الأربعاء 18 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
خدمة حل المشاكل العاطفية غرق عبر المحمول
خدمة حل المشاكل العاطفية غرق عبر المحمول
19 أغسطس 2005


القاهرة ـ ماجدة محيي الدين:
الغريق يتعلق بقشة لعلها تنقذه من الموت·· والمشرفون على الغرق في عصرنا كثيرون تأكلهم الوحدة ويتوهون في الزحام ولا يجدون من يعطف عليهم ويساعدهم أو حتى يسمعهم·· فالانسان المأزوم في كثير من الاحيان لا يريد فحسب حلا لمشكلته المستعصية·· بل يريد من يسمعه·· يريد أن (يفضفض) وفي ذلك نصف الحل أو الحل كله·· لكن الباحثين عن الثراء لم يتركوا هذه المعاناة تمر من دون أن يستفيدوا منها و يتاجروا فيها ليجنوا الأرباح من ورائها، وهكذا ظهرت في الآونة الاخيرة خدمة مشبوهة على الهاتف المحمول هي خدمة حل المشاكل النفسية والعاطفية لمن يتصل على رقم ما ويتلقى الاتصال اشخاص مجهولون ولا يدري احد عواقب هذه الخدمة التي سيستغلها بالتأكيد اصحاب النوايا السيئة ابشع استغلال·
فما هي الخطورة التي تحملها هكذا خدمة؟ وهل يمكن أن يكون البحث عن العلاج للمشاكل التي قد تواجه الفرد في حياته على هذا النحو؟ وما مدى فاعلية مثل هذا السلوك في حل المشكلات؟ وماذا يقول المختصون والخبراء في هذه الطريقة؟
'دنيا الاتحاد' سألت وحققت وخرجت بالآراء التالية:
بدأنا بمحاولة الوصول إلى أصحاب هذه الخدمة وبعد الاتصال بالأرقام المنشورة كانت تأتينا الرسالة الصوتية المصحوبة بفواصل موسيقية هادئة لاطالة مدة المكالمة واخيرا جاء الرد نحن نزودك بنصائح وارشادات لحل مشاكلك من خلال أكبر الاخصائيين والاستشاريين النفسيين دون وصف ادوية فدورنا تزويدك بالثقافة لحل مشكلاتك التي قد تكون في غاية البساطة وتأكد ان جميع المعلومات التي ستدلي بها ستكون في سرية وأمان ولا يطلع عليها إلا المختصون·
حملنا هذه الرسالة وذهبنا الى الدكتور فكري عبدالعزيز -استاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس- الذي قال: 'ان هذه الخدمة لا يمكن ان تقدم علاجا أو حلولا لمشاكل نفسية·· لأن الأمراض النفسية تتطلب المواجهة واللقاء السوي والصحي، اما الاعتماد على وسائل الاتصال الحديثة مثل (النت) والمحمول فهو مجرد ترويج تجاري خاصة إذا لم تكن وراءها جهات علمية أو هيئات طبية معروفة·· وقد أصبحت الكثير من المؤسسات العلمية تعلن بشكل واضح عن أرقام لخطوط ساخنة لتقديم الاستشارة أو المساعدة والاسعاف السريع ومعظم الجامعات والمراكز العلمية والبحثية لديها هذه الخدمة التي تخضع لاشراف ورقابة من الجهات المعنية'·
زواج على الورق
ويؤكد ان خدمة العلاج على المحمول قد تسبب مشاكل نفسية لأن الذات المعتلة تصاحبها آلام نفسية وتلجأ للتورية والمغالطة والعلاج الحقيقي يبدأ بالمواجهة بين الطبيب والمريض ثم المصارحة والثقة·
ويشير الى 'ان العلاج بالمحمول مثل الزواج على الورق أو من خلال بيانات الكمبيوتر، وقد ثبت فشل هذه التجارب خاصة في مجتمعاتنا الشرقية· من ناحية أخرى لا يمكن الاستخفاف بالمرض النفسي إلى هذا الحد، واذا كان المعالج بالمحمول يؤكد انه لن يصف دواء حتى لا يقع تحت طائلة القانون فان هذا دليل على عدم القدرة على العلاج النفسي الذي يحتاج إلى مناقشة المريض، والتعرف على الدوافع والآلام النفسية من خلال المناقشة، ومعرفة هوية الذات، وعادة ما يتم وصف علاجات كيميائية وعقاقير مساعدة إلى جانب جلسات نفسية بسيطة يشعر بعدها المريض بالأمان النفسي·· لكن المحمول لن يؤدي تلك الوظائف والاتصال التليفوني يحقق هدفا واحدا هو الربح لاصحاب الشركات المعلنة'·
