الاتحاد

الرياضي

إنها أفريقيا يا ناس

لأنها أفريقيا، التي توصف بقارة السحر والجمال واللامعقول، فإن كثيراً مما يحدث فيها يمزج وعلى نحو فولكلوري بين الممكن والمستحيل، بين ما يستطيع العقل أن يحدسه وما لا يستطيع أن يحدسه..
من رماد الحزن انبعثت جمرة خبيثة، جعلت كأس أفريقيا للأمم في دورتها السابعة والعشرين بأنجولا تولد صاخبة، متوترة، مشتعلة كما تولد البسمة أحياناً من أحراش الموت، فقد هالنا وكل العالم أن نسمع على بعد ساعات فقط من انطلاق المونديال الأفريقي ذاك الذي أصاب منتخب توجو، وقد سقطت حافلته وهي تمر بالحدود الكونغولية الأنجولية في كمين مجموعة مسلحة، تبين فيما بعد أنها منظمة انفصالية تقود معركة من أجل تحرير منطقة كابيندا التي تجرى بها مباريات المجموعة الثانية والتي يلعب فيها بالطبع صقور توجو.

الحصيلة كانت كارثية وفظيعة بكل المقاييس، فإنسانياً ما من أحد يقبل أياً كانت المبررات أن يقتل الأبرياء على هذا النحو البشع، ورياضياً لأنه من المحزن فعلاً أن نزهق أرواح من كانوا في طريقهم لصنع الفرجة والاحتفالية ورسم البسمة والأمل على شفاه وقلوب معذبة..
ولأنها أفريقيا التي تشتعل فيها كثير من الجيوب، فقد طلعت هنا وهناك خطابات الشجب والإدانة وبرقيات التعازي والمواساة، وما هي إلا ساعات حتى سمح على مضض لمنتخب توجو بأن يعود إلى وكره بأمر صادر من حكومة البلد، وعادت أنجولا والاتحاد الأفريقي لكرة القدم إلى عرسهما الكروي، فهناك ما هو أقوى من الشعور بالذنب وبالحزن، هناك بطولة أفريقية لا بد وأن تولد حتى لو كان ذلك في مدائن الموت.
ووقفت مشدوهاً عند التصريحات التي أطلقها الأمين العام للمجموعة الانفصالية التي تبنت حادث الاعتداء المسلح على حافلة منتخب توجو، والتي قال فيها إن المجموعة التي تعمل على تحرير إقليم كابيندا راسلت الاتحاد الأفريقي لكرة القدم محذرة إياه من مغبة إقامة مباريات بمنطقة أعلنت منذ وقت بعيد منطقة حرب لا تتكلم إلا لغة الرصاص، واستغربت لثلاثة أمور، أولها أن لا يكون عيسى حياتو رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم قد أخذ كل تلك التهديدات بمأخذ الجد، ثانيها أن لا تكون لأنجولا وهي المستضيفة لحدث كروي كبير القدرة على تأمين حدودها، وثالثها أن تترك توجو منتخبها يرحل على متن حافلة، وهي على علم بأن الطريق التي تعبر الكونغو وأنجولا غير آمنة•

الثلاثة لم يقيموا وزناً لدرجة الخطر العالية، فكان هذا الذي لطخ كأس أفريقيا للأمم بالدم، وأكثر منه أعاد الحديث مجدداً عن الضمانات الأمنية التي يمكن أن يقدمها الاتحاد الدولي لكرة القدم لعائلته الكبيرة وهو ينظم كأس العالم بجنوب أفريقيا، على الرغم من أن جوزيف بلاتر بحذاقته تنبه إلى كل الحالات، فكاتب عيسى حياتو رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم يواسيه أولاً، ثم يشد من عضده ثانياً، لكي يمضي في طريقه غير متأثر بما وصفه بنزوة الإرهاب، ثم يجدد ثالثاً وهذا هو الأهم ثقته في قدرة أفريقيا ساسة ورياضيين ومفكرين على إنجاح أول كأس عالمية تقام على أرضها..

ولأنها أفريقيا التي تنتصر باستمرار للحياة حتى لو ولدت من وديان الدم، فقد أعطتنا أنجولا حفلاً افتتاحياً رائعاً، هندس بكل الأبعاد الفنية الحلم في شموخه وقدم بكل السحر كيمياء الإبداع عند الإنسان الأفريقي، ولأنها أفريقيا، فقد جاءت المباراة الافتتاحية بين أنجولا المستضيفة وبين مالي نسخة فريدة في سجلات كرة القدم العالمية..

منتخب مالي كان إلى حدود الدقيقة 80 متخلفاً بأربعة أهداف، وفي أقل من عشر دقائق يتوصل إلى توقيع أربعة أهداف ليخرج متعادلاً من مباراة قولوا عنها ما شئتم، حللوها كما شئتم، المهم أن ما كان فيها أفريقي الصنع والتصميم..


بدر الدين الإدريسي

اقرأ أيضا

«العميد».. عودة «الفرح الأزرق» بـ«السيناريو المكرر»