الأربعاء 25 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
وسائل الإعلام ·· تتلاعب بالآراء وتشجع العنف
16 أغسطس 2005

بقلم ــ د· نصر الدين لعياضي:
غريب وضع وسائل الإعلام حقا، فبقدر ما يزداد الإعجاب بها والافتتان بنشاطها تتهاطل عليها الاتهامات من كل حدب وصوب· فالجمهور الذي أصبح نشيطا في تعاطيه معها تفنن في نقدها عبر القنوات المختلفة: البريد الإلكتروني، والمكالمات الهاتفية، والفاكس، والرسائل القصيرة والبريد العادي· والسلطات العمومية من جهتها ضاقت ذرعا بتجاوزات وسائل الإعلام المختلفة، وسطوتها· وبدأت تشعر بالعجز أمامها· والصحافيون ذاتهم اصبحوا عاجزين عن كظم غيظهم مما تنشره وسائل الإعلام وتبثه، ويتململون مما آل إليه العمل الصحفي! لكن بماذا تتهم وسائل الإعلام بالضبط؟
يختلف اتهام وسائل الإعلام من بيئة ثقافية وسياسية إلى أخرى، ويمكن التمييز، بسهولة بين تلك الاتهامات الصادرة في الدول المتقدمة والدول النامية· ففي دول ' العالم الثالث' تنتقد وسائل الإعلام المختلفة لسطحيتها وجنوحها نحو الإباحية، وعدم مصداقيتها أو قلة موضوعيتها، وعدم التزامها بالحق في الإعلام أو تبعيتها للحكومات التي تتعاقب في هذه الدول·
وتتأرجح الاتهامات الموجهة لوسائل الإعلام المختلفة في الدول المتقدمة بين التقصير والقصور الذي انتج العبارة التي أصبحت رائجة في الغرب: 'ضحايا وسائل الإعلام'، والتي تحولت إلى مادة للتجنيد والتعبئة تقوم بها هيئات المجتمع المدني: ( جمعيات المستهلكين، جمعيات مشاهدي التلفزيون، هيئات الدفاع عن حقوق الإنسان)· ففي الحملات التي تقوم بها هذه الهيئات تعمق الإحساس بأن كل شخص يمكن أن يعزز قائمة هؤلاء الضحايا، كيف؟
انتهاك الخصوصية
إن تعرض وسائل الإعلام لحياة الأشخاص أصبح موضع قلق الكثير من الناس من خارج حلقة المشاهير والنجوم· فالناس العاديون أصبحوا يخشون أن تقذف بهم الأحداث ليقعوا تحت أضواء وسائل الإعلام الكاشفة، ويتحولوا إلى مادة تفرغ فيها هذه الوسائل نزوتها التطفلية والتلصصية· لقد نمت هذه الخشية مع ابتعاد وسائل الإعلام عن المعايير المهنية والأخلاقية بفعل حمى المنافسة·
إن مفهوم الحياة الخاصة يختلف من مجتمع إلى الأخر· ففي الولايات المتحدة الأميركية، على سبيل المثال، لم تتردد القنوات التلفزيونية والصحف في نشر نسخ من صور الأشعة عن مرض الرئيس الأميركي السابق ريغان، وهو في فراش المرض· هذا الأمر لا يمكن تصوره أبدا في فرنسا· للتذكير يمكن القول أن عائلة الرئيس الفرنسي 'فرنسوا متران' رفعت دعوى قضائية ضد طبيبه الشخصي الذي تحدث عن معايشة الرئيس لمرضه· وقد تم توقيف الكتاب من التوزيع بأمر قضائي وسحب من الأسواق بحجة انتهاك السر المهني، والمساس بخصوصية شخص الرئيس·
رغم هذا التباين في النظرة للحياة الشخصية في المجتمعات إلا أن الكثير من الأشخاص يعتقدون بأن المساس بحياتهم الشخصية ينكد معيشتهم ويجعلهم هشين أمام الآخرين، وكأنهم عرايا في الشارع العام· فمن يعرف عنك كل صغيرة وكبيرة في حياتك الخاصة والحميمية يسيطر عليك، ويتحكم في هامش حريتك ويأسرك· إن هروب نجوم الفن والطرب والمشاهير من الناس من ملاحقة عدسات الكاميرا أثناء خلوتهم أو في إجازتهم قد كلفهم حياتهم، على غرار الأميرة ديانا·
والحال أن وسائل الإعلام لا تنفرد وحدها في هتك خصوصية الأشخاص، في ظل استشراء منطق ( الأخ الأكبر) لأسباب موضوعية وذاتية· إنه المنطق الذي تجسده كاميرات المراقبة التي تفتح عيونها لمتابعة الفرد منذ خروجه من بيته: في الشارع العام والأسواق والبنوك والمطارات وحتى في مدرجات الملاعب إلى غاية عودته إليه·
الاتهام الجاهز
إن القاعدة القانونية التي يحتكم إليها رجال القضاء في نشاطهم المهني تنص على أن المتهم بريء حتى تدينه هيئة قضائية· لكن وسائل الإعلام لا تؤمن بهذه القاعدة، وتطبق قاعدتها الخاصة: المتهم مدان قبل محاكمته· فبعض الصحافيين ينصبون أنفسهم قضاة، ويحاكمون المتهمين قبل أن يُحالوا إلى العدالة· لقد شعرت بعض وسائل الإعلام بخطورة هذه القاعدة وطالبت من صحفييها التحفظ والحذر في الكتابة عن الجرائم والجنح· فأصبحوا يضفون دائما للجاني، والمجرم، والسارق، والقاتل صفة المتهم؛ أي المتهم بالقتل أو السرقة··· لكن الأمر الأكثر خطورة يتمثل في قيام بعض وسائل الإعلام بالتأثير على قرار المحكمة من خلال ما ينشرونه، وبعضها يسمح لنفسه بالتعليق عليه، ويعطي لنفسه الحق في الحكم على حكم المحكمة! إن جهاز العدالة يتأثر بهذه الممارسات بكل تأكيد، ويضطر، في كثير من الأحيان، إلى تنبيه وسائل الإعلام، بشكل أو بآخر· لكن الذي يتضرر أكثر من هذه الممارسات هو الفرد الذي يمكن أن يزج باسمه في قضايا الجنح والجرائم والسرقات وإهدار أموال الغير دون أن تكون له أية علاقة بكل ما يذكر·
عدم الدقة
تتدافع الكثير من وسائل الإعلام لنشر الأخبار والمعلومات التقريبية أو التي تنقصها الدقة في مختلف مجالات الحياة· ويشكل هذا الأمر علامة عن عدم الجدية أو نقص في كفاءة الصحافيين· ويرى البعض أنه خطأ جسيم، خاصة في اوساط أولئك الذين يرون أن وسائل الإعلام تشكل مدخلا فعليا لعالم المعرفة والعلوم أو يتعاطون معها كأداة مهنية: ( الصحافيون، الطلبة، الدبلوماسيون، الحكام، رجال السياسية···)· كما أن التسطيح والتبسيط قد يسلب من وسائل الإعلام دورها التعليمي والتثقيفي ويدفعها للتجهيل بدل التنوير· يمكن لأي مهتم أن يلاحظ، على سبيل المثال، الملاحق الصحية التي تصدرها بعض الصحف لرفع عائدها من الإعلانات ويحصي عدد الأخطاء والمغالطات التي تنشرها لأن المشرفين عليها ليست لهم أية علاقة بعالم الطب ولم يبذلوا جهدا للتخصص المعرفي في هذا الميدان·
العنف
يندد الجمهور بوسائل الإعلام خاصة السمعية- البصرية لعنفها· ويعتبرونا شكلا من أشكال العدوان على هدوء وراحة المشاهد، خاصة في الوقت الذي تصل فيه المشاهدة إلى ذروتها· ورغم أن الكثير من المختصين لا يتفقون حول أثار هذا العنف أو العدوان على الشباب والأطفال ولم يصلوا إلى اتفاق حول علاقة العنف المرئي في شاشة التلفزيون بتشرد الشباب وباستشراء العنف في الحياة اليومية، فإنهم يحتجون على تعريض الجمهور إلى مشاهد القتل، والدم، والتعذيب· ويستنكرون عدم قيام بعض القنوات التلفزيونية بإخطار المشاهد بمشاهد العنف ليكف عن مشاهدتها سواء بإغلاق جهاز التلفزيون أو الهروب إلى قناة أخرى أو إبعاد أطفاله القصر عن مشاهدتها·
التلاعب بالآراء
تنزل وسائل الإعلام في الشارع لجس نبضه أثناء الأحداث الكبرى فتسجل بالصوت والصورة جملة من مشاعر وانطباعات وآراء من تصادفه في الشارع أو من يقبل الإدلاء برأيه· وتنتقي ما تراه مناسبا وملائما لتوجهها وقناعاتها لتبثه أو تنشره· وتبرزه على أنه يمثل الرأي العام أو رأي الأغلبية·