استخفاف بالآخر
من جهتها ترى د· عزة كريم -استاذ علم الاجتماع: 'ان مجرد الاعلان عن تقديم علاج لمشاكل اجتماعية أو نفسية عن طريق التليفون المحمول يدل على الاستخفاف بعقلية الآخر، لأن مجرد تقديم نصيحة اجتماعية أو مشورة يحتاج إلى التعرف بوضوح على الظروف الخاصة من خلال أكثر من لقاء، ومن الممكن ان يكون صاحب المشكلة غير دقيق· كما أن هناك عناصر اخرى لا بد من وضعها في الاعتبار أهمها الظروف المحيطة، والأشخاص المؤثرون في حياته، وحتى الطبيب النفسي لا يصل إلى نتائج ايجابية الا بعد رحلة علاج طويلة'·
وتؤكد ان هذه النوعية من الخدمات هدفها التربح ولا تخرج عن كونها عملية تجارية اعلانية يمكن وصفها بالفهلوة وتؤدي الى اضرار ولا تمت للعلم بصلة حتى إذا تم الحفاظ على سرية المعلومات كما يقولون·
وتوضح ان هذه الاعلانات لا تخضع لاي نوع من الرقابة والكثيرون يفقدون ثقتهم بالعلم وخاصة علم النفس لان أغلب النصائح مجرد كلام عام، وقد يعتمد على نتائج لدراسات اجريت على حالات معينة لها ظروفها الخاصة·· وصاحب هذه الفكرة يتاجر بالجمهور والقنوات التليفزيونية أو الصحف الخاصة يهمها العائد المادي·
تفكك المجتمع
اما الدكتور أحمد المجدوب -الخبير الاجتماعي- فيرى ان هذه النوعية من الإعلانات موجودة منذ سنوات في المجتمعات المادية التي ضعفت فيها صلات الرحم، وأصبح الإنسان لا يجد في محيط عائلته وعالمه الخاص من يسمعه أو يستشيره، ونحن نمر بالتحول الى مجتمع تسوده المادية وتضعف فيه الروابط الاجتماعية وكثير من أصحاب تلك الأرقام يحققون أرباحا كبيرة نتيجة التفكك الاسري وتآكل القيم والعادات الايجابية·
ويضيف ان دور الدولة محدود في النظم الرأسمالية فيما يتعلق بالرقابة والمجتمع اسند هذا الدور الرقابي إلى العديد من المنظمات والهيئات الأهلية غير الحكومية التي لها قوة وتأثير مستمد من الشرعية التي منحها لها المجتمع والتي تصل إلى سلطة التفتيش والتحري وحضور التحقيقات·
ويؤكد ان هذا النشاط الاعلاني الجديد فرض نفسه على المجتمع ويلجأ لهذه الخدمات بعض من يريدون التسلية وعادة لا يقدمون بيانات حقيقية بل يلجأون إلى تأليف المشاكل والقصص بهدف اضاعت الوقت·
ويلفت د· المجدوب إلى أن هناك بعض الهيئات الدولية التابعة لمنظمات عالمية معنية بحقوق الإنسان وحمايته تعتمد على بعض المتطوعين من الشباب وتقوم بتدريبهم لتقديم نصائح لبعض الذين يعانون اضطرابات وضغوطا قد تدفعهم إلى الانتحار ومن خلال برنامج تدريبي يقوم الشخص الذي يتلقى الاتصال بتهدئة العميل والتحدث إليه بطريقة علمية حتى يقنعه بالعدول عن الانتحار وربما يقنعه بالتردد على احد الاخصائيين، وهذا دور انساني نبيل يمكن ان تحققه تلك المكاتب خاصة وانها تابعة لجهات معلومة·
رأي إعلامي
وإذا كان هذا خبراء الاجتماع وعلم النفس، فما هو رأي الإعلام الذي يتهم في كثير من الأوقات بأنه يشجع مثل هذه الحالات ويخصص خطوطاً لاتصالات الافراد لحل مشكلاتهم النفسية والاجتماعية؟
يقول الخبير الإعلامي سعد لبيب: 'ان تلك الخدمة يتم الاعلان عنها في القنوات الفضائية الخاصة أو الصحف المستقلة ولا تخضع للسلطات، وأنها تحقق عائدا كبيرا من الاتصالات ويتم تقسيم 'كعكة' الاعلانات والاتصالات بين الصحيفة والمحطة الفضائية والمعلن يحصل على نسبة معينة ويستفيد من زيادة عدد الاتصالات ومدتها'·
