الجمعة 27 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الدار للثقافة والفنون فكرة طارت من تلال روما إلى سفوح جبل الشيخ
الدار للثقافة والفنون فكرة طارت من تلال روما إلى سفوح جبل الشيخ
19 أغسطس 2005

دمشق ـ فاطمة شعبان:
يحتاج تمويل المشروعات الفنية والثقافية من المال الخاص إلى الكثير من الجرأة والتضحية، لأن هذه المشاريع، مشاريع خاسرة بطبيعة الحال وهي لا تستهدف الربح، خاصة في بلد لا يوجد فيه سوق للفن· ولكن التشكيلي السوري محمود دعدوش وأخاه محمد دخلا هذه المغامرة من خلال إقامة دار للثقافة والفنون في ريف دمشق، يستعيدان فيها حلماً قديماً، ومحاولين البدء مرة أخرى لخلق نشاط وحيوية جديدتين في الحياة الفنية السورية·
حول الدار والأحلام والفن كان لنا اللقاء التالي مع الفنان محمود دعدوش:
؟ كيف تبلورت لديكم فكرة تأسيس دار لدعم ورعاية الثقافة والفنون؟
؟؟ لم تكن هذه المرة الأولى التي نسعى فيها أنا وأخي لخدمة الثقافة والفن· بعد تخرجي من أكاديمية روما للفنون عدت إلى دمشق، وافتتحنا صالة الفن الحديث العالمي عام ،1958 وكانت أول صالة فنية في مدينة دمشق· ثم صالة أورنينا عام ،1965 والتي تنقلت بين عدة أماكن قبل أن تستقر في فندق الميرديان بعد افتتاحه عام ،1975 واستمرت النشاطات في هذه الصالة حتى بعد عودتي من جديد إلى إيطاليا بإشراف الفنانين عبد العزيز علون ومحمد غنوم حتى توقفت عام ·1985 كانت هاتان الصالتان تجمعان بين إقامة المعارض الفنية وتطوير الحركة الفنية والفكرية والثقافية، من خلال اللقاءات الفنية والأدبية والشعرية التي كانت تقام فيهما· كما افتتحت عند عودتي لإيطاليا عام 1962 صالة سان لوقا الفنية، وأسست بالتعاون مع عدد من الفنانين والمثقفين العرب والإيطاليين المركز الثقافي الإيطالي العربي في روما، وأصبحت الصالة والمركز ملتقى للفنانين والمثقفين والأدباء العرب المقيمين في إيطاليا والإيطاليين أمثال تروتي، زاباتيني ، يتحاورون ويتناقشون ويتجادلون حول الفن والثقافة وقضايا كثيرة أخرى· كانت الأجواء الفنية والثقافية في إيطاليا في السيتنات والسبعينات جميلة جداً، والحركة الفنية والثقافية نشطة جداً على جميع المستويات (سينما، مسرح، آداب، فنون)، أنتجت مدارس فنية متعددة، وتشكلت جماعات فنية مترابطة جداً· هذه الحركة شجعتني فيما بعد على تأسيس أكاديمية فنية سميتها (فوتوريا، المستقبل)، وقمت باستئجار قصر أثري كبير يقع على تلّة تشرف على مدينة روما لإقامة هذه الأكاديمية، والتي ضمت أيضاً صالة عرض سميتها (أورنينا)، استضافت العديد من المعارض لفنانين مشهورين عرب وعالميين· ومسرحاً سميته (أفاميا) قُدمت على خشبته عروض متعددة· وعدة غرف خصصت لضيوف الأكاديمية من الفنانين من داخل إيطاليا وخارجها· وكانت تراودني في كل مرة كنت أعود فيها إلى دمشق فكرة إنشاء دار لرعاية الفن والفنانين تماثل أكاديمية فيتوريا بأهدافها وتكون امتدادا لها·
؟ وكيف تحولت الفكرة إلى واقع ملموس؟
؟؟ منذ عامين عدت إلى دمشق، وخلال زيارة لمزرعة أخي في قرية دروشه (في ريف دمشق)، أعجبت بهذه المزرعة والمساحات الخضراء، وبالدار الريفية القديمة الموجودة فيها· عرضت عليه فكرتي بتحويل هذه المزرعة والبيت إلى دار للثقافة والفنون· ولأن شقيقي من مشجعي الفن والثقافة، وهو بالمناسبة ناشر كتب منذ خمسين عاماً، تحمس للفكرة ووافق عليها ودعمها بكل إمكاناته المادية والمعنوية· وبدأنا بتنفيذ مشروعنا على مساحة المزرعة التي تبلغ 30,000 م،2 يشغل مبنى الدار منها حوالي 800 م·2 وقد قمنا بترميم البيت الريفي الكبير وإجراء بعض التعديلات اللازمة عليه ليتناسب مع الفكرة· وتضم الدار صالة عرض كبيرة (أورنينا)، وورش فنية واسعة، وشقق صغيرة مريحة مخصصة لاستقبال الفنانين الضيوف، بالإضافة لشقة خاصة بي تضم مرسمي الخاص· كما تحولت أرض المزرعة بمساحاتها الخضراء إلى حدائق ومتنزهات ومسرحاً في الهواء الطلق (أفاميا)·
تمويل خاص
؟ هذا المشروع الضخم يحتاج إلى تمويل، هل شاركت جهات أو أفراد في دعمه وتمويله؟
؟؟ لم يشارك أحد في تمويل المشروع، يكفينا الدعم المعنوي، أما الدعم والتمويل فكانا فقط من أخي محمد·
