الإثنين 23 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
دماء على الشرف الرفيع
19 أغسطس 2005

القاهرة ـ أشرف عبد المنعم:
منذ ماضٍ غير بعيد كان لا يحفل بماضٍ أو مستقبل، كان يحيا يومه الذي يعيشه مع زوجته، وطفلته، وطفله، وقد ولدا معا·· في تلك الأيام كان يمشي مختالا·· يزهو على كل الناس·· يعتقد انه أنصع الناس قلبا، وأقربهم الى الله·· فقد رزقه الولد، والبنت 'توأما' بعد الزواج بعام واحد، ومن اجل ذلك اصبح محسودا من الجميع، الاقارب، والمعارف، وازداد رزقه، وتضاعف عدد المترددين على صالونه للحلاقة، حتى فكر في ان يستخدم زميلا معه·· لولا انه لم يجد من يصلح ليشركه معه في عمله! وروض نفسه على احتمال متاعب العمل الذي يتطلب منه ان يفتح 'الصالون' مبكرا احيانا مع طلوع الشمس، فيقوم بعمل نظافة عامة، ويغسل الارض، والابواب، وزجاج المرايا، وفي التاسعة تماما·· يرتدي المعطف الابيض الانيق، ويسأل الله الرزق، الذي يجعله يقف على قدميه حتى العاشرة مساء!
هذه الاناقة التي كانت اسلوب حياة عنده هي التي جعلت الفتاة التي صارت زوجته تتعلق به·· كانت لا تزال في المرحلة الثانوية، وكانت انشودة الشارع كله والحارات المتفرعة منه·· ولم تستلفت نظره، ولا خاطره·· الا حينما اقتحمت 'صالونه' تسأله ان يطلب لها من تليفونه الاسعاف، وكانت دموعها، والفزع الذي يرسم نفسه على ملامحها، يضاعف من جمالها، ويبرز ضعفها كأنثى، وحاجتها الشديدة الى المساندة، والمساعدة·· لان والدها هاجمته غيبوبة السكر، وجاءت سيارة الاسعاف، وترك 'صالونه' للصبي، وصحبها الى المستشفى، وقام بالواجب، وبأكثر منه، من دون ان تكون له اي اهداف سوى انه يقوم بما تمليه احكام الجيرة ، والاب احد عملائه، والبنت وحيدة لان أشقاءها في اعمالهم! وهو لا يستطيع ان يرى انسانا في حاجة الى معونة يملكها ولا يقدمها له·· وعاد الاب بعد علاجه، وتلقى الشكر من شقيقيها، ومن الاب، ومنها، ومن والدتها·· لكن شكرهم جميعا لم يمس شغاف قلبه كشكرها هي·· القت في جوانحه، وهي تشكره بأشياء كلها جديدة عليه·· حتى هم ان يسألها عندما التقى بها عن الذي فعلته به··!
اراد ان يتخلص من قيود يشعر بها ولا يراها·· هي التي تمسكه، وتعوقه عن الاقدام نحو هدفه الذي بدأ يتكون·· لم يكن ممكنا ان يتقدم وهو موثوق من داخله·· عندما ملأته شحنة كانت هي مصدرها قال لها: هل اتقدم لأهلك؟ يومها سكتت، وارتعشت ملامحها، وغاص هو في مكانه، ثم عاد فقبل اصابعها·· وتوالت احداث كثيرة، شغلت مساحات زمنية طويلة·· كانت ترفع درجة حرارة الحب الى ما فوق المطلوب، وتهبط الى ما تحت الصفر·· ثم تزوجا··! كانت هي تشعر في اعماقها بأنها تصدقت عليه بقبولها به·· فقد قطعت دراستها، وكان اهلها يريدونها ان تتعلم ، وكان هو يشعر انه انقذها وأهلها·· فسواء تزوجها ام لا·· لم يكن من المعقول ان تمضي في التعليم، وقد احيل والدها الى المعاش، والمعاش ضئيل، والاخوة في حاجة الى المساعدة·· ولكنها تدعي انه قطع عليها طريق التعليم حماية لماء الوجه··! وليس ادل على ذلك من انها جعلته يتحمل كل التكاليف·· من الالف الى الياء، ومع ذلك فقد كان سعيدا يعصف به الزهو·· لانه حقق هدفه من دون مساعدة من احد·· كسب العروس ومعها دعوات الام والاب، لانه حمل العبء كله وحده··! ومن اجل ذلك -هكذا يظن- منحه الله 'البنت والولد' دفعة واحدة··!
