الاتحاد

عربي ودولي

النظام القطري يهرب من مأزقه الأميركي بتعاقدات جديدة مع جماعات الضغط

دينا محمود (لندن)

في محاولةٍ يائسةٍ من النظام القطري لمواجهة الانتكاسات المتتالية التي يُمنى بها على الساحة الأميركية، خاصة ً بعد إقالة الرئيس دونالد ترامب لوزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون الذي كان يتخذ موقفاً منحازاً للدوحة، لجأت الدويلة المعزولة إلى تبديد مزيدٍ من الأموال على شراء الولاءات السياسية في الولايات المتحدة، من خلال التعاقد مع شركة دعاية وعلاقات عامة يُعتقد أن لها تأثيراً على صناع القرار في البيت الأبيض.
وفي هذا الصدد، كشفت وسائل إعلام أميركية النقاب عن أن سفارة نظام تميم بن حمد في واشنطن أبرمت اتفاقاً قبل أيامٍ قليلة مع شركة متخصصة في تكوين جماعات الضغط مملوكة لـ«بريان بالارد»، الذي يقول مراقبون إنه «على صلة وثيقة» بترامب، الذي تخشى الدوحة من أن تنتهج إدارته سياسة أكثر حزماً حيالها في الفترة المقبلة، بعد انضمام مدير وكالة الاستخبارات المركزية مايك بومبيو - المعروف بتشدده حيال إيران الحليف البارز للنظام القطري - إلى الإدارة وزيراً جديداً للخارجية.
وأفاد موقع «تامبا باي أونلاين» الأميركي الإلكتروني بأن الاتفاق وُقِع الأسبوع الماضي رسمياً بين ممثلين عن السفارة القطرية في أميركا ومسؤولي شركة «بالارد بارتنرز»، التي تربطها تعاقداتٌ مماثلة مع مؤسسات حكومية تركية، بجانب شركات كبرى مثل «أوبر» و«أمازون».
وفي التقرير الذي أعده أليكس ليري، أشار الموقع إلى أن الاتفاق الجديد -الذي يُضاف إلى اتفاقاتٍ متعددة أبرمها النظام القطري خلال الشهور القليلة الماضية مع شركات دعاية وعلاقات عامة أميركية- ينص على أن تدفع الدوحة 175 ألف دولار شهرياً للشركة، مقابل تمثيلها لمصالح هذا البلد المنبوذ خليجياً وعربياً في الولايات المتحدة.
ووصف التقرير العقد بـ«الكبير»، وأشار إلى أن الشركة سجلت نفسها كـ«وكيلٍ أجنبي» بموجب قانون «الوكلاء الأجانب» الذي صدر في الولايات المتحدة عام 1938، وهو ما يبدو محاولةً من السلطات القطرية لتجنب التعرض لأي مشكلات قانونية جديدة أمام القضاء الأميركي، خاصةً وأنها متهمة في الوقت الراهن بتنفيذ عملية تجسس ضد شخصية سياسية واقتصادية مرموقة، تُوصف بأنها من بين أبرز حلفاء الرئيس ترامب. وتتعلق هذه القضية بدعوى أقامها رجل الأعمال إليوت برويدي -وهو كذلك نائب المدير المالي في اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري الحاكم- الأسبوع الماضي أمام المحاكم الأميركية، ويتهم فيها الدوحة بالتجسس على بريده الإلكتروني وقرصنته وشن حملة تشويهٍ للسمعة ضده بسبب مواقفه المناوئة لسياساتها، فضلاً عن الانخراط في «حرب معلوماتية معقدة» لتلطيخ سمعته في داخل أميركا وخارجها.
وفي دعواه التي ستُنظر أمام محكمة فيدرالية في مدينة لوس أنجلوس، اعتبر برويدي -وهو أحد أبرز جامعي التبرعات لصالح الجمهوريين في الولايات المتحدة- أن الحملة القطرية التي يتعرض لها «عملية استخباراتية عدائية» اضطلعت بها الدوحة «على التراب الأميركي ضد مواطنين أميركيين»، قائلاً إن هذا النشاط المعادي شمل كذلك زوجته، التي سبق أن اتهمت قطر بدورها بأنها «دولةٌ راعيةٌ للإرهاب».
ويبدو أن النظام القطري لجأ إلى تعاقده الأخير مع شركة بالارد في مسعى للخروج من مأزقه القضائي الذي يزيد من حرج موقفه على الساحة السياسية الأميركية، بعدما فقد حليفه الأقرب في أروقة صنع القرار في واشنطن بخروج تيلرسون من إدارة ترامب، وفي ظل خلافاته مع قادة منظمات اللوبي الصهيوني المتخوفين من بث قناة «الجزيرة» القطرية فيلماً وثائقياً قالت إنها أعدته عن كواليس العمل داخل هذه المنظمات.
