الخميس 26 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الرتـــّا ·· رجل المرحلة في زمــن الترقيع
الرتـــّا ·· رجل المرحلة في زمــن الترقيع
16 أغسطس 2005

بيروت ــ عماد ملاح:
الرتّا ··· صورة لبنانية لعملة واحدة في هذا الزمن المتداعي نحو الحضيض، وهو رجل المرحلة في زمن 'الترقيع' والتصليح وتجديد ما أفسده الدهر· تقفز صورته من ذاكرة عتيقة لبيروت القديمة، وتتصدر واجهة 'الحاجة أم الاختراع'··· كيف لا وهو الذي يعيد لثوب قديم بعض عافيته· تاريخه عريق وكفاحه طويل، لكن عمله لم يكن بالتوسع والشهرة والانتشار كما هو اليوم· فارتفاع اسعار الملبوسات والثياب 'والموديلات' جعل انسان هذا الوطن التعيس، يفكر ألف مرة قبل رمي ثوبه القديم في سلة النفايات، وكي يتمكن من ارتدائه لا بد من إصلاحه، والاصلاح يتم عند الرتّا·
ما أكثرهم في شوارع وزواريب العاصمة، حاضرون دائماً لاستقبال قطعة ثياب ممزقة او مهترئة او تحوي الصفتان معاً!
يقال ان هذه الحرفة قديمة، وقد عرفت منذ عام ،1935 ويعود تاريخها في لبنان الى سيدة فرنسية كانت أول من زاول المهنة في الاسواق التجارية، وتحديداً في محلة 'باب ادريس'، حيث كانت تستعمل حجرة على شكل بيضة لرتي الثياب، وراحت تعلم الناس على هذه الطريقة، فانتشرت من شخص الى آخر· أما اليوم وبعد اشتداد الازمة الاقتصادية والمعيشية الصعبة، فقد ازدادت ظاهرة رتي الثياب بشكل ملحوظ، فالانسان لم يعد يملك امكانية شراء ثوب جديد كل مرة، لذلك يعمد لرتي ثوبه القديم لانه أرخص من شراء ثوب جديد·
سوق 'البزركان'
الرتّا محمود الحلاق زاول مهنة رتي الثياب منذ 35 سنة، كان في سوق 'البازركان'، والآن أصبح دواراً في شوارع العاصمة، قال: 'ازداد عملي بشكل ملحوظ منذ ثلاث سنوات، أي بعد ارتفاع سعر الثياب في المحلات التجارية، وعدد المواطنين بات يتراوح بين 15 و 20 يأتون بشكل يومي لتصليح ثيابهم'·
؟ ماذا عن أيام زمان؟
؟؟ في السابق عندما كان الرداء يهترئ، لم يكن يجد غير سلّة المهملات تستقبله، اما اليوم فانهم يحتفظون به ويقومون باصلاحه وتجديده لعدم قدرتهم على شراء بديل عنه·
؟ هل هذا هو السبب لرواج المهنة؟
؟؟ 'الرتي' ليس مهنة حديثه، انها قديمة جداً، لكن انتشارها كان ضيقاً ومقتصراً على إصلاح ثوب أصيب بعطب أو 'عاهة' ما·
مهنة 'رتي' الملابس كادت تنقرض وتغّيبها الحرب بعد خراب الاسواق التجارية، فقد تجمع اصحابها بداية في منطقة باب ادريس، سوق 'البزركان'، وهي تسمية فارسية، ويعتقد ان أوائل ممتهنيها قدموا من ايران وأتقنها جيل الخمسينات والستينات·
اصحاب المهنة توزعوا في احياء المدينة وشوارعها، بعضهم افتتح دكاناً صغيراً يتابع مهنته، وآخر افترش بسيارته رصيفاً ليحصل على قوت عياله، وآخر داوم في مصبغة صديقه يلتقط رزقه من الزبائن المتوافدين لكوي ملابسهم· وفي زمن الغلاء تخلى اللبنانيون عن عادة رمي ملابسهم، التي قد تتعرض للاهتراء، ليعيدوا تجديدها بدلاً من شراء ثياب جديدة، كلفتها تفوق رواتبهم الشهرية· واذا كان 'رتي' الملابس اقتصر سابقاً على القطعة النادرة أو الثمينة، فالوضع المعيشي الحالي، أجبر العديد من المواطنين على 'رتي' ملابسهم، مهما كان ثمنها، لان كلفة الجديد تفوق بمرات 'رتي' القديم·
عودة الروح
يروي أصحاب هذه الحرفة، ان روح الحياة عادت تدب من جديد في المهنة التي يرفض أولادهم تعلمها، لحاجتها للصبر وبرودة الاعصاب، فهي جزء من مهنة 'الحياكة' و'النول'، وعدتها إبرة وخيط·