وأشار إلى عدة حيل ووسائل يلجأ إليها أصحاب تلك الاعلانات حتى تزداد مدة المكالمة وعائدها لتصل إلى أكبر عدد من الدقائق، وفي النهاية يحصل المتصل على ارشادات وكلمات عامة لا تحمل اي مضمون له علاقة بالمشكلة أو علاجها وهذه الارقام لا تخضع لأي قانون او اشراف من اي جهة وعلى المتضرر اللجوء إلى القضاء إذا استطاع ان يثبت الضرر'·
ظاهرة مقلقة
وللقانون رأي لا بد من معرفته لكي تكون الصورة مكتملة أمام القارئ، وتتكشف أمامه القضية من وجوهها المختلفة، فما هو رأي القانونيين؟
تؤكد الدكتورة فوزية عبدالستار -استاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة- 'ان تلك الاعلانات ظاهرة مقلقة، ومن الممكن ان يتستر خلفها بعض ذوي النوايا السيئة، ورغم المخاطر التي تمثلها تلك الظاهرة في العديد من المجالات مثل شراء الملابس ومستحضرات التجميل أو وصفات التخسيس وغيرها فإن المؤكد ان التعرض للمشاكل النفسية والعاطفية يحتوي على مخاطرة أكبر بالنسبة للعملاء الذين يلجأون لهذه الوسيلة الجديدة على مجتمعنا والتي تفتح الباب امام المجهول، وربما يستغلها بعض أصحاب النفوس الضعيفة مما قد يترتب عليه عواقب وخيمة الا إذا خضعت تلك الخدمات الجديدة لإشراف مكاتب استشارية وقانونية واطباء نفسيين مرخصين'·
وطالبت باصدار قانون يمنع مثل هذه الاعلانات وينص على ان تنال الصحيفة أو القناة التليفزيونية جزاء رادعا إذا تبين سوء استغلال العملاء بأي صورة خاصة وان معظم الضحايا من الشباب·
وقالت ان المجتمعات الغربية سبقت بسن قوانين تحدد وتضبط العلاقة بين الجهة المسؤولة عن تلك النوعية من الخدمة وعملائها وحتى مع صدور هذه القوانين فان القاعدة هي ان 'القانون لا يحمي 'المغفلين'· وإذا كانت تلك الجهات المعلنة لا تخضع لأي إشراف فلا بد ان يتخذ المسؤولون إجراءات رادعة ضدها·
نظام حماية
وقال د· حسام لطفي -الاستاذ بكلية الحقوق- ان مروجي هذه الخدمة يعتمدون على حالة الحرج التي قد تصاحب بعض المرضى النفسيين، وهذه مشكلة لأنه حتى الآن ليس هناك دليل على وجود ضمانات محددة وأكيدة لسرية البيانات، والاتصال عن طريق المحمول يمكن الطرف الآخر من التعرف على شخصية المتصل أو العميل بسهولة ومن الممكن تسجيل المكالمة التي قد تتضمن اعترافات بمسائل شديدة الخصوصية وفي ظل غياب التراخيص والرقابة على تلك الجهات يمكنهم استغلال البيانات في عمليات ابتزاز ومساومة·
وطالب بفرض نظام 'حمائي' للبيانات والمكالمات لدرء الاخطار، فاذا اعترف شخص من عائلة معروفة بأنه مصاب بداء 'الكلابتومينا' أي داء السرقة دون قصد فهو هنا مريض، لكن إذا تم تسجيل المكالمة وتعقبها يمكن معرفة كل بياناته ويستطيع شخص آخر أن يبتزه ويهدده ويطارده عبر هاتف منزله وعمله· واذا كانت هذه النوعية من الخدمات منتشرة في العالم فإن وجودها اقترن بنظم حماية بحيث يعرف العميل ان مكالمته يتم تسجيلها بموافقته وانها غير خاضعة لخاصية التتبع· وحتى تحدث درجة من الوعي الاجتماعي لدى المتعاملين مع هذه الخدمة لابد ان تتدخل وزارة الصحة باجهزتها المختلفة في حماية المرضى لأن الطابع الشخصي للعلاج النفسي غير موجود وسرية البيانات غير مضمونة·

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©