الاتحاد

دنيا

ألف ليلة وليلة سحرت كتاب الواقعية السحرية


القاهرة - حمدي أبوجليل:
عوالم وقضايا أدب أميركا اللاتينية تشبه عوالم الأدب العربي في أمور كثيرة، مثل الاستبداد والفقر والأساطير الشعبية وغيرها، وهناك روابط تصل إلى حد الالتحام العرقي بين المجتمعين العربي والأميركي اللاتيني، الهجرات الإسبانية الأولى للقارة الجديدة جرت بها دماء عربية أندلسية، وقيل أن أول اكتشاف لأرض أميركا اللاتينية تم في عهد العرب الأندلسيين، ونفذه ثمانية شبان عرب مغامرين شقوا أمواج بحر الظلمات حتى وصلوا إلى شواطئها، ربما لذلك يشكل أدب أميركا اللاتينية تحديا للأدب العربي، فأدب أميركا اللاتينية ذائع الصيت، وكتابه مشاهير يعرفهم العالم أجمع، بينما الأدب العربي منعزل، لا تقبل عليه إلا دائرة ضيقة من طلبة الدراسات الشرقية باستثناء نجيب محفوظ وبعض الحالات النادرة·
الروائي الكبير جمال الغيطاني تناول أهم سمات أدب أميركا اللاتينية في ندوة بالقاهرة، وركز على أصوله وأهم مدارسه، وأسباب ذيوعه في العالم، وسمات التشابه والاختلاف بينه وبين الأدب العربي·
يرى الغيطاني أن هناك جذورا قديمة تربط بين المجتمعين العربي والأميركي اللاتيني وأن عدداً كبيراً من العرب الأندلسيين هاجروا إلى أميركا اللاتينية في فترة مبكرة جدا· وقال: 'إذا استعرضنا التاريخ فسنجد تشابهات كثيرة، وهناك قصة شهيرة في التراث الأندلسي عنوانها 'الفتية المغرر بهم' وتحكي قصة ثمانية شبان من الأندلس ركبوا سفينة وغابوا في المحيط الأطلنطي سنوات حتى انقطع الأمل في عودتهم لكنهم عادوا وأنبأوا عن أرض جديدة بها كل المواصفات التي اكتشفت في أميركا اللاتينية'·
وشائج قديمة
وأضاف: 'هناك وشائج وجذور وطيدة بين العرب وأميركا اللاتينية خصوصا مصر، وهناك علاقة أقدم مما نتصور بين مصر الفرعونية وأميركا اللاتينية، وقد زرت المكسيك عام 1987 للمشاركة في مؤتمر أدبي وذهلت من التشابه الكبير جدا بين العقيدة في حضارة المايا الأميركية اللاتينية والعقيدة في الحضارة المصرية القديمة، الشمس هناك كما في الحضارة المصرية مركز الكون، كما أن الأهرامات القديمة في المكسيك تشبه الأهرامات المصرية، صحيح أنها أصغر، ولكن هناك اتفاق على فكرة الهرم نفسه باعتباره طرازا معماريا صاعدا إلى أعلى وهي موجودة في مصر والمكسيك، والأهم أو الأكثر واقعية أنني لم أشعر بغربة في المكسيك، هناك تشابه أو تطابق بين الملامح العربية والمكسيكية، والعربي ليس غريبا في المكسيك وفي دول أميركا اللاتينية بشكل عام· واكتشفت تشابهات كثيرة بين العمارة المكسيكية والعمارة الإسلامية، خصوصا في العقود والأقواس· كما أن هناك تشابها في الأطعمة والمكسيكيون يطبخون ويأكلون 'اللوبيا' بنفس الطريقة التي يأكل بها المصريون 'الفول'· والعلاقة مع الموت تقريبا واحدة في المجتمعين والشاغل الأكبر للمصري أن تكون له مقبرة والمقبرة بالنسبة له أهم من المنزل، والشعب المكسيكي له عيد سنوي أسمه 'يوم الموتى' وفيه يخرج المكسيكيون للمقابر ويوزعون الصدقات كما نفعل بالضبط·
سفراء
وقال الغيطاني إن أول اكتشاف له للأدب اللاتيني كان شاعر تشيلي الشهير بابلونيرودا الذي كان سفيرا لبلاده في فرنسا، وتعيين كبار الأدباء سفراء لبلادهم تقليد معروف في دول أميركا اللاتينية، فرغم تخلف أنظمتها واستبدادها إلا أنها تقدر المثقفين أكثر من العالم العربي، وتحرص على إرسال كبار كتابها سفراء في أوروبا حتى تسهل لهم مهمة الفوز بجائزة نوبل، وتشيلي أرسلت نيرودا إلى باريس وانطونيو سترمتا إلى برلين، والمكسيك أرسلت اوكتافيو باث إلى باريس لكي يجدوا طريقهم إلى جائزة نوبل· وهذا التقليد لم يحدث في مصر إلا مرة واحدة عندما أرسل جمال عبد الناصر توفيق الحكيم إلى منظمة اليونسكو في باريس، ليحصل على جائزة نوبل، ولكن الحكيم المنطوي أضاع السنوات ولم يوطد علاقاته بالمثقفين الفرنسيين والمؤسسات الثقافية القريبة من جائزة نوبل·
