الاتحاد

دنيا

في هدأة النفس؟


في زيارة عابرة لي، في مكان عابر سألني أحد العابرين عن سبب عدم اهتمامي بالمشاركة في الأمسيات الشعرية والثقافية التي تقام هنا أو هناك على مدار الأعوام·· هل أنت عازفة عن الشهرة، أو أنك بخيلة بشعرك، أو متعجرفة؟
أوقعني السؤال في الدهشة والحرج، فإذا كنت اعرف عن نفسي كما يعرف الكثير من الأصدقاء المقربين أنني لا أتصف بالرذيلتين: البخل والعجرفة، إلا أن الشهرة لا تغريني كثيرا، ولا ميل لي في بذل الجهد والسعي الحثيث لاكتسابها· أما بالنسبة للمشاركات في الأمسيات الشعرية، فإنني ألبي حين أدعى، إذا كانت الدعوة والمناسبة والمكان يعنيني بالمحبة ويغريني بالكشف· لكني لا أسعى قصدا إلى اقتحام الجموع، ولا الآذان قسرا، من اجل أن اعرف أو يستدل عليّ أو امنح شهادة اعتراف بشعريتي· فالشهرة عموما لا تعنيني، ولا تغريني، ولا أسعى إلى اكتسابها، ولا صبوة لي في الإعلان عن وجودي في هذا المكان أو ذاك· ذلك أني أكتب نصي في الهدوء والعزلة، وبمثل هذا الهدوء يمضي ليلتقي بالآخرين، برغبة أكيدة وأمنية أن أدلهم عليهم، وليس عليَّ· ثم إنني تعبت من ضجة الخارج وما الشهرة الا قرقعة هذه الضجة كما تعبت من الأنشطة التي في اغلبها لا تضيف ولا تثري وربما تفعل غير ذلك· إن قراءة كتاب قيم ورعاية بذرة تشق عتمة الطين بشوق الحياة، وتأمل أولادي الثلاثة وهم يرتقون مدا رج العمر والعلم والإدراك أثمن عندي من الارتماء في ضجة الخارج، ومن التهافت على قشور المعرفة التي استفحل فيها طنين الأصولية، وانتشرت كالوباء في الخطاب السياسي والديني والاجتماعي والثقافي· وتفشى فيها النكوص، ولغة العداء للآخر والحياة· أضف إلى ذلك أنني قد تشربت منذ سنوات بعيدة، نصا جميلا للشاعر الكوني 'والت ويتمان' وتمثلته حين وجدت فيه تعبيرا عن أشواق روحي ونظرتي لذاتي وللشعر والزمن وللآخرين· يقول ويتمان في قصيدته أغنية نفسي:
أنا موجود، كما أنا/ وهذا يكفي/ حتى لو لم يعلم بي أي امريء في العالم، فسأجلس رضيا/ ولو علم بي كل امريء، وأي امريء، فسأجلس رضيا /ثمة عالم واحد يعلم بي، وهو _لي_ العالم الأكبر/ إنه نفسي/ وسواء بلغت منزلتي اليوم، أو بعد ألف عام/ أو عشرة أعوام/ فإنني أستطيع أن آخذها_فرحا_ الآن / وبالفرح نفسه أستطيع أن انتظر/ إن مثبت قدمي من الجرانيت/وأنا أسخر مما تسمونه انحلالا/ واعرف سعة الزمن· بهذا تكون عزلتي أكثر رحابة، وانشغالاتي بالشعر والقراءة وابنائي والحديقة والهدم والبناء، أكثر ثراء وأدعى للبهجة وتوقد الروح وغبطة الاحساس العميق بالوجود وطاقة الأمل، رغم تتبعي لما يحدث من كوارث في هذا العالم الموحش وما يعتصرني ويرج صباحي ومسائي من ألم وقلق وغضب·
في الشهرة كثير من خواء الخارج، وفي التأمل في هدأة النفس، والعزلة في 'المرقاب' القصي والمجهول، كثير من ثراء الداخل والخارج معا·!
لا أكتب الشعر كي أبلغ المجد أو أنتشر في صفحة الأعلام أكتب كي أضيء··كذا الشعاع، ينسل خلسة ليمحو الظلام!
حمدة خميس

اقرأ أيضا