الاتحاد

دنيا

التوتر اللذيذ


الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية·· إلا في الطب، فعندما يتعلق الأمر بصحة الإنسان يصبح الاختلاف في الرأي مفسدا لكل الود·· ويبدو أن العلماء القائمين على شؤون صحتنا، غير معنيين كثيرا أو قليلا بقضايا الود·· فهم يختلفون على كل شيء وفي كل شيء·· وليس مطلوبا منا سوى أن نصدق الرأي والرأي الآخر·· أن نبايع المؤيدين والمعارضين·· أن نلتزم بنصائح من يؤكدون ومن ينفون·· ولأن ذلك غير قابل للتنفيذ علميا·· فليس أمامنا سوى الاستسلام للحيرة أو على أفضل تقدير،الخضوع لمنطق الاختيار العشوائي بين البدائل العديدة المتعارضة المتناقضة·
العلماء أكدوا لنا خطورة الإفراط في تناول اللحوم الحمراء·· وأكدوا أهمية الإفراط فيها·· حذروا من أضرار الحليب الطازج 'الصابح' غير الصناعي على الأطفال وأكدوا أهميته لهم·· نصحونا بتناول الأسماك كل يوم وحذرونا من الإفراط في تناولها·· معظم الدراسات العلمية اتفقت على خطورة الأطعمة المحفوظة بما تحتويه من مواد حافظة ونكهات صناعية وألوان كيمائية·· فيما أكدت دراسة أخرى أن معجون الطماطم المحفوظ مفيد جدا في الوقاية من سرطان البروستاتا·· الأمثلة كثيرة ومخيفة· الجديد أن هذا الاختلاف امتد إلى الثوابت العلمية·· فالحديث عن تأثير المشاعر على الصحة أصبح معروفا ومقررا ومتكررا·· والكلام عن خطورة المشاعر السلبية كالخوف والتوتر والقلق والضغط والحسد على الصحة لم يعد فيه جديد·· ولكن الجديد هو أن يحذرنا العلماء من قوة المشاعر أو من مقاومة الإحساس الطبيعي بالخوف·· هو أن يقولوا لنا ثمة شيئ من الخوف مفيد للصحة مقو للمناعة منشط للقوى الحيوية·· هل هذا معقول؟·· في عالم اليوم معقول جدا·
يقول الدكتور جوس بوستش الباحث بجامعة أوهايو والمتخصص في علم المناعة ونظام الغدد الصماء العصبية في الدراسة التي اشرف عليها لقياس تأثير الخوف على الجهاز المناعي في الجسم، أن الخوف أو التوتر الايجابي ينشط المناعة ويضاعف قدرة الجسم على مقاومة الأمراض·· بعكس الخوف السلبي· إذن هناك نوعان من الخوف إيجابي وسلبي، والمطلوب منا أن نخاف ايجابيا ولا نخاف سلبيا·· أي المطلوب منا اختيار نوع الخوف الذي نخافه وكأن الاختيار لنا والقرار في أيدينا··!· ولكن ما هو التوتر أو القلق أو الخوف السلبي وما الفرق بينه وبين الايجابي؟
عندما تشاهد فيلم رعب أو نشرة الأخبار المليئة بمشاهد القتل والتفجيرات وأخبار الزلازل والبراكين·· فأنت تتعرض لتوتر أو خوف أو قلق سلبي·· ولكن عندما تشعر بالقلق من الامتحانات أو التوتر بسبب قرب موسم 'التفنيش' فأنت تتعرض للتوتر الايجابي أو التوتر الذي يحفزك على القيام بعمل ما أو التوتر الذي تتفاعل معه بالفعل·· فتكثف المذاكرة إذا كنت تستعد للامتحان وتوثق علاقتك برئيسك في العمل وتضاعف جرعات تملقه إذا كنت تخشى التفنيش·· هذا النوع من التوتر هو الذي ينشط المناعة ويطلق قدرات الشفاء الذاتي ويضاعف القدرة على مقاومة الأمراض·
العلماء توصلوا إلى هذه النتيجة دون أن يقدموا تفسيرا مقنعا لها·· فهم لم يتمكنوا من التمييز بين ما إذا كانت المعدلات المرتفعة للجلوبولينات المناعية ألفا ناتجة عن تصنيع المزيد منها·· أو أنها راجعة إلى زيادة معدلها في اللعاب·
الغريب أن الدراسات التي أجريت خلال ثمانينات وأوائل تسعينات القرن الماضي أجمعت على خطورة التوتر وتأثيره السلبي على مناعة الجسم·· ولكن الأبحاث التي أجريت بعد ذلك أظهرت نتائج متضاربة بسبب الأنواع المختلفة للتوتر·
إذن نحن مطالبون بالتوتر الانتقائي، بالتوتر اللذيذ، المشكلة تكمن فقط في القدرة على الاختيار·

اقرأ أيضا