الاتحاد

تقارير

السياسات الحذرة··· سلاح لبنان في الأزمة المالية

مؤسسات لبنان المالية لم  تتأثر بالأزمة العالمية

مؤسسات لبنان المالية لم تتأثر بالأزمة العالمية

بعـــد أكثر مـــن أسبوعين على بدء الحرب بين إسرائيل و''حماس''، تكاد تنحصر أنظار العالم على الأزمة الجارية في غـــزة، والحـــال أنـــه فـــي منطقـــة مثل الشرق الأوســــط لا تقتصر المعاناة على الفلسطينيين وحدهم·
ففي حمأة الأعمال الحربية الدائرة في غزة واستمرار القصف الذي يتعرض له القطاع يبقى غائباً عن الأذهان التأثير العميق للأزمة الاقتصادية العالمية على الشرق الأوسط؛ فعلى غرار باقي العالم وجد العرب أنفسهم ضحايا الانكماش الاقتصادي، بل حتى في دول الخليج العربي التي تملك فوائض مالية مصدرها الطفرة النفطية الأخيرة تقوم حالياً بشد الحزام وترشيد النفقات·
ورغم الأنباء المتشائمة هناك بلد واحد في المنطقة يبدو في حالة ازدهار، فقد استطاع لبنان مواجهة الأزمة ليس بفضل حكومة ''إسلامية''، أو تبني حلول دينية، بل من خلال انتهاج سياسات اقتصادية منضبطة وحذرة، وهو ما أكده فعلاً صندوق النقد الدولي في آخر تقرير له حول لبنان الذي أشار فيه إلى ''أنه إلى حدود الساعة لم يتأثر لبنان من الأزمة المالية المستفحلة في العالم''· كما أن زيارتي الأخيرة إلى لبنان تثبت تقييم صندوق النقد الدولي، حيث تغص الملاهي والمطاعم بالرواد وتمتلئ الفنادق بالزوار، ورغم التراجع الذي شهـده سوق الأوراق المالية المحلي على غرار باقي دول المنطقة، فإن السوق العقاري مازال في أوجه، ولم تتعرض البنوك لأي انهيار، وحسب محافظ البنك المركزي اللبناني، حقق القطاع المصرفي نسبة ارتفاع وصلت إلى 12% منذ شهر نوفمبر الماضي·
والواقع أن الاقتصاد اللبناني هو قصة نجاح حقيقية، لا سيما بالنظر إلى الاضطرابات السياسية التي شهدتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، فبعدما كان يطلق عليها ''باريس الشرق الأوسط'' تراجع الازدهار في لبنان بشكل كبير طيلة سنوات الحرب الأهلية وما تلاها من السنوات الطويلة للتواجد السوري، والأسوأ من ذلك كله شهد لبنان منذ عام 2005 اغتيال رئيس وزرائه السابق ودخل في حرب مدمرة مع إسرائيل، فضلاً عن اندلاع العنف في الشمال والهجمات المنتظمة التي يتعرض لها الجيش، ثم نزول قوات ''حزب الله'' المسلحة إلى شوارع بيروت واستيلائها على العاصمة·
ويرجع نجاح لبنان في عزل نفسه عن التداعيات السلبية للأزمة المالية وتحصين بنوكه من الانهيار إلى السياسة النقدية السليمة التي اتبعها البنك المركزي، حيث أصدر قبل سنوات عدة مذكرات يحظر فيها على المصارف اللبنانية الانخراط في الرهون عالية الخطورة، هذه الخطوة جاءت مكملة لقرارات سابقة تحد من قدرة المصارف على الاستثمار في المشتقات المالية، وحتى عندما كانت البنـــوك تخاطــــب محافظ البنـك المركزي للسماح لها استثنائياً بالاستثمار في مشتقات مالية خطيرة كان رده دائمــــاً يأتي بالرفض، وفي جميـــــع الأحــوال لم تكـــن البنوك اللبنانية في حاجة إلى موارد مالية، أو الانخراط في مغامرات غير محمودة العواقب في ظل العوائد العالية التي حققتها من الاستثمارات الحكومية والمحلية·
لكن المكانة الرفيعة لرياض سلامة محافظ البنك المركزي اللبناني تبهت بالمقارنة مع أمين عام ''حزب الله'' الذي تسببت حرب 2006 التي خاضها مع إسرائيل في تكليف لبنان أربعة مليارات دولار؛ فـ''حزب الله''، الذي يملك 35 مقعداً في البرلمـان، لا يمتلك خطة اقتصادية خاصة على غرار خططه العسكرية· بيد أن هذا النجاح الذي حققه لبنان قد ينقلب مع الأسف إذا تمكن ''حزب الله'' من الفوز بالأغلبية في انتخابات يونيـو القادمــــة، لا سيما إذا لجـــأ الحزب الشيعي إلى تبني السياسات الاقتصادية الكارثية التي تنتهجها إيران·
وفي سياق الفراغ الفكري المخيم على الشرق الأوسط تشكل المعجــــزة الاقتصاديـــــة في لبنــــان درســــاً مفيداً، إذ رغـــم الاضطرابات السياسية الداخلية وعلاقــــات الجوار غير الودية، استطاع لبنان تفادي أسوأ تداعيات الأزمة المالية بفضل سياساته النقدية الحذرة، دون أن يحيد عن اقتصاد السوق· وحتى في حال تأثر لبنان بتوابــــع الأزمــــة، فإنه سيكـــون أقدر من غيره على تحملها وأسرع في استرجاع عافيته لمقاربته المالية الحكيمة، لـــــذا فـــــإن الجــــواب يكمـــــــن في السياسات الاقتصادية الصائبة·

ديفيد شينكر
مدير برامج السياسات العربية بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا