السبت 28 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
محمد رطيان الشمري: أدخل عوالم جديدة، رغم المخاطر التي تنتظرني
محمد رطيان الشمري: أدخل عوالم جديدة، رغم المخاطر التي تنتظرني
18 أغسطس 2005

حوار - نجاح المساعيد:
تتوازى متعة محاورة الشاعر والكاتب محمد رطيان، مع متعة قراءة إبداعاته في فن المقالة والشعر·
عناوين زواياه الثابتة في صفحات القلوب والضمائر تنبىء عنه··
يثير الـ شغب وينشر الـ ضوضاء أينما كتب في الصحف الخليجية والعربية·
للقصائد نكهات ولقصيدته سمات نعرفها حتى لو لم يمهر اسمه عليها·
اسمه الناطق الرسمي باسم الضمير والأحلام والشباب·· أو باختصار: الانقلاب·
أكتب بأصابع حرة تلغي سلطة الرقيب والذائقة والقارىء
سؤال تمهيدي مشاكس يتجه إلى سؤال جاد قادم بعد هذا السؤال، لمَ يركّز خصومك وكذلك بعض النقاد والمتذوقين على أوزان وقوافي بحورك وقصائدك، أكثر من التركيز على وميض أفكارها؟
هؤلاء ليسوا خصوماً شخصيين لي، هم في خصام مع النص، أو لنقل إن ذائقتهم التي اعتادت على شكل ما يستفزها الشكل الجديد، وهي عادة كل (محافظ) يتعامل بارتباك وريبة ورفض مع أي جديد ظناً منه أن هذا الجديد سيهدد عرشه التقليدي·· سيظل الفضاء الإبداعي شاسعاً وبهياً وحراً، ومفتوحاً لكل طائر حر يريد أن يبتكر شكلاً جديداً للتحليق، وأنا سأفرد أجنحتي كما أشتهي ولن أنظر لما يقوله أحفاد الخليل بن أحمد وبحورهم التي أصابها الجفاف!
قولي لهؤلاء الرطيان يسلم عليكم ويقول لكم- دون أن يشعر بأي نرجسية إن مقالاً من مقالاته الجيّدة يمتلك من الشعر أكثر مما تمتلكه نصف قصائدكم النبطية·
لايزال كثر يغمزون من قناة قصيدة التفعيلة خاصتك، أو التي تنتمي إلى الشعر الحديث، ألا ترى أن يوماً قادماً يلوح في الأفق، سيتم خلاله التعامل مع قصائدك الشعرية على أنها نمط شعري جديد يؤخذ بعين الاعتبار؟
لا أدري، ولن أكون الحكم في هذه المسألة! فالذي أعرفه وأؤمن به: (النص) الجيّد هو الذي يدافع عن نفسه بشكل جيّد، ويبقى في هذا الوجود ويرحل منتقدوه، بل حتى كاتبه·· والعكس صحيح: كم (نص)مات قبل صاحبه·
يبدو لنا أنك متأثر بالفن السابع، فنصوصك تحمل تفاصيل ومشهدية عالية، هل ملاحظتنا في محلها، أم أن نصوصك تحمل هذه التقنية دون تأثير سينمائي عليها؟
كل شكل إبداعي وفني تابعته وأحببته واستوعبته أظن أن له تأثيراً على كل ما أكتبه، بل إن تأثير تلك الأشكال الإبداعية كان الأهم في بناء ذائقة جيدة لي تستطيع التقاط كل جميل حتى وإن كان يتواري في زاوية مظلمة!
في السينما الكثير من الشعر، وفي الشعر الكثير من المشاهد السينمائية المتقنة، والسينما تحديداً أنا متابع جيّد لها وأعشق كل ما يقدمه آل باتشينو وروبرت دينيرو وتوم هانكس وميل جبسون، أما جوليا روبرتس فبإمكانها - وهي صامتة - أن تقول قصيدة من أهم القصائد في التاريخ الإنساني!
فيروز، محمد منير، حنا مينه، مارسيل خليفة، محمود درويش، مظفر النواب، سعد الله ونوس، زياد الرحباني، وكثر غيرهم من المبدعين العرب، تأثر نتاجك بأرواحهم وإبداعهم، بمعنى أن روحية نصوصك تنحو نحو العربية والإنسانية، أكثر مما تستقر في المحلية والاجتماعية؟
لأنني آمنت أن الإنساني يبقى ساخناً وطازجاً دائماً·· هذا الإنساني هو الذي يجعلني أحتفظ في أدراج المكتب بموسيقى لزياد وأغنية لمنير وقصيدة لحمزاتوف ومشهد لآل باتشينو·· الكتابة عن الحدث اليومي تذهب مع ذهاب الأحداث،أما التقاط التفاصيل الإنسانية وشحنها بضوء جميل وباهر هو الذي يجعل الكتابة تبقى طويلاً وتُقرأ دائماً·
بينما الأسماء الرائعة التي ذكرتها في مقدمة السؤال
-وغيرها كثير- فأنا أقف أمامهم مثل أي ولد يريد أن يتتلمذ بشكل جيّد، ومثل أي كائن يريد أن يغسل روحه، أنصت إليهم وأقرأهم باستمتاع، وأحلم بأن أصنع فضاءً صغيراً يشبه فضاءاتهم الكبيرة·
الكتابة ليست حبة أسبرين -كما تقول- بل عملية جراحيةجميلة، ماذا لو لم تنجح العملية، أو لم تصل مقالاتك إلى نتائج مرضية؟
من الممكن أن يكون الفشل هو النجاح الذي تريد الوصول إليه!
