الاتحاد

ألوان

الحرف الــــبحرية.. دُرّة الأقدمين في «زايد التراثي»

الأجيال الجديدة وشغف بتاريخ الأجداد (تصوير عمران شاهد)

الأجيال الجديدة وشغف بتاريخ الأجداد (تصوير عمران شاهد)

أحمد السعداوي (أبوظبي)

الحرف البحرية درّة الصناعات التراثية الإماراتية، لكونها أهم الموارد الاقتصادية للمجتمع الإماراتي القديم، لفترات زمنية طويلة، سواء من خلال الغوص بحثاً عن اللؤلؤ أو صيد الأسماك أو صناعة السفن والقوارب بأحجامها المختلفة، التي يستعملها البحارة في أسفارهم الطويلة أو القريبة من السواحل الإماراتية، بحثاً عن الرزق حتى تستمر الحياة على هذه الأرض الطيبة عبر قرون عديدة، ومن هنا احتل ركن الحرف البحرية مكاناً متميزاً ضمن فعاليات مهرجان الشيخ زايد التراثي بمنطقة الوثبة بأبوظبي، عبر 17 خبيراً وحرفياً تراثياً في مجالات الحياة البحرية، بما لها من قيمة كبيرة في التراث الإماراتي، حيث يعتز بها الجميع على مدار الأجيال، وهو ما بدا من الإقبال اللافت على حرف وأساليب حياة أهل البحر التي زينت الحدث التراثي الكبير، والذي انطلق في الأول من ديسمبر الماضي.

المناطق الساحلية
يقول الوالد صالح محمد الحمادي، المسؤول عن ركن الحرف البحرية: «إن الاهتمام الكبير الذي تلقاه حرف أهل المناطق الساحلية في الإمارات، نتيجة طبيعية لما قام به أهل هذه المناطق عبر الزمن في التعامل مع البيئة المحيطة لهم، واستغلال كل مفرداتها، من أجل توفير سبل الحياة لأفراد المجتمع، سواء من خلال صيد الأسماك باعتباره مادة غذائية رئيسة متوافرة في السواحل والمياه القريبة أو من الغوص عن اللؤلؤ والتجارة فيه واستخدام العائد المادي منه في إحضار أنواع الغذاء والاحتياجات اليومية لأهل الإمارات في أزمنة ما قبل النفط، حيث مثل البحر المورد الاقتصادي الأهم لغالبية سكان الإمارات في تلك الأيام».
ويذكر الحمادي أن ركن الحرف البحرية يتضمن 17 حرفياً لمختلف مهن أهل البحر، بدءاً من صناعة أصغر أدوات الغوص عن اللؤلؤ، مروراً بالشباك والقراقير، وانتهاءً بالسفن والقوارب المختلفة الأحجام التي تختلف استخداماتها بين التنقل بين المناطق القريبة أو صيد الأسماك أو الغوص عن اللؤلؤ والذهاب في رحلات تجارية في السواحل البعيدة للخليج العربي.

البوم والجالبوت
ومن أهم أنواع السفن، «البوم»، وكانت تستخدم في التجارة مع الدول المطلة على سواحل الخليج العربي، وبعض الدول الأخرى مثل الهند، ويتراوح طولها من 120 إلى 150 قدماً، أما حمولتها فتصل إلى 700 طن، بحسب حجم السفينة، وهذه السفن الكبيرة يطلق عليها «بوم سفار» أما السفن الصغيرة التي تبحر بالقرب من سواحل الإمارات فتسمى «بوم قطاع».
وهناك «الجالبوت»، وكانت تستخدم أيضاً في الأسفار البعيدة والغوص عن اللؤلؤ وحجمها بين 15 إلى 30 قدماً، وحمولتها تصل إلى 50 طناً، ومن الأسماء الأخرى لهذا النوع من السفن «الجلاب»، أما «البغلة»، فهي من السفن الكبيرة أيضاً، وتستطيع نقل حوالي 400 طن، وكانت لها استخدامات سفينة «بوم سفار» نفسها.
ومن السفن الأصغر حجماً «السنبوك»، وطوله من 50 إلى 60 قدماً، وتحمل أوزاناً من 20 إلى 60 طناً، وتستخدم أيضاً في الصيد والغوص بحثاً عن اللؤلؤ، أما أصغر القوارب على الإطلاق فيعرف باسم «الشاشة»، ويمتاز بطرفيه المدببين، ويصنع من جريد النخيل، ولا يستغرق وقتاً طويلاً في صناعته كجميع الأنواع الأخرى، ويستخدم فقط في صيد الأسماك بالقرب من الساحل، ويمكن أن يتسع إلى 4 أفراد.