كانت قفزة·· لم يمر لا هو ولا هي بمرحلة الطفل الأول·· لعل ذلك جعله يشعر بأنه اختصر سنوات الاستمتاع بالزواج·· دخل من دون اي تمهيد الى مرحلة 'صاحب الاولاد' تضاعفت المصروفات، وتصاعدت المتاعب، فضاعف من ساعات العمل·· واختصر مصروفاته الخاصة·· فلم يعد يسمح لنفسه بأن يتلذذ بلذة بعيدا عن البيت·· ولا حتى 'اكلة يحبها'·· أو فاكهة يؤثرها·· لابد ان يشركها معه·· وكان يرى في عينيها كل التقدير، والعرفان بالجميل·· وخلع ذاته من نفسه، وغرسها في هذا المحيط الجديد·· فهو لا يرى ابعد من زوجته، ومن الطفلين··!
بداية الأزمة
ولم يكن يشعر انه تحت ضغوط·· لكن عجزه عن دفع اجرة البيت والصالون في اول الشهر صدمه·· كان لابد ان يؤثر 'الصالون' فهو خط التموين الذي لا يجب ان ينقطع·· دار الشهر سريعا، وأرسل صاحب البيت·· وقالت له انها تشعر به وبالأزمة وهي تستأذنه في ان تذهب الى والدتها·· انها اشتاقت اليها·· أم تريد ان تقترض؟ ولا تحب ان تقولها له·· وأوما برأسه·· لأنه لم يجد الكلمة المناسبة··!! لم تتوقف الازمة·· ولم تقض عليها زياراتها لأمها·· والاطفال يكبرون، والمطالب تتضاعف، وترتفع الديون من شهر الى شهر·· والتفكير في الخروج من الازمة يحدث ارتباكا، واضطرابا·· ويهرول الانسان، ويظن انه يخرج منها·· لكن يفاجأ بالعكس في النهاية·· فتتضاعف الازمة·· وتتحول من الخارج الى الداخل·· تتسلل الى جهاز التفكير·· الى العقل·· فيصاب العقل بالجفاف· تسود افكاره·· وتسبح ذراته في سواد يصبغ اركانه ، وكل شيء فيه، حتى الدماء الحمراء تصبح سوداء··! ليست الدنيا هي التي تغيرت فقط·· بل هي ايضا·· لم تعد كما كانت قبل الزواج، وفي ايامه الاولى·· لاحظ انها بدأت تسقطه تماما من حسابها·· لا تتحدث اليه الا لتطلب نقودا·· ولا بأس ان تسمعه وصلة اذلال، لانها تقترض من اجله من اهلها، وهو يعرف جيدا، انها لا ترد هذه القروض لانه لا يدفعها·· انه يأخذ فقط·· أو على الاقل يعرف، وتتولى هي الانفاق·· صوتها اصبح عاليا، خطابها اليه اما ان يكون تأنيبا أو مطالبة·· هربت العبارات الحسنة والجمل الطيبة·· صارت زاهدة فيه·· يشعر انها لفظته وانها تسحب وجودها منه شيئا فشيئا··!! ألا يمكن ان يكون ذلك وهما·· مبعثه الازمة، والتفكير الطويل في القروض وابتكار الطرق لتسديدها؟ هناك نقطة اخرى مهمة يجب ان تفحص·· من في اهلها لا يعترض على هذه القروض التي لا ترد، ومع ذلك يستمر في الاقراض؟ ايضا السيدة التي ظهرت فجأت، وتدعي انها قريبة لها كانت هي وزوجها في الخليج، وعادا منذ عام·· انها لا تكف عن الخروج معها، وتدعوها مرارا الى الغداء أو العشاء ومع انها تتردد عليهم منذ اكثر من عام ، لكنه لم يرها تصطحب زوجها معها أبدا··؟ وراحت افكاره تسبح في الظلام، وهو خلفها لا يريد ان يخرج بها الى النور، ولا هي تريد ان تتركه لانها ترعى مساحة رأسه التي افرغها لها··!
