفية من هذا النوع عندما جعلت متخرجي الأقسام الفلسفية في الجامعات العربية مجرَّد مورد بشري فائض لا حاجة بالمجتمع إلى تخصصه، وتلك هي الطامة الكبرى، وكان الأمل إزاء خطأ استراتيجي وقع التعليم العربي المعاصر في فخاخه، أن تنهض المؤسسات الثقافية في الوطن العربي بدور المعوِّض عن هذا الحرمان المجحف، إلا أن مؤسساتنا هي الأخرى بدت عاطلة باستثناءات قليلة، فحتى الثقافة الفلسفية بدت غائبة عن وسائلنا الإعلامية، والفلسفة ليست بالطبع أن تعرف عن الكندي أو ابن رشد ما يمكن أن تعرفه عن حياته ومؤلفاته ولا الأمر نفسه عن الكندي أو الغزالي أو عن زكي نجيب محمود أو ياسين خليل أو حسام الآلوسي أو علي حرب أو طيب تيزيني، إنما أن تتعرَّف إلى عالم الفلسفة بوصفه عالم العقل والحكمة والمعرفة الراقية التي تنأى بكَ عن أنماط من الثقافات الهشة والبالية والرخيصة والعابرة والاستهلاكية التي لا تقدِّم للأمة وللإنسان فيها سوى المعرفة المسطَّحة التي تسعى بالاعتياد إلى تسطيح الوعي والتفكير لدى الإنسان والمجتمع ليستمر في القبول بكل ما يسمع ويرى من دون نقد وتمحيص ودراية متأملة·
أمامنا عقد عربي للتنمية الثقافية يمتد لسنوات عشر قادمة، وهي فترة بل مرحلة قادمة فيها فرصة كبيرة لأن تعيد مؤسساتنا التعليمية والثقافية الاعتبار إلى عقلانية الفلسفة في التعليم وفي الفضاء الثقافي العربي، في الصحافة المقروءة والمرئية والمسموعة، في صحافتنا الورقية واللاورقية، في منتدياتنا الثقافية والفكرية والفنية· إن البحث عن العقلانية في الفلسفة هو بحث عن العقل في عالم يسوده اللامعقول واللامنطقي، عالمنا الذي نعيش فيه والذي يجرفنا نحو عوالم كارتونية مسطَّحة ترانا في خضمِّها غارقين في معطيات باتت الفجوة بيننا وذواتنا بعيدة الشأن، وبيننا وتراثنا كبيرة، وبالمرَّة هي أكبر بيننا وثقافة العقل التي احتفى بها (القرآن الكريم) والهدي النبوي الشريف كثيراً عندما وردت كلمة (العقل) بأكثر من أربعين مرَّة في سور (القرآن الكريم) وآياته المباركات فضلاً عما ورد بشأن العقل في الحديث النبوي الشريف، وفي تراثنا الفقهي والفلسفي والفكري والثقافي·
د· رسول محمَّد رسول

اقرأ أيضا