«الليخ»
أما «الليخ» بلهجة أهل البحر الإماراتيين أو الشباك، فيقول عنها محمد عبد الله المرزوقي: «إنها تصنع من خيوط القطن أو النايلون، باستخدام قطعة خشبية تسمى «برية» يدخل فيها الخيط ثم يبدأ نسج الشباك التي تصل أبعادها بين 150 باعاً طولاً، وعرض من 40 إلى 50 باعاً، علماً بأن طول الباع مترين تقريباً.
وتختلف حجم فتحة الليخ من شبكة لأخرى، بحسب نوع السمك المراد صيده أو المنطقة التي يتم فيها الصيد، لأن كل منطقة لها أسماك معينة تميزها، وغالباً يتراوح حجم الفتحة من 1 إلى 6 بوصات في أقصى الأحوال، وتتميز خيوط القطن أو النايلون المستخدمة في الليخ بالقوة حتى تتحمل فترة بقائها بالماء التي قد تستمر لأكثر من يوم. أما أنواع الليخ فمنها ما هو مخصص للصيد في قيعان المياه، وهو كبير الحجم قياساً بغيره، وأنواع أخرى بالقرب من سطح المياه، علماً بأن فترة صناعة الليخ تتراوح بين 3 إلى 15 يوماً، بحسب حجم ونوع الليخ، الذي يصل طوله أحياناً إلى 200 متر، وبالتالي هذه الحرفة تحتاج إلى صبر ودقة صنعة متناهية، لأن أي خطأ قد يؤثر على كفاءة الشبكة وعدم الاستفادة منها بشكل سليم، علماً بأن معظم المشتغلين بهذه المهنة الآن من كبار السن الذين احترفوها بشكل واقعي في بداية حياتهم، وكانت مصدر دخل رئيس لهم، وللكثيرين من العاملين فيها حتى فترات زمنية ليست بعيدة».

«السنيار»
وما زلنا في حكايات البحث عن الرزق التي يرويها أهل البحر القدامى، ومنهم يوسف أحمد العلي، الذي يحدثنا عن رحلات الغوص والبحث عن اللؤلؤ في المياه البعيدة، ليقول: «إن هذه الأسفار تمتد أحياناً إلى 4 أشهر، فيما يسمى بـ«الغوص العود»، وموسم الغوص عن اللؤلؤ يبدأ من الصيف، وينتهي مع قدوم فصل الشتاء، وهناك أنواع أخرى من الغوص، وهي، «الردة»، ومدته حوالي شهر، و«القحة» أسبوعين أو ثلاثة، و«الرديدة»، ويستمر أياماً عدة، ويكون غالباً في المناطق الساحلية القريبة. أما «غوص البرد» فيكون في شهر أبريل، ويستغرق من أسبوعين وحتى 6 أسابيع».
ويضيف العلي: «كانت السفن تتحرك في هذه السفريات الطويلة، بشكل جماعي، ما يوفر الشعور بالأمن لدى جميع الأفراد العاملين عليها من نواخذة وغواصين وسييبة (السييب هو الشخص الواقف على ظهر السفينة، ويقوم بمساعدة الغواصين)، وغيرهم من أصحاب الحرف البحرية، ومجموعة السفن التي تتحرك معاً كانت تسمى «سنيار»، بلهجة أهل البحر التي ما زال الكثيرون منهم يعمل على الحفاظ عليها من الاندثار».
والمكان الذي كنا نجد فيه اللؤلؤ يسمى «الهير»، أما «البندر» فهو المرسى أو المكان الذي تلجأ إليه السفن حين تهب الريح فتصعب عليها الحركة في البحر، أو حين يحتاجون للتزود بالماء قبل استكمال مسيرة الإبحار والبحث عن اللؤلؤ في المياه البعيدة.
ويتم التعرف إلى وجود المحار من عدمه في مكان ما، عن طريق «البليت»، وهو ثقل من الرصاص يتم ربطه بحبل ثم يتم إسقاطه إلى قاع المياه وعن طريق (خبطات) عدة متوالية على قاع المياه، يتم الإحساس بارتطام الثقل بالمحار في حال وجوده بتلك المنطقة، وحين نتأكد من ذلك يبدأ العمل على إنزال الغواصين من أجل التقاط اللؤلؤ، ولا يأخذ الغواصون قرارهم بالنزول إلى أعماق المياه إلا عبر هذه الطريقة، ثم يتم رمي «السن»، أو الهلب حتى يمسك بالأحجار، وترسو السفينة في مكان آمن، ولاحقاً يشرع الغواصون في عملهم واستخراج المحار من أعماق البحر.