شكوك
كان يحس انه يعبأ ضدها·· كل لحظة تلاقيا فيها كان يريد ان يسألها اجابة على اسئلته التي لم يخرجها من صدره·· حرصا على الموجود رغم مرارته·· أم خوفا من الاجوبة التي لن تكون ابدا في صالحه·· فهي لابد ان تدافع عن نفسها، وفي دفاعها سوف تسحقه من دون رحمة وتحطم البقية الباقية من رجولته·· هذه الرجولة التي تمزقت في قسوة بأيدي الحاجة والعوز الذي يجتاحه وحده··!! نعم انه وحده الذي تتراكم عليه الديون·· اما هي فثروتها الذهبية في تزايد·· والملابس، والحقائب والاحذية تتضاعف ولا تكلف نفسها اعلانه عن مصادرها أو حتى تبرر حصولها عليها·· سوى ان صديقتها تلك اهدتها ما لم يعد يصلح لها·· واذا كانت هذه حقيقة، فهل يمكن ان تكون الاقراط الذهبية والاساور لم تعد تصلح لها هي الاخرى؟!
وكان لابد من الاصطدام طالبته بنقود·· فاقترح عليها ان تبيع اسورة من اساورها·· وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، وانقلبت الى نمرة توشك ان تفترسه·· فقال لها ان هذا الذهب ثمن غيابها المتكرر عن المنزل·· فصاحت فيه الم يكن يعرف الا اليوم؟ لقد تأخر كثيرا وانها كانت تظن انه عرف من قبل··! قالتها بسخرية جمدت كل شيء فيه·· الكلام، والقدرة عليه، والرغبة حتى في النظر اليها بغضب·· مضى عنها، وهو يخلع نفسه من مكانه·· فلاحقته هازئة به 'معنى كل هذا انك لن تدفع'!
امتلأت كل خلية في داخله بنوع رديء من 'القرف النفسي' جعله لا يحفل بالحياة فلم تعد له رغبة في ان يحياها، ولا ان يتخلص منها·· لا تستحق اي محاولة ايجابية أو سلبية·· فقد اعترفت شريكته في الحياة انها لفظته، وسحقته، وباعته بالاساور، والاقراط من دون تفكير ومن دون ألم·· فهي ليست نادمة، أو يراودها الندم·· انها في قمة الرضا أو التوفيق على الأقل· فهو السيد المطاع، الذي يملك حتى انفاسها طالما يملك القدرة على الانفاق·· فاذا ضاعت هذه القدرة·· فلا يجب ان يطاع، ولا تسمع له كلمة، ولا يسأل عما تفعله هي بنفسها، أو بجسدها الذي لم يعد يملكه·· فقد باع نصيبه فيه يوم ان عجز عن الانفاق عليه··!
