الاتحاد

دنيا

ثرى العالم وثراء العقل البشري


رسول محمَّد رسول:
تكاد أن تكون مقولة (لا ثقافة من دون جغرافيا) إحدى المقولات الحتمية التي لا يستطيع أي متأمِّل في العلاقة بين الإنسان والتاريخ والأرض تجاهلها، وإذا كانت المعرفة الجغرافية علماً قائماً برأسه فإن المعرفة الثقافية هي الأخرى اكتسبت هذا الامتياز بمرور الزمن، إلا أن وضع العلاقة بين الجغرافيا والثقافة في سياق معرفي حقلي يبقى مأمولاً ومنوطاً بشحذ عدد من الباحثين هممهم وقدراتهم لتحقيقه قدر المستطاع وهو ما أقبل عليه مايك كرانغ، الأستاذ المحاضر في جامعة دورهايم البريطانية، في كتابه (الجغرافيا الثقافية) الذي صدر باللغة الإنجليزية عام 1998 وترجم إلى اللغة العربية منتصف العام الجاري، وصدر ضمن سلسلة (عالم المعرفة) الكويتية·
جاء الكتاب بأحد عشر فصلاً، هي: تحديد موقع الثقافة، الناس والمشاهد والزمان، المشهد الرمزي، المشاهد الأدبية والكتابة والجغرافيا، الذات والآخر كتابة الموطن والفضاء وتحديد الإقليم، بيئات متعدِّدة الوسائط، المكان أم الفضاء؟ جغرافيات السلع والاستهلاك، ثقافات الإنتاج، الأمم والأوطان في عوالم هجينة، ثقافات العلم·
في المقدمة، اعتقد مترجم الكتاب المغربي سعيد منتاق أن مايك كرانغ انطلق من الثقافة المادية في دراسته لمجالات معرفية متنوعة، وفي كتابه هذا درس الثقافة من خلال تبلورها في المكان وارتباطها به· لكن المترجم أشار إلى التحولات التي طرأت على المعارف المعاصرة عندما أقبل المفكرون على كسر الحواجز بين الحقول الثقافية والعلوم المعرفية، وبدَّدوا الحُجب والحواجز فيما بينها، ليتوصلوا فيما بعد إلى مقاربات عديدة منها المقاربة التي أمعن فيها مؤلف الكتاب النظر والتأمل بين الجغرافيا والثقافة ليصوغ حقلاً جديداً هو حقل الجغرافيا الثقافية·
ظاهرة الثقافة
في ضوء ذلك رأى المؤلف أن مفهوم (الجغرافيا الثقافية) أسهل فهماً من مجرَّد محاولة تحديد أيٍّ من مكوِّنات المفهوم، ويقصد الجغرافيا أو الثقافة، لأن كتابه سينتهي إلى أن الثقافة كيفما تم تحديدها لا يمكن معالجتها إلا بوصفها جزءًا لا يتجزَّأ من أوضاع الحياة الواقعية بطرق دقيقة في الزمان والمكان· وركَّزَ فيه مؤلفه على الكيفية التي تعمل بها الثقافات في الممارسة، والكتاب برمته انطلق من فلسفة قوامها أن مساهمة الجغرافيا تكمن في تأكيدها على اعتبار الثقافات ظواهر دقيقة يمكن تحديد موقعها· ولهذا فصَّل المؤلف القول في العلاقة بين الثقافة العليا والثقافة الشعبية والحياة اليومية، والعلاقة بين الاقتصاد والثقافة، وتحديد موقعية الثقافة في الحياة والمجتمع والتاريخ·
ومع أن المؤلف اعتقد أن خريطة الجغرافيا الثقافية لا تعدو أن تكون شظية صغيرة تحتاج إلى أن تُثبَّت في صورة أضخم فإنه اعتقد أيضاً بأن الشرارات الأصلية للجغرافيا الثقافية قد وُجدت في القرن السادس عشر عندما تصدى عدد من المتخصصين في دراسة آداب الآخر ورصد عادات وممارسات الشعوب والأمم ومن ذلك انطلقت أعمال الجغرافيا الثقافية حتى أن كل من ينظر حول العالم يستطيع اليوم أن يرى فسيفساء كبيرة من الشعوب بعاداتهم ومعتقداتهم المختلفة، وكان كل هذا نقطة بداية تقليد بأكمله للجغرافيات الثقافية التي اهتمت بالمشاهد الناتجة عن جماعات مختلفة في أماكن مختلفة وذلك عندما درس الجغرافيون دور هذه الجماعات المختلفة في تحديد مشهدهم في أشكال مميزة أو مناطق ثقافية مرسومة بمشاهد نموذجية للجماعة المعنية·
ولما كان المؤلف قد وضع مفهوم (المشهد) كمفتاح لقراءة تاريخ الجغرافيا الثقافية فإنه، وفي فصل تالٍ، درسَ المشهد بوصفه قيمة رمزية أو بوصفه نظاماً رمزياً أي دراسة الكيفية التي يتم بها تشكل المشهد وفقا لمعتقدات الجماعات في المجتمع والأمة في ضوء اعتبار المشهد نظاماً ذا دلالة يُظهر القيم التي من خلالها يُنَّظم مجتمع ما·