؟ هل للدار دور في تنشيط سوق فنية محلية، أو في تقييم الأعمال الفنية بعيداً عن الأسعار الخيالية التي يذيل بها الفنان لوحاته؟
؟؟ هناك مسألة مهمة يجب أخذها بعين الاعتبار، الفنان يعرض لكي يبيع أعماله، ولكن زبائن الفن وجامعي الأعمال الفنية قلة في سوريا· ورغم وجود عدد كبير من الفنانين، وعدد كبير من الصالات الفنية التي تعرض أعمالهم، إلا أنه لا يوجد سوق فني في سوريا، ولا جمهور نشط يواكب الفن والفنان ويقتني أعمالا فنية· وبدون هذا الجمهور لا تستطيع الصالات مهما كثرت أن تنشئ أو تُنشط سوقا فنيا· خصوصاً عندما يحدد الفنان سعر لوحته بمبلغ وقدره(···) كأنه يقول هذا مستواي، ولا تعنيه السوق الفنية بقدر ما يعنيه الحفاظ على هذا المستوى الذي حدده بنفسه· في الأسواق الفنية العالمية هناك تقييم لكل فنان يتم على أساسه تقييم أعماله، وتحدد بالتالي قيمتها الفنية والجمالية والمادية، وبالتالي تختلف القيمة الفنية المادية لأعمال هذا الفنان عن ذاك· حتى أعمال الفنان الواحد تختلف قيمة إحداها عن الأخرى، ولا تملك كل لوحات بيكاسو القيمة نفسها· باختصار هناك سوق فني ينظم هذه الأمور، وطالما لا يوجد عندنا سوق فني ينظم أصول تجارة الفن ويضع أسس لتقييم الفنان وأعماله، سيظل كل فنان يقيّم نفسه بنفسه ويحدد القيمة الفنية والمادية لأعماله بنفسه·
نشاط الدار
؟ ما النشاطات التي أقيمت في الدار، وما هي مشاريعكم القادمة؟
؟؟ افتتحت الدار رسمياً في نهاية أيار/،2004 بحضور عدد من الفنانين والمثقفين والصحفيين والمتتبعين للحركة الفنية في سوريا، وبدأت أولى نشاطاتها الفنية بإقامة معرض فني لمجموعة صالة الفن الحديث في ستينيات القرن العشرين· كما قام الدكتور عبد العزيز علون خلال المعرض بتوقيع كتابه 'منعطف الستينيات في تاريخ الفنون الجميلة المعاصرة في سوريا· وقمنا لاحقاً بإقامة معرض لفناني مدينة حمص، تلاه معرض لفناني مدينة السويداء· والتحضيرات قائمة لإقامة معارض أخرى، ولعقد عدد من الندوات والملتقيات الفكرية والفنية· كما ستقوم الدار بدعوة عدد من الفنانين العالميين واستضافتهم لإقامة معارض في سوريا، وتعريف الفنانين والجمهور السوري بهؤلاء الفنانين وبأعمالهم ونشاطاتهم· وقد اتفقنا مع أربعة فنانين عالميين لإقامة معارضهم هنا، منهم تروتي وديلي ساندي، وهما من أهم أساتذة الفن في أكاديمية روما· وسيقيمان لعدة أيام في ضيافتنا، وهذا سيوفر للفنانين السوريين فرصة اللقاء معهم، والاطلاع على الحياة العملية للفنانين، كيف يعملون وماذا يعملون، والاستفادة من هذا الجانب العملي مهمة لتنمية خبراتهم ومعارفهم وحواسهم الفنية·
؟ برأيك هل ستؤسس الدار حركة فنية جديدة، أو اتجاه فني جديد في سوريا مستقبلاً؟
؟؟ حقيقة لم ندخل فنياً القرن الواحد والعشرين، لم تظهر أي حركة فنية أو أي مدرسة فنية جديدة على المستوى العالمي، ما زلنا نعمل في القرن العشرين، ما زلنا نشتغل بالتجريدية والدادائية···الخ· ولكن أحد أهم الأهداف من وراء إقامة هذه الدار هو التقاء الفنانين وتحاورهم فكرياً للخروج بأفكار جديدة تنشط الحركة الفنية، الخروج من هذه اللقاءات والنقاشات بفلسفة فكرية وليس فلسفة فنية فقط، هذه اللقاءات، وهذا التجمع هو الذي يخلق حركة فكرية فنية· ما الذي يمنع من وجود تجمع فني يعاضده تجمع فكري يرفده بالأفكار لينطلق من سوريا إلى أي مكان في العالم، وهذا التجمع الفكري لا تؤسسه الدار بقدر ما يؤسسه الفنانون والمثقفون أنفسهم· ومن الممكن أن تؤسس الحوارات واللقاءات والتجمعات التي تتم في الدار لحركة فنية مستقبلاً، ويمكن أن تنطلق أفكار فنية جميلة، مثلما حصل معنا أنا وصديقاي الفنانان عبد العزيز علون والمرحوم فاتح المدرس في الستينات، فقد أسست النقاشات والحوارات التي كانت تدور بيننا وأنتجت شيئا مهما في الفن، وهو المانفيست· النقاش كان يدور حول الفنون، وما هي أفكارنا حول الفن والمجتمع والحرية، ولاقت الفكرة استحسان الفنانين الإيطاليين والفرنسيين والألمان لدرجة تبنيهم لها، وعملنا معهم معارض مشتركة· أعجبتهم الفكرة وانطلقنا نحن منها·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©