وتدحرجت الايام·· تتوالى لياليها كأنها تتساقط من مسبحة كونية، لم يعد يطيل النظر اليها، وهي ايضا تجنبت الحديث معه·· انفصلا وهما معا كان يخاف ان يعثر فيها على آثار الاخرين، وأخذتها هي العزة بالاثم·· فلم تعد تقبل منه صدقة زوجية هي في غنى عنها، وادركت بالخبث النسوي انه يعاقبها لكي تتألم فبادرت بإظهار البهجة، وهكذا افسدت عليه خطته·· فأسقط في يده··! نزلت على فؤاده نازلة من رأسه·· من هذه الهلاميات التي تسبح في سائل اسود·· البنت والولد·· هل يمكن ان يكونا لغيره أو لآخرين· يا للكارثة·· انها الطامة·· فلا يربطه بها وبالحياة الا هما··! ولكن قد يكون ذلك قبل السقوط، وأيام الحب الذي كان يظنه ابديا؟ من يملك ان يقرر؟ ومن يملك كلمة الفصل في هذا الموضوع سواها؟ انها وحدها التي بيدها السر الرهيب··! لكن تراها تقول الحقيقة ام تكذب لكي تتعلق بالشرف والبراءة، وهي حتما وبالضرورة سوف تؤكد هذا·· وانه مجنون يهذي، وانها ظاهرة كعين الشمس، بريئة كالذئب المتهم في 'يوسف'··! ولابد حتى بعد هذا من ميزان يعرض قولها عليه، لكي يقرر مدى الحقيقة، ومدى الكذب في جوابها -هذا اذا اجابت- لكن لابد ان تجيب·· لابد··!
القرار
بعد هذا القرار بساعات·· اغلق الصالون، وذهب الى المنزل·· لم يجد الولد ولا البنت سألها عنهما·· قالت انها تركتهما عند امها·· كانا قد ناما·· فلم تشأ ان توقظهما، وسكتت· فقال، ولماذا تأخرت في الخارج حتى ناما؟ 'سكتت'، وتابع: لابد انك كنت مع صديقتك فلانة! وفتحت فمها على آخره، وهبطت منه قذائف سيئة·· رد عليها بأن عليها ان تجيب على سؤال محدد -الولد والبنت- ولداه حقيقة ام ان له شركاء فيهما؟ وقفزت على رقبته فخنقته، حاول أن يتخلص منها فطرحها أرضاً ، حاولت ان تقوم، ركلها بقدمه فصرخت، وتقلبت وهي تمسك ببطنها بإحدى يديها·· انكفأت على وجهها، وهي تعوي·· امامه كان 'مفتاح' حديدي كبير اخذه في اقل من ثانية هوى به على رأسها·· تابعت صراخها، وانقلبت تحمي رأسها بيدها، هوى مرة ثانية صرخت، وتحطمت اصابعها، هوي مرة ثالثة فكفت عن الصراخ، وغابت عن الوعي، وغابت ملامحها في الدماء التي انبعثت من فمها، وانفها، وجانبي رأسها··!
ونقلتها الاسعاف الى مستشفى 'امبابة' والقت الشرطة القبض على 'الحلاق' الذي اعترف بالتفصيل وفوجئ بأنها لم تلفظ انفاسها، وانها قالت في المستشفى لضابط المباحث·· ان زوجها كاذب في كل ما اتهمها به، وانها كانت تطالبه بنقود·· فجن جنونه، وانهال عليها ضربا بمفتاح 'انبوبة البوتاجاز'··! وأصر كلاهما على اقواله، وامرت النيابة بحبسه على ذمة القضية··!!
نهاية
قفزت على رقبته فخنقته ، حاول أن يتخلص منها فطرحها أرضاً ، حاولت ان تقوم، ركلها بقدمه فصرخت، وتقلبت وهي تمسك ببطنها بإحدى يديها·· انكفأت على وجهها، وهي تعوي·· وجد أمامه 'مفتاح' حديدي كبير أخذه في اقل من ثانية وهوى به على رأسها·· وغابت عن الوعي، وغابت ملامحها في الدماء التي انبعثت من فمها، وأنفها، وجانبي رأسها··!
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©