تستدعي بعض الضيوف في الاستوديو لمحاورتهم حول بعض القضايا الحساسة أو الخطيرة وتبالغ في خبرتهم أو في مكانتهم العلمية والاجتماعية من اجل صياغة رأي مهيمن أو للتستر على الرأي المغاير أو لطمسه·
بعض البرامج تطلب من الجمهور التصويت على سؤال ما بعبارة موافق أو غير موافق وتستعين في ذلك بخدمات البريد الإلكتروني، أو الهاتف أو الفاكس· وتقدم نتائج الإجابة على أنها رأي جميع المشاهدين في حين أن نسبة ضئيلة فقط منهم تتصل بالبرنامج· فالمتصلون بالبرامج لا يمثلون المشاهدين تمثيلا حقيقيا على مستوى العمر، وعلى الصعيد الجغرافي والاجتماعي والثقافي· لذا يعتقد المختصون بأن نتائج هذا التصويت غير علمية وغير قابلة للتعميم· هذا إضافة إلى أن بعض القضايا تبلغ من التعقيد والملابسة درجة يصعب اختصارها في إجابة بنعم أو لا، وموافق وغير موافق·
إن النزعة التجارية المفرطة التي أدخلت الأغنية والفيديو كليب إلى دوامة المنافسة من خلال اقتراع المشاهدين أو المستمعين قد تم ترحيلها إلى مجالات أخرى، مثل: السياسة، الاقتصاد، القضايا الاجتماعية والثقافية المعقدة· وهكذا فمنح المجال لفئة ما من أن تنتج رأيها في ظروف مصطنعة حول قضايا كبرى، ويتحول هذا الرأي بقوة وسائل الإعلام إلى قاعدة لقياس الآراء الأخرى أو توجيهها·
التمشهد
سُئِل مسؤول في إحدى قنوات التلفزيون الأميركي لماذا يبث بكثرة أخبار الحرائق والأعاصير، فأجاب لأن صورتها تكون أجمل في الشاشة! تندرج هذه الإجابة ضمن منطق الفرجة الذي يدفع القنوات التلفزيونية إلى إعادة النظر في تراتبية الأخبار· فلم تعد الأحداث الهامة أو المهمة تحظى بأولوية البث لانعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بل أصبحت الأولوية تعطى للأحداث التي تملك بعدا مرئيا ومشهديا· أي تلك التي تجذب النظر، وربما تفتنه لقوتها الدرامية ولوقع صدمتها في ذات المشاهد· لذا نلاحظ أن القنوات التلفزيونية تتسابق لبث الأحداث المتعلقة بالاغتيالات والجرائم والكوارث الطبيعية، وتختلق صورا للحروب إذا لم يسمح للصحافيين بالتقاطها من الواقع·
الضغط
ربما لاحظ بعض المشاهدين أن بعض المسلسلات التي تبث، مثل كوميدية الموقف أو الوضع )ydemoc noitautis(، مرفقة ببعض المؤثرات الصوتية المسجلة: ضحك جماعي، تصفيق جماعي استحسانا لموقف، صفير استنكارا لمشهد، وغيرها· يمكن إن نتساءل لماذا يكلف المنتجون أنفسهم مشقة تسجيل مثل هذه المؤثرات· الإجابة تأتي من طبيعة المجتمع الأميركي، بصفة خاصة، والغربي بصفة عامة· الكل يعلم أن التطور الاجتماعي في هذا المجتمع فرض نمطا جديدا من الأسر تمثله الأسرة النووية، هذا إضافة إلى وجود عدد كبير من الأشخاص ( ذكورا وإناثا) يعيشون بمفردهم في شقق· والشاشة الصغيرة تقتضي مشاهدة جماعية من أجل التفاعل والتأثير· لكن أمام قلة هذا النوع من المشاهدة وانعدامه بالنسبة للبعض، تقوم المؤثرات الصوتية المذكورة أعلاه بتعويضه· فعندما يتمدد الفرد في بيته ليشاهد بمفرده هذا النوع من المسلسلات يضحك، بفعل العدوى، بمجرد استماعه للضحك الجماعي المسجل، أو يمتعض بمجرد استماعه للصفير·
لقد رأت جمعيات مشاهدي التلفزيون، وجمعيات المستهلكين في الدول الغربية أن هذه المؤثرات الصوتية تعتبر أداة ضغط وتحكم في المشاهد للتأثير عليه· وطالبت بضرورة إلغائها احتراما لحق المشاهد، وتقديرا لحريته في تقييم المادة السمعية- البصرية بعيدا عن أشكال السيطرة بصرف النظر عن طبيعتها اللينة أو الرمزية·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©