أدوات الغوص
وعن طاقم السفينة التي تبحر للغوص عن اللؤلؤ، يبين صالح محمد الجسمي، أن هناك مسميات لكل حرفة للرجال الذين يبحرون معها، أولهم «النوخذة» وهو قائد السفينة، «المجدمي» رئيس البحارة. و«الجلاس» من يفلق المحار ويستخرج منه اللؤلؤ. و«الغيص»، وهو الغواص الذي ينزل إلى أعماق الماء ليستخرج المحار، وتصل عدد مرات الغوص يومياً إلى 10. و«السييب» من يقوم بسحب الغواص ويتطلب أن يكون قوي الذراعين حتى يؤدي مهمته في أفضل حال، ويشعر الغواص بالأمان حين يكون في أعماق البحر. و«وليد» وهو صبي صغير يقوم بالمهام المساعدة على سطح السفينة، فضلاً عن الطباخ الذي يتولى مهمة إعداد الطعام للجميع.
أما أدوات الغوص، فيشرحها أحمد محمد الحمادي، وتتمثل في «الفطام»، وهو المشبك الذي يمسك أنف الغواص حتى لا يدخل فيه الماء أثناء وجوده في الأعماق. و«اليدا» الحبل الذي يمسك به «السييب» في السفينة. و«ديين» كيس يعقله الغواص في رقبته لوضع الأصداف. و«شمشول»، وهو رداء من القماش السميك يرتديه الغواص حين يبدأ النزول إلى الماء. و«الخبط» قفاز يرتديه في يديه حتى تحميها من أي جروح خلال قيامه بالتقاط المحار من أعماق البحر. و«الثقل» ويكون من الحجارة أو الرصاص، ويربط به قدم الغواص لتساعده إلى النزول إلى الأعماق بسرعة. وهناك «الطواش» وهو تاجر اللؤلؤ، الذي يقوم بوزنه وتقييمه وإعطاء ثمنه لمن يريد بيعه، بحيث يجمعها هو ويبيعها بالجملة إلى التجار الذين يفدون إلى المناطق الساحلية للإمارات من سواحل البلدان الأخرى.

بناء السفن
عن طريقة بناء السفن، يقول صالح محمد الحمادي: «إن صانع السفن يسمى «الجلاف»، وكان يعتمد على أنواع عدة من الأخشاب، أهمها «الساج» الذي كان يستورد من الهند، ويعتبر أقوى أنواع الأخشاب، وأكثرها قدرة على مقاومة تأثير المياه وملح البحر، وذلك بعد دهنه بـ«دهن الحوت»، بعد تسييحه حتى يكون عازلاً بين الخشب وتأثيرات المياه، وكذلك وضع «الكلفات»، وهي أحبال رفيعة من القطن المجدول بين ألواح أخشاب السفينة، لمنع تسرب المياه إلى داخلها، مع تثبيت الألواح الخشبية في قوائم السفينة بالمسامير التي كانت معروفة باسم «بادور».

«النهّامة»
يقول محمد عبدالله الحمادي: «إن «النهّامة»، تشير إلى مجموعة من الأشخاص يقومون بترديد الأهازيج على سطح السفينة للترويح عن طاقمها، ومفردها «نهّام»، ودوره تشجيع البحارة بالأشعار الملأى بالكلمات الحماسية التي يتغنى بها في الشوق للوطن والعودة إلى الأهل بالرزق الوفير الذي يجود به البحر عبر رحلاتهم بسواحل الخليج العربي أو في المياه البعيدة، بحثاً عن صيد الأسماك واللؤلؤ باعتبارهما من أهم ما يحمله البحر من خيرات، حيث اعتمد عليها أهل الإمارات بشكل رئيس لفترات زمنية طويلة.

«القرقور»
بالحديث عن الصيد ووسائله، يذكر سالم محمد الفلاسي، أن القرقور أو «الجرجور» باللهجة المحلية، كان يسمى أيضاً «الدبواي»، وهناك 4 أنواع منه، وهي «باع ونصف، دوباي باعين