الاتحاد

تقارير

الليبيون والتردد الدولي!

... أخيراً قرر مجلس جامعة الدول العربية في الاجتماع الطارئ الذي دعا إليه الأمين العام للجامعة العربية بالإجماع أن تطلب جامعة الدول العربية من مجلس الأمن أن يفرض الحظر على سلاح الجو الليبي. وذلك بعد أن قام القذافي بأكبر مذبحة عرفها تاريخنا الحديث حيث استخدم هو وأنصاره كل الأسلحة التي اشترتها من عرق وجهد شعبه "المحبوب" من دبابات ومصفحات ومدفعية ثقيلة، ولم يتمكن من دحر الثوار فلجأ للطيران، الذي دمر المدن وقتل المدنيين وانجز "الزعيم وملك ملوك أفريقيا" وعيده بأنه سيقاتل ويطارد "العملاء والمساطيل" الذين تجرأوا عليه.
لقد طفح كيل صبرهم بعد أربعة عقود من حكمه، الذي ليس له شبيه ولا نظير ومن أوهامه التي لم يقتصر اذاها على الشعب الليبي، إنما شمل الجيران الأفريقيين والأبعدين والأمة العربية.
اتخذ مجلس جامعة الدول العربية قراره بعد أن تم إدراك أن مجلس الأمن وحلف "الناتو" لن يحركا ساكناً إلا إذا جاءت المبادرة من العرب أصحاب الوجع الأصليين وأشقائهم الأفارقة حتى لا يخرج أحد بتلك الإسطوانة المشروخة عن التدخل الأجنبي والغزو الاستعماري.
لقد كان موقف المجتمع الدولي (إذا صح أن هنالك مجتمعاً دولياً) مخزياً ومخجلاً، وهو يشاهد طيران القذافي يضرب ويقتل ويدمر كل شيء متحرك في الأراضي الليبية التي حررها الثوار، وأقاموا مجالسهم الأهلية وبحت أصوات الليبيين، وهي تستغيث بإخوانهم العرب، وبالأمم المتحدة والولايات المتحدة والدول الأوروبية التي تتغذى على نفطهم رخيص الثمن).
وما وصف بأنها المناورات السياسية والمشاورات التي ظلت تجرى بين الدول الكبرى (حامية حقوق الإنسان وحياة المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ والداعية إلى بسط الديمقراطية والحرية وتمدين العالم العربي- الإسلامي) إنما هو في حقيقة الأمر يعد من أبشع ممارسات السياسة الدولية، التي تقدم فيها الدول القادرة والقائدة مصالحها على دماء وحياة البشر المساكين الذين عاشوا ضحايا لسطوة حكام كالقذافي، لأن مصالحها الوطنية (الاقتصادية والتجارية) متقدمة على كل ذلك، وهي كانت تقدم رجلاً وتؤخر أخرى لأنها لم تكن واثقة من قدرة الشعب الليبي الثائر على إزالة نظام القذافي، الذي فقد كل الأحاسيس الإنسانية، وحمل كل الكراهية والبغض لشعبه (الذي يحبه).
في هذه الأيام الحالكة السواد بالنسبة للشعب الليبي والأمة العربية تكشفت حقائق مذهلة ومواقف مخزية وتعلمنا فوق علمنا من قبل أن الإنسانية والرحمة، ليس لهما مكان في دنيا المصالح الاقتصادية للدول الديمقراطية الكبرى. وإن كل الدعوات والخطب الصادرة عن زعماء وقادة العالم الكبار لا تساوي الوقت الذي يضيعه الإنسان في الاستماع اليهم. فقط رجل واحد ملك الشجاعة والجرأة ليقول عن بلده إننا لنا مصالح اقتصادية كبيرة في ليبيا، لكننا لن نشتري هذه المصالح بدماء الضحايا والمدنيين الليبيين، وقام بضغوط كثيرة على حلفائه، وكان حديثه يبدو صادقاً وموقفه أميناً ذلكم الرجل هو رئيس وزراء المملكة المتحدة الذي قاد الحملة لإقناع بقية الحلفاء بالتدخل وفرض الحظر على الطيران ومن وقت مبكر.
حتى ساعة كتابة هذه المقالة، ما تزال معركة الحرية والكرامة الليبية مستمرة، وما يزال القذافي وأعوانه مستمرين في عملية إبادة الثوار التي أقسم أن يطاردهم من شارع إلى شارع ومن "زنقة إلى زنقة"، ومن منزل إلى منزل، والمطلوب الآن من مجلس الأمن أن يسارع في اتخاذ إجراءاته، وأن يتخذ أمره بفرض الحظر الجوي على طيران هذا الرجل المتهور.
الشعب الليبي يعيش اليوم مأساة تجل عن الوصف، وإنها ليست فقط امتحاناً لقدرة هذا الشعب وصموده وقوة إرادته، بل هي أيضاً امتحان للعالم العربي وللمجتمع الدولي حتى يطمئن الناس على أن المواثيق الدولية والقانون الدولي الذي أجمعوا عليه وأقاموا له المؤسسات، سيؤدي دوره المناط به قانونياً وأخلاقياً.
ومهما كان من أمر النهاية فقد سقط القذافي ساعة قاتلَ وأبادَ شعبه بسلاحه وتكشفت حقيقته المريعة التي كان كثيرون يغمضون عنها أعينهم وعقولهم. وسيحفظ الله القدير شعب ليبيا وسيحقق له النصر الذي يستحقه عن جدارة.

عبدالله عبيد حسن

اقرأ أيضا