في هذه العبارة، أردت القول بأن الكتابة فعل هجوم، ليست تخديراً بل هي مواجهة بكل ما تعنيه هذه الكلمة، وبكل النتائج التي تجلبها لك، وبكل الثمن الذي يجب أن تكون مستعداً لدفعه!
قم بالعملية على أكمل وجه، وبشجاعة، ودع للآخرين مهمة تحديد نتائج هذه العملية·
بعد أن استقطبتك العديد من المطبوعات للكتابة عبرها، عبرتَ إلى الإنترنت، وكرست وجودك من خلال مواقعها وصفحاتها، كيف تنظر إلى شبكة الإنترنت كوسيلة تواصل مع الآخر؟
سأنقل لك ما قلته في مقال سابق:
الإنترنت فن أراد أن يفهم حسابات العلم، وعلم أراد أن يمارس شغب الفن··
كأن شيخاً طاعناً بالحكمة·· وصبياً مطعوناً بالحب، اجتمعا، وخلال حلم، أصبحا: إنترنت!
هو تفسير الغرب لحكايات الشـرق··
علاء الدين: أنت··
المغارة المليئة بالكنوز: الإنترنت··
افتح يا سمسم: كبسة زر··
بعد هذا ستصبح غرفتك بساط الريح وسيخرج لك المارد من المصباح السحري/الشاشة الساحرة، ليقول لك: شبيك لبيك (محرك البحث) بين يديك·
أن تُمزَق صفحات تحمل قصيدة أو مقالاً لك، هل يعني هذا أنك خطير أم أنك في خطر؟!
بعيداً عني، هذا يعني شيء أخطر وأغبى! فالرقيب في العالم العربي لم يخبره إذاً أحد ما أننا دخلنا الألفية الثالثة بكل ما تحمله من ثورة في الاتصالات وتوفير المعلومات وفتح منابر إلكترونية وفضائية تتيح حتى للذين يمارسون الكتابة على جدران دورات المياه أن ينشروا أعمالهم، بل إن قراءها سيتجاوز عددهم أضعاف عدد القراء الذين يطالعون هذه الصحيفة الحكومية المراقبة من ألف جهة·
المتابع لمسيرتك يلاحظ أنك بدأت تتجه بنصوصك العامية إلى لغة وطرح يبتعد عما كانت عليه قبل عشرة أعوام! هل هذا نتيجة تطور أدواتك وقدراتك الشعرية ذاتها، أم انعكاس لتطور فكري ثقافي لديك؟
من المؤكد هو نتيجة للاثنين معاً، بالإضافة الى هذا الهاجس الذي يطاردني لكي أقول شيئاً جديداً مختلفاً·
أحب أن أدخل إلى عوالم وأراض بكر جديدة، رغم كل ما في هذا الدخول من مخاطر قد تنتظرني!
في مقال لك تقول أمثالنا ما تنطلي إلا على أمثالنا ومع فهمنا لمقصدك- لكننا نراك تشكك أحياناً بالموروث تاريخياً كان أو اجتماعياً؟
الأمثال أشياء صغيرة لا ننتبه لها، ولكنها رائجة ومؤثرة في الناس·· والعرب في كل مكان يرددونها رغم كل ما فيها من سذاجة وغباء، بل يعتقدون بها أحياناً·· والمثل لايشبه الحكمة، فالحكمة تأتي نتيجة تجربة إنسانية، أما المثل فيأتي نتيجة حادثة صغيرة ينتج عنها قول ساذج هو المثل، ونحن نردده بغباء··
لا أحترم الأغلبية العظمى من أمثالنا، وفي النهاية هي ليست كلاماً مقدسا لا يجوز نقده·· حاولي أن تستعيدي من الذاكرة بعض الأمثال لتكتشفي كم هي ساذجة وغبية وتدعو للخوف والاستكانة وقتل الطموح والحلم·
لماذا لايلوذ شاعر وكاتب مثلك بتفاصيل تراثية تخدم أفكاره الشعرية، وتخدم بيئته وقصيدته؟ أم تعني لك الحداثة: القفز من الجذور إلى الفضاء؟
أكذب عليك وعلى القارىء لو قلت لك لديّ تعريف جاهز للحداثة، بل لا أظن أن هنالك حداثة واحدة ووحيدة متفق عليها من الجميع·· ما يهمني عند كتابة أي نص (من المقال الى الشعر) كتابته بشكل جيد ومدهش وبلغة تخصني وحدي، وأن أبحث عن المعنى الجديد الذي يدهشني قبل أن يدهش الآخرين·· وقبل هذا يجب أن أعي ما أفعله وأعرف إلى أي اتجاه أنا ذاهب، فخلال عملية هذه الكتابة ألغي كل سلطة أعرفها من سلطة الرقيب والذائقة والقارىء لهذا أنا أكتب بأصابع حرة·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©