الاتحاد

دنيا

قلة المواليد وارتفاع متوسط الأعمار أم المشاكل في اليابان


إعداد ـ هالة دروج:
عندما افتتحت قرية نيشيكي مدرستها الإعدادية قبل نصف قرن من الآن، كانت السيدة فوكويو سوزوكي تنضم إلى غيرها من أولياء الأمور للمشاركة في النشاط الذي كانت المدرسة تقيمه في شهر مايو لزراعة نباتات الأزاليا الوردية اللون في حديقتها· ما تزال الأزاليا تزين الحديقة ولكن كل شيء آخر من حولها تغير· فلكونها موجودة في دولة تعاني من أقل معدلات الولادة وأطول متوسط للأعمار في العالم لم تعد المدرسة قادرة على الاستمرار، وتحول المقيمون فيها من أطفال صغار على مقاعد الدراسة الى مجموعة من المسنين الذين يقضون سنواتهم الأخيرة بين جدرانها·· وهكذا أصبحت السيدة سوزوكي تتجول لتجد التسلية والصحبة في نفس القاعات التي تلقن فيها ابنها علومه·
توقفت عملية التعليم في المدرسة قبل ست سنوات بسبب الشح في عدد الطلاب· وبذلك تحول المبنى إلى دار للمسنين، وهو المكان الذي تأتي إليه السيدة سوزوكي لتمضية الوقت في شرب الشاي الأخضر وحياكة سلال القش مع غيرها من عجائز القرية· تعيش هذه السيدة مع ابنها البالغ من العمر 52 عاما، وهو واحد من نسبة 25% من شباب القرية الذين لا يأبهون بموضوع الزواج والإنجاب· وتقول سوزوكي: 'لم أتخيل أبدا أن يتم إغلاق هذه المدرسة وأن أعود إليها بنفسي وأنا في سنواتي الأخيرة· كما تدور الشائعات الآن حول احتمال إغلاق المدرسة الابتدائية أيضا· هذا أمر يثير فينا الحزن فالأطفال آخذون بالاختفاء من حياتنا'· لكن الثمن الأكبر الذي ستدفعه نيشيكي هو فقدان كيانها المستقل إذ أنها ستلحق في العام المقبل بإحدى المدن القريبة وهذا ما يؤكده عمدتها بقوله: 'نحن لا نستطيع الاستمرار على ما نحن عليه إذ ليس لدينا ما يكفي من عدد المواليد لنستمر بالوجود كقرية مستقلة· هذا مؤسف جدا ولكنه واقع'·
أكبر المشكلات
التغير الذي طرأ على المدرسة الإعدادية في هذه القرية اليابانية التي لا يتجاوز عدد سكانها 6 آلاف نسمة ما هو إلا مثال لما يصفه الخبراء بأنه أكبر مشكلة محلية تواجهها اليابان وسببها ثنائية انخفاض المواليد من ناحية وزيادة المسنين من ناحية أخرى·
فبعد الحرب العالمية الثانية وفي خضم السعي لبناء اقتصاد متطور بدأت حركة هجرة من القرى إلى المدن اليابانية· لكن المسؤولين يشيرون إلى أن هذا لم يعد السبب في انخفاض عدد سكان الريف بل أن السبب الأساسي لذلك هو تراجع معدلات الولادات· ففي العام الماضي لم يزد عدد المواليد في قرية نيشيكي عن 40 طفلا وهو أقل عدد منذ أن تأسست القرية قبل نصف قرن من الزمن· في الوقت الذي وصل فيه عدد حالات الوفاة الى ·75 ويقول الخبراء إن حالة هذه القرية ليست سوى مؤشر لما سيكون عليه مستقبل اليابان كاملا·
هناك مخاوف من أن يؤدي نقص أعداد الأطفال وزيادة أعمار السكان إلى عجز البلاد عن الحفاظ على مكانتها كثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة· ومع عزوف الكثيرين عن الزواج والإنجاب يتوقع أن يتراجع عدد السكان البالغ حاليا 128 مليون نسمة إلى ما دون 126 مليونا في عام 2015 وإلى 101 مليونا في عام ·2050 ويتساءل الكثيرون: هل سيبقى من سكان اليابان ما يكفي للمشاركة في النهضة الاقتصادية خلال الأعوام القادمة؟
تغييرات مجتمعية
يقول كوتا موراس المسؤول في وزارة التربية والتعليم هناك: 'تحتاج كل أمة إلى مستوى معين من عدد السكان من أجل الاستمرار بزخم التطور· لكننا في اليابان نواجه مشكلة خطيرة بسبب زيادة المسنين وقلة المواليد· وقد وصل نظام التقاعد عندنا إلى أقصى مستويات أدائه· ومع انخفاض عدد السكان من الشباب في المجتمع يبقى السؤال: كيف سنتمكن من رعاية المسنين وإعالتهم وكيف سنضمن مستقبل بلادنا؟ للأسف ليس لدينا إجابة عن هذا السؤال حتى الآن'·
ويعتبر عدد المدارس التي يتم إغلاقها في اليابان المؤشر الأوضح على تفاقم هذه المشكلة· فخلال السنوات العشر الماضية اضطرت وزارة التربية لإغلاق ما يزيد عن ألفي مدرسة من المراحل المختلفة· وتراجع عدد طلاب المدارس الابتدائية والإعدادية من 13,4 مليون في عام 1994 إلى 10,86 مليون في العام الماضي· كما خسر 63 ألف من العاملين في سلك التدريس فرص العمل·
يؤدي النقص في عدد الأطفال إلى إحداث تغيير في المجتمع الياباني وتقاليده· ففي المتاجر المتنوعة الشهيرة في طوكيو بدأت ظاهرة استبدال المساحات المخصصة لألعاب الأطفال بمقاهي وأماكن تسلية للكبار والمسنين· وخلال العقد الماضي أغلق 90 متنزها خاصا بالأطفال، وفي نفس الفترة عمدت ديزني إلى إنشاء متنزهها المائي خارج طوكيو والذي يركز على مخاطبة رغبات الكبار أكثر من الصغار ويسمح فيه ببيع المشروبات الكحولية·
كما انخفض عدد المستشفيات التي تضم عنابر خاصة بالأطفال من 4 آلف و100 مستشفى في عام 1990 إلى 3 آلاف و400 في عام ·2000 ويلاحظ تغيب الوجود الدائم لأطباء النساء والتوليد في عدد كبير من المستشفيات نظرة لقلة الحاجة إلى خدماتهم·
أما الحلول المقترحة لهذه المشكلة فهي قليلة جدا ومعقدة منها فتح أبواب اليابان أمام المهاجرين· لكن هذا أمر صعب جدا بالنسبة إلى بلد يعرف بمعاناته من فوبيا الغرباء وبأن 98,9 بالمائة من سكانه هم من عرق واحد· هذا بالإضافة الى وجود تجارب فردية تثبت عدم فعالية مثل هذا الحل· فالكثير من المزارعين في قرية نيشيكي لجأوا إلى الزواج من صينيات بعد أن عجزوا عن العثور على فتاة يابانية تقبل أن تعيش الحياة الريفية التقليدية· لكن المسؤولين في القرية يتحدثون عن الكثير من حالات هروب الزوجات الأجنبيات بعد فشلهن في إقناع عائلات الأزواج بقبولهن وعدم تمكنهن من الانخراط في المجتمع·

اقرأ أيضا