صحيفة الاتحاد

تقارير

ماكرون في الصين.. صداقة وتجارة

رسالة قوية وجريئة حملها معه الرئيسُ الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأيام الثلاثة التي بدأها إلى الصين يوم الاثنين الماضي، إذ قال: «لقد أتيتُ إلى هنا لأعبّر للصين عن تصميمي على نقل الشراكة بين أوروبا والصين إلى القرن الحادي والعشرين».
وحتى على بلاد أجنبية، بدا أن الرئيس الفرنسي البالغ 40 عاماً قد جلب معه ميله إلى الاستعراض السينمائي، حيث تحدث ماكرون لأكثر من ساعة في مدينة شيان يوم الاثنين الماضي، في قصر سلالة تانج، وأهدى مضيفه شي جينبينج حصاناً نادراً عمره 8 سنوات يسمى «فيسوفيوس». قال مكتب «ماكرون» لوكالة «رويترز» إن هذا الحصان يمثل «لفتة دبلوماسية غير مسبوقة». ولكن مع «فيسوفيوس» أو من دونه، فإن السؤال الكبير المتمثل في كيف يمكن أن يكون شكل الشراكة الفرنسية- الصينية الصاعدة يتوقف على ثلاثة جوانب رئيسة:
أولاً: تحقيق توازن في العلاقات التجارية
مهمة «ماكرون» في الصين لا تقتصر على كسب صداقات فحسب، ذلك أن الرئيس الفرنسي جاء إلى الصين للبحث عن تعاون بشأن بعض المبادرات المهمة التي من شأنها توسيع العلاقات التجارية الأوروبية- الصينية وتعزيزها، ومن ذلك مشاريع البنى التحتية مثل «طريق الحرير» بين الشريكين.
غير أنه بالتوازي مع ذلك، تدفع فرنسا ودولُ الاتحاد الأوروبي – إلى جانب الولايات المتحدة – في اتجاه علاقات متبادلة أكثر، ذلك أنه حتى الآن، تعرقل القوانينُ الصينية الاستثمارات الأجنبية، في حين يمتلك المستثمرون الصينيون هامش مناورة أكبر بكثير في أوروبا، ولهذا يدفع «ماكرون» حالياً في اتجاه تشديد قوانين الاستثمار الأجنبية الحالية. وضمن هذا الإطار، قال «ماكرون» في هذا الصدد: «إنني أريد أن نحدد معاً قواعد علاقة متوازنة يكون الجميع فيها رابحاً»، ولكن المشكلة هي أن الصين من المستبعد أن تَعتبر إبطاء استثماراتها الأوروبية ربحاً متبادلاً.
ثانياً: العلاقات الأوروبية- الأميركية
مبادرة ماكرون المتعلقة بقوانين الاستثمار تلقى دعماً من الولايات المتحدة، التي تعبّر عن بواعث قلق مماثلة، ولكن توافق سياستيهما حول هذه النقطة لا يمكنه إخفاء عزم وتصميم ماكرون على تعزيز العلاقات مع الصين، حتى مع تحول العلاقات الأميركية- الأوروبية.
ويُعد الاتحاد الأوروبي الآن الشريك التجاري الأول للصين، ويسعى المسؤولون الأوروبيون إلى توطيد العلاقات معها، حتى مع استمرار التخوفات بشأن حقوق الإنسان والتوترات الاقتصادية. إعادة التموضع هذه ساهم في تسريعها فوزُ ترامب في انتخابات 2016 وما تلا ذلك من هجمات على حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا بسبب ممارسات تجارية، والإنفاق العسكري، وسياسات الهجرة، من بين مجالات أخرى.
ثالثاً: من هو زعيم أوروبا؟
«إن أوروبا عائدة» عبارةٌ لم يكن لينسبها أحد إلى زعيم فرنسي السنة الماضية عندما سادت الآراء والمواقفُ المشككة في الاتحاد الأوروبي وطبعت الكثيرَ من السياسيين المتنافسين على الرئاسة الفرنسية. وقتئذٍ، لم تكن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تبدو زعيمة لأوروبا فقط، وإنما للعالم الغربي أيضاً، كما أكد البعض ذلك. ولأكثر من 12 عاماً، تحدّت ميركل قوانينَ الجاذبية السياسية، ولكن تأثيرها بهت بعد تكبد حزبها لخسائر كبيرة في الانتخابات في سبتمبر الماضي. ومع تراجع تأثير ميركل، سعى ماكرون إلى إدخال نفسه – وفرنسا – لسد الفراغ الذي تركته كمخاطبة أوروبية رئيسية على الساحة العالمية. وحتى الآن، حقق الرئيس الفرنسي بعض النجاحات في هذا المجال. ففي ديسمبر، على سبيل المثال، أبدى معارضة لقرار ترامب الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى هناك، وبعد ذلك استضاف قمة مهمة حول المناخ في باريس، جمعت زعماء عالميين ومتبرعين كباراً من أجل مواصلة مكافحة تغير المناخ بعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس 2015.
تغير المناخ سيكون على الأجندة عندما يلتقي ماكرون مع «شي»، الذي يدعم اتفاق باريس ولكنه يرأس أيضاً أكبر بلد متسبب في انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري في العالم. وفي «شيان»، أشاد «ماكرون» بالدور الذي تلعبه الصين في مكافحة تغير المناخ مقترحاً «سنة انتقال إيكولوجي فرنسية- صينية» لـ2018-2019، غير أنه يظل من غير الواضح إلى أي حد سيكون الرئيس الفرنسي فعالاً وناجحاً بخصوص موضوع صعب هو الانبعاثات الغازية الصينية.

* صحفي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»