الأربعاء 6 يوليو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
دنيا
من أول نظرة!
من أول نظرة!
25 ابريل 2019 02:02

نستريح لبعض الناس دون غيرهم.. ونطمئن لمكان معين دون سواه، دون أن يكون لدينا مبرر مقنع لهذا..
يرى البعض أن السبب هو وجود طاقة إيجابية تشع من بعض الناس والأماكن، إلا أن التفسير العلمي النفسي لهذه الظاهرة مختلف بالطبع.
في عقولنا آليات ذهنية لا واعية عديدة، تدور رحاها بين ثنايا عقولنا دون أن ننتبه لها أو نلاحظها.. هدفها مساعدتنا في اتخاذ القرارات الصحيحة بسرعة.. تأمل معي مثلا هذا الموقف:
ها هو الإنسان البدائي يمشي بجوار المستنقع، حيث واجه نمرا ضاريا لأول مرة.. تجربة سيئة انتهت بجروح وكدمات.. لذلك تعلم عقله الدرس وخلق «ارتباطاً شرطياً» جعله يخاف من كافة تفاصيل هذا الموقف: شكل النمر وصوته وآثار أقدامه، بل ربما من رائحة المستنقع كذلك.. حتى إن تعرض لأي من هذه العلامات في المستقبل، لشعر بالخوف وفر دون تفكير.
تصنع عقولنا هذه الارتباطات اللاواعية طوال الوقت في سياقات عديدة.. لماذا يعجب محمود بملامح المرأة ذات الشعر القصير والأنف المدبب؟ لأن مفهومه للجمال تشكل من تجارب الماضي، منذ كان طفلاً في المدرسة يحب معلمته التي كانت تعامله بلطف فاستراح لملامحها.. سجل عقله الباطن تفاصيل شكلها، فكانت البذرة راكم عليها مقاييسه للجمال! حين كبر وقابل فتاة بهذه الملامح ظن أنه «أحبها من أول نظرة» رغم أنه مجرد ارتباط شرطي داعب أحد قوالبه الذهنية القديمة!
مثال آخر: سالم رجل أعمال.. أتاه شخص يعرض عليه صفقة مغرية، لكن سالم لم يسترح له دون تفسير واضح. شيء في تعبيرات وجهه أو لغة جسده أو طريقة كلامه، يوحي أنه غير صادق.. أو ربما فيه علامة أثارت ذكرى سلبية حدثت لسالم في الماضي.. فراح عقله الباطن يحذره: هناك نمر رابض قرب المستنقع!
هل علينا الثقة في هذا الانطباع الأول؟ يرى «مالكوم جلاوديل» في كتابه «طرفة عين» أن الإجابة نعم، لأن العقل الباطن يحاول إرشادنا بحكم خبراته السابقة. لكني لا أتفق مع هذا بالطبع، لأن العقل الباطن كثيراً ما يضل الطريق..
تأمل مثلاً مديرك الذي لا تحبه، والذي يضع عطراً معيناً. بالتالي قد يتسرب لك كره هذا العطر.. فما ذنب العطر؟ بعد سنوات جاءك رجل يعرض عليك صفقة، لكنه كان يضع هذا العطر، فتجد أنك لا تستريح له نفسيا.. فما ذنب الرجل؟
يؤسفني أن أخيب ظن بعض القراء، وأقول إن مشاعرنا الأولية تجاه بعض الناس والأماكن قد لا تكون دقيقة.. وأنها تعود لأسباب نفسية منها الارتباطات الشرطية التي يثيرونها فينا، والإشارات اللا واعية التي يرسلونها لنا.. لا لأن العالم مكان سحري مليء بالطاقات التي تحكم مشاعرنا!

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©