وفي إطار هذه الجهود، يخطط نظام تميم -بحسب «تامبا باي أونلاين»- لـ«استثمار مليارات الدولارات» في الولايات المتحدة، وإقامة فعالياتٍ على غرار المنتدى الاقتصادي الأميركي القطري الذي انطلق أمس (الأربعاء) في مدينة ميامي.
ووفقاً لصحيفة «بوليتيكو» الأميركية المتخصصة في الشؤون السياسية؛ بدأت العلاقة بين بريان بالارد وترامب قبل نحو ثلاثين عاماً. وأشارت الصحيفة إلى أن بالارد كان أحد أكبر جامعي التبرعات لصالح الحملة الانتخابية التي أوصلت الرئيس الجمهوري إلى البيت الأبيض، قائلةً إنه لا يزال يجمع الأموال في الوقت الراهن لصالح حملة الدعاية الخاصة بإعادة انتخاب ترامب في الانتخابات الرئاسية المقررة بعد عامين ونصف العام تقريباً. وأشارت «بوليتيكو» إلى أن أحد أبرز مساعدي هذا الرجل، كان مسؤولاً عن الحملة الانتخابية لترامب في فلوريدا «وساعد على حصوله على أصوات هذه الولاية المتأرجحة».
وقبل شهورٍ قليلة، كشفت صحف أميركية النقاب عن أن النظام القطري يغدق أمواله في الوقت الراهن على 21 من جماعات الضغط التي تعمل على الساحة السياسية في الولايات المتحدة، وذلك بموجب تعاقداتٍ أُبْرِمتْ بين الجانبين منذ العزلة التي فُرِضتْ على هذا النظام منذ أكثر من تسعة شهور، من جانب الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين).
ومن بين أبرز خبراء العلاقات العامة والدعاية الأميركيين الذين تعاقد معهم حكام قطر لهذا الغرض؛ خبير وضع الاستراتيجيات في الحزب الجمهوري نيكولاس ميوزِن، مالك شركة «ستونينجتون ستراتيجيز»، وهو أيضاً طبيبٌ ومحامٍ وناشطٌ في الشؤون المتعلقة باليهود في أميركا. وزاد النظام القطري المبلغ الشهري الذي يدفعه لشركة ميوزِن من 50 ألف دولار عند إبرام التعاقد بين الجانبين في أغسطس من العام الماضي إلى 300 ألف دولار شهرياً، أي بزيادة نسبتها 600%، وذلك اعتباراً من أواخر 2017، وذلك بعدما رتبت الشركة زياراتٍ لعدد كبير من صقور اللوبي الصهيوني من غلاة الموالين لإسرائيل، إلى الدوحة.
ومن بين أبرز الأسماء التي شملتها تلك الزيارات التي تحملت تكاليفها السلطات الحاكمة في قطر، كلٌ من المحامي البارز في مدينة نيويورك آلان إم. دورشويتز، ومورتون كلاين رئيس المنظمة الصهيونية لأميركا، بجانب مايك هاكابي الحاكم السابق لولاية أركنساس الأميركية، والذي يُعرف بأنه من أشد أنصار الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، كما كان كذلك أحد المتنافسين على نيل بطاقة ترشيح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة التي أُجريت في الولايات المتحدة لعام 2008.
لكن يبدو أن النظام القطري ووكلاءه الناطقين بلسانه على الساحة السياسية الأميركية، سيعودون بخفيّ حنين في نهاية المطاف، في ضوء ما قاله محللون سياسيون مؤخراً من أنه لا يوجد أي دليل على أن حملة شراء الولاءات القطرية «تغير من تفكير أحد في تلة الكابيتول» في إشارة إلى مقر الكونجرس.
ومما يعزز احتمالات هذا الفشل المرتقب، ما قاله المحللون من أن ثمة مخاطر قائمة بالنسبة لقطر على صعيد علاقاتها مع إدارة ترامب، خاصة بسبب روابطها الودية والحميمة مع إيران، التي تعتبرها الإدارة الأميركية الحالية «شرير منطقة الشرق الأوسط»، وتسعى إلى تعديل أو إلغاء الاتفاق المبرم بينها وبين القوى الدولية الكبرى بشأن برنامجها النووي.

اقرأ أيضا

للمرة الأولى منذ عقود.. "الناتو" يطرح استراتيجية عسكرية جديدة