؟ ماذا يروي هؤلاء من شهادات؟
التقينا ببعضهم بعد بحث دقيق عن اماكن تواجدهم، حيث انهم يتوزعون في 'زوايا' عديدة ومتباعدة جغرافياً·
'الرتا' سعد (ابو محمد) يعمل في المهنة منذ أربعين عاماً ولا يزال ، يقول عن هذه الحرفة:
'الرتّي' كلها فن وذوق، ومن يمارسها يجب ان يتمتع بالبال الطويل والدقة المرهفة، وقوة النظر، والاّ فعليه العوض'·
من 'الرتّي' الى 'التاكسي'
خلال الاحداث اشتغلت مؤقتاً سائق تاكسي، لأن مهنة 'الرتي' كانت في اجازة قسرية، فهي تطعمك خبزاً في ايام 'الرواق' أي الاستقرار والصفو· حاولت ان أعلمها لابني الا انه استقال في منتصف الطريق بعد ان خف نظره·
بالنسبة الى الزبائن فهم يتوزعون بين 'الزبون الخواجا' و'الزبون المعتَّر'، وفي الحالتين أنت خسران، لان الاول تقول له كيف سيتم 'رتي' القطعة وكيف ستصبح، وعند الانتهاء فإنه يتأفف ويتهمك بسوء الشغل، والثاني لا حول له ولا قوة يريد العمل مجاناً·
وتابع: 'أخاف ان تنقرض هذه المهنة، لان محترفيها وهم قلة في تناقص مستمر بسبب الموت والمرض'·
وعن الوقت الذي يستغرقه 'رتي' الثياب، قال: 'حسب 'الموديل' ونوع القماش، بعضها بحاجة الى ثلاث ساعات، والبعض الآخر مثل 'جاكيت الشموا' و'السينييه' والحرير، بحاجة الى اكثر من اربعة ايام'·
صبر وطول بال
سعد عياد يعمل موظف 'رتا' في مصبغة، قال:
'تعلمت المهنة في سوق 'البزركان' قرب باب ادريس، وكنت صغيراً، وبعد عشر سنوات عملت في محل افتتحته في منطقة 'بربور'، الاّ اني قبل الاجتياح الاسرائيلي قبضت تعويضاً لقاء اخلائه لان البناء قديم وأقيم مكانه بناء حديث· وعملت خلال هذه الفترة في منزلي حيث كان يقصدني بعض الزبائن، الاّ ان الحال كانت غير جيدة'·
وأضاف: 'هذه المصلحة محدودة وقلائل هم الذين يعملون في هذا المجال، وهي تحتاج الى بال طويل وصبر، وان يكون صاحب المهنة متميزا بقوة نظر وبرودة أعصاب، وفي ذات الوقت (فناناً) في استعمال 'الابرة' التي تشكل اساس وعدة المصلحة· ومن حيث المدخول، ايام يمكن ان يكون عندك عمل، وايام تنتظر زبوناً، وفي السابق كنا عايشين ونحصل على مدخول شهري لا بأس به، ولكن الآن أعيش من خلال معاش شهري محدود باعتباري موظفاً لا اكثر في هذه المهنة'·
وتابع: 'هناك فرق بين الخياط 'والرتا'، واكثر الاحيان الناس تقصد الخياط دون علم لها بوجود 'رتا'، رغم ان عمل كل منهما يختلف عن الآخر· وهذه المصلحة تكاد تنقرض وتندثر لانها لا تدخل في مجال التعليم المهني، وأكثر الذين يمارسونها اما تعلموها بالوراثة او في سوق 'البزركان'· وانا شخصياً تعلمتها عبر ابن خالتي، كنت ارى كيف يعمل وأحاول ان أشتغل مثله، ولكن لم أتقنها الاّ عندما علمني بيده، وهكذا تعلمت المهنة'·
وقال: في اوائل الستينات، الكثير من الناس كانت 'ترتي' ملابسها التي تمتاز بقيمة غالية، وكنا نقول في السابق للزبون، ان تكلفة 'رتي' القطعة 'الشيء الفلاني'، مثلاً أقل شيء ثلاث ليرات، وكانت الليرة ليرة، وتعادل اكثر من دولار، وكنا نعيش افضل من الآن، وحالياً لا نستطيع ان نطلب من الزبون سعرا عاليا جداً، ولكن بدأت الروح تعود للمهنة الآن، بسبب الغلاء، والبعض بدأ يفكر في حال 'اهترت' ملابسه مهما كان نوعها باعادة 'رتيها' بدلاً من شراء قطعة جديدة'·
فن وذوق·· وضعف نظر!