ماركيز
وأكد أن الاكتشاف الأكبر في أدب أميركا اللاتينية بالنسبة لكافة المبدعين العرب هو جابرييل جارثيا ماركيز، وقبل ماركيز ترجمت أعمال الروائي البرازيلي خورخي أمادو وأعمال الكاتب الأرجنتيني خورخي بورخيس كما ترجمت أعمال خوان رولفو ولكن ماركيز أحدث انفجارا في العالم أجمع، وناشره الفرنسي وهو نفس ناشر جمال الغيطاني قال إن روايته 'مئة عام من العزلة' أحدثت دويا هائلا في فرنسا وأوروبا كلها وفاز بجائزة الرواية الأجنبية، وفي سنوات قليلة انتشرت أعماله وأصبح من أشهر الروائيين في العالم ومعه وبسببه بدأت الأنظار تتجه إلى أدب أميركا اللاتينية·
وقال الغيطاني إن أدباء أميركا الكبار بينهم سمات مشتركة مستمدة من واقع أميركا اللاتينية، والواقعية السحرية التي اشتهر بها ماركيز وغيره نابعة من هذا الواقع والغريب أن الواقعية السحرية نشأت في أدب أميركا اللاتينية متأثرة بألف ليلة وليلة، وماركيز اعترف بذلك أكثر من مرة ومن عباقرة الأدب في القرن العشرين بورخيس الذي عاش تقريبا في ألف ليلة وليلة وهو رجل فقد البصر وقدم طريقة أدبية جديدة في كتابة النص من النص وقرأ حكايات وقصص ألف ليلة وليلة وأعاد كتابتها مرة أخرى بعبقرية مذهلة·
وأضاف :إن أصحاب ألف ليلة وليلة لم ينتبهوا إليها إلا متأخرا جدا بعد أن تحدث الغرب عنها وقتلها بحثا، وكُتبت العديد من المقالات عن تأثر الواقعية السحرية بها واندهشنا وانبهرنا وصفقنا لبطلة رواية 'مئة عام من العزلة' عندما طارت وهي تنشر الغسيل ونسينا أن الناس يطيرون في أساطيرنا الشعبية منذ آلاف السنين مثل أهل الخطوة والأقطاب وغيرهم·
ثراء·· ولكن!
وقال إن الأدباء العرب لم ينطلقوا من تراثهم الخاص مثل أدباء أميركا اللاتينية رغم انه شديد الثراء، والرواية العربية الأولى نابعة من تقاليد الرواية الغربية وبعدها جاء توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وأسسا الرواية العربية الحديثة على النمط الغربي رغم أن هناك بدايات سردية عربية لو تم تطويرها لأمكن أن تنتج رواية عربية خالصة·
وأوضح أن أدباء أميركا اللاتينية لم يحدث بينهم وبين واقعهم ذلك الفصام الذي وقع بين الأديب العربي وواقعه فاستطاعوا أن يستمدوا العناصر الخاصة من واقعهم ويستخدموها في القص ومن هنا جاء تفردهم وغزا أدبهم كافة لغات العالم·
وقال إن أهم سمات أدب أميركا اللاتينية مواجهة الفقر والقهر والاستبداد· دول أميركا اللاتينية غنية جدا ودائما توصف بأنها الباب الخلفي للولايات المتحدة·· والولايات المتحدة ارتكبت فيها جرائم راح ضحيتها مئات الألوف وتكفي الانقلابات التي حدثت بمساندة أميركية في تشيلي ونيكاراجوا وهندوراس، وأدباء أميركا اللاتينية قاوموا الفساد والقهر والاستبداد بأعمالهم، وأقوى الروايات التي تناولت شخصية الديكتاتور المستبد كتبت في أميركا اللاتينية مثل رواية 'العالم سنة '48 لجورج اورويل غير أن ماركيز في رواياته رسم صورة للديكتاتور تنطبق تماما على الأوضاع العربية· والتساؤل المطروح والمشروع هو: لماذا لم يكتب مثلها في الأدب العربي والاستبداد العربي من نفس النوع ولكن الأدباء العرب انشغلوا بموضوعات أخرى· ونماذج الرواية التي تتصدى لشخصية الديكتاتور ميزة ظاهرة في أدب أميركا اللاتينية غير أن أهم مميزاته هي التعبير عن الحياة كما هي والعلاقات الإنسانية في أوج ازدهارها وحيويتها وليست هناك محاذير في تناول كافة الموضوعات بلا حساسية أو ابتذال وهذا موجود في كافة الكتابات البارزة في أدب أميركا اللاتينية وفي نفس الوقت لكل كاتب عالم يخصه·

اقرأ أيضا