الهويَّة الوصلية
بين الذات والآخر علاقة اشتغل عليها المؤلف في تحديد مسارات الجغرافيا الثقافية عندما ركَّز على العلاقة الإمبريالية بين الأمم والشعوب في ضوء جدلية القوي والضعيف والمتأخِّر والمتقدِّم، وهي العلاقة التي أنتجت قدراً من التشابك المتبادل بين التخيلات والمشاريع الإمبريالية والجغرافيا· واقترح في هذا المجال مفهوم الهويَّة الوصلية التي يعتقد كرانغ أن هويَّات المستعمِر والمُستَعمر كانت وصلية بمعنى أنها تتوقف إحداها على الأخرى في سياق تفاعلي منتج، ومن هنا استقرأ في أحد فصول الكتاب بدايات الإمبراطورية في غزو أميركا والاستيلاء عليها، وفحص علاقات أوروبا بالشرق وبأفريقيا، وفق اعتقاد مفاده أن كتابة ما هو أجنبي ساعد على بناء مفهوم ثقافة الموطن من خلال عملية إحداث الآخر التي يتم بها تحديد الذات في علاقاتها مع مميزات ثقافة أخرى·
لقد اعتمد المؤلف على عشرات النصوص الروائية والقصصية والأدبية التي عكست بقدر ما تمثلت الجغرافيا، ولم يغفل الأشكال الأخرى كالبيئات متعدِّدة الوسائط التي عكست بقدر ما تمثلت أيضاً المعطيات الجغرافية في التعبير عنها جمالياً وأدبياً مثل الفيلم السينمائي والتسجيلي، والمشاهد السمعية كالأفضية الموسيقية، وبقية وسائل التوصيل الإعلامية مثل الإذاعة والتلفزيون والحاسوب· لقد كان كل ذلك لا يعدو أن يكون مجرَّد وسائل جسدت الجغرافيا عبر تجسيد المكان، وهنا انبرى المؤلف للتمييز بين مفهومي (المكان) و(الفضاء) اللذين يبدوان غامضين إلى حدٍّ كبير كما يعتقد؛ لذا سلط المؤلف الأضواء عليهما في ظل ما تعرضا لهما من تحديات فكرية وفلسفية أملتها تطورات الحال البشري في النصف الثاني من القرن العشرين وذلك عندما تعرض الإحساس بالمكان والانتماء إلى مفاعيل العولمة تلك الموضة التي نسفت المكان من جذوره باتجاه اللامكان وعلى نحو استلابي خطير، وعندما دعمت العولمة مفهوم الفضاء على نحو كبير وواسع من أجل خلق ثنائية تصارعية بين المكان والفضاء لصالح الأخير وهو الأمر الذي عزَّزته جملة من المنجزات العلمية التي اشتغلت على الفضاء ما انعكس تأثيرها على فنون الأدب التي صعدت في تأملاتها وأبنيتها المتخيلة إلى الفضاء وتركت الأرض فخلقت جغرافيا للفضاء وليس للأرض، وهكذا صار للفضاء جغرافيا انعكست بشكل أو بآخر على الأدب وجملة فنون التعبير الأخرى·
في النهاية، تابع المؤلف التحولات التي كرَّستها البضائع الاستهلاكية الجديدة في عصر العولمة حيث الجغرافيا وقد كشفت عن ردائها أمام كل الحدود حتى صار للسلع والمنتجات الاستهلاكية جغرافيتها المفتوحة العابرة للحدود ما انعكس على الثقافة التي هي الأخرى صارت عابرة للحدود من دون أية حواجز تشلُّ حركتها، وصارت ثقافات الإنتاج العابرة للجغرافيا حقيقة موضوعية حتى أن الهويات الثقافية التقليدية باتت في ذوبان مستمر باتجاه هويَّات ثقافية هجينة، متداخلة ومتحاملة فيما بينها، بروابط وأنظمة تبادل معلوماتي وتخيلي مستمر·
أخيراً، يبدو لي أن كتاب مايك كرانغ (الجغرافيا الثقافية·· أهمية الجغرافيا في تفسير الظواهر الإنسانية) يُعدُّ أنموذجا للمؤلفات التي تهتم في جملة من المقاربات الجديدة التي وظَّفت العلوم الإنسانية والطبيعية في دراسة الظواهر الثقافية دراسة جديدة تتداخل فيها المناهج والرؤى التفسيرية بعيدا عن أي تحيز لمنهج دون آخر، هي رؤية تكاملية لكنها تلعب منهجياً على تداخل المناهج في قراءة الظواهر الثقافية في المجتمع المعاصر·

اقرأ أيضا