محمد الخطيب يتواجد في مصبغة يمتلكها صديق له في شارع 'ليون' المتفرع من شارع الحمرا، وهو لا يملك محلاً خاصاً قال: 'تعلمت المهنة من خالي في سوق 'البزركان'، وكان عمري في العشرينات، وهذه المهنة كانت مقتصرة على مجموعة اشخاص يملكون محلات في سوق 'البزركان'، وهم من آل الحلبي، والبرجاوي، الخطيب، والحلاق منذ 22 سنة· وصفات هذه المهنة انها تعتمد على أصول 'الحياكة' وتنسيق الخيطان وهي مسألة فن وذوق اكثر مما هي صنعة، 'والرتي' صنفان: هناك 'حياكة' وهناك 'لحمة'، اي 'تنزيل شقفة'، لاي نوع من القماش او الالبسة، وعلى كل حال المهنة مستمرة الآن، وقد حاولت تعليمها لأولادي، ولكن رفضوا لانها متعبة وهي تذهب بالنظر· فالنظارات التي معي 6 درجات، كما ان مدخول المهنة غير مشجع كثيراً'·
اضاف: 'اليوم لا أحد يرمي قطعة ملابس والناس تسأل عن 'رتا' والبعض الآخر لا يعرف بوجود 'الرتا'، ومنذ بداية تاريخ هذه المصلحة حتى الآن، والعمل لم يتغير، ففي اليوم الواحد يمكن ان يأتينا زبون واحياناً يأتي خمسة زبائن، واذا اردت تحديد المدخول الشهري فهو يكاد لا يذكر في هذه الايام'·
وتابع: 'كانت هناك شخصيات سياسية كثيرة ترسل لنا ثيابها كي 'نرتيها' خصوصاً ايام سوق 'البزركان'، هناك فرعون وعقيلة الرئيس صائب سلام، والنائب عبد اللطيف الزين، وغيرهم، البعض كان يأتي شخصياً الى محلي في الصنائع سابقاً، وبعضهم يرسل أولاده او سائقه'·
صبر أيوب
زياد حل مكان والده في المهنة بعدما تهدم المحل في الاسواق التجارية، واقتنى سيارة تحولت الى دكان، كان يجلس على كرسي قال: 'الوالد يحاول ان يعلمني المهنة منذ ثماني سنوات، لكن المهنة تحتاج الى برودة أعصاب وقوة نظر وصبر ايوب، وحتى الآن لم اتخط نصف تعليمي لانه ليست لدي الرغبة كي أستمر في هذا العمل، اضافة الى ان هذا الوقت يحتاج الى أعصاب'·
أضاف: 'الوالد يعمل في المصلحة منذ 34 سنة، وعيناه باتتا جاحظتين ويعاني من وجع أضراس· وقد قال له الدكتور، اذا اردت ان تريح نظرك، عليك 'خلع' أضراسك، وانا لا أريد ان أكمل هذا المشوار'·
وتابع: 'الزبائن في هذه الايام تزايد عددهم ولكن ليس كثيراً، والزبون في حال 'تمزقت' قطعة ثياب، يركض كي يصلحها، لان اجرة 'الرتي' أقل بكثير من عشر ثمن قطعة جديدة يشتريها في زمن الغلاء، الاّ ان اكثر الناس لا تعرف 'الرتا' وهم قلة في بيروت وغير معروفين· وفي اليوم الواحد يمكن ان يأتي اربعة او خمسة زبائن، ومدخولنا الشهري لا يتعدى العشرين الف ليرة في هذه الايام، في حين ايام سوق 'البزركان'، كان المدخول اليومي حوالي ثلاث ليرات ولكن كانوا يكفون بشكل أفضل مما هو عليه الوضع المعيشي ومتطلباته في الوقت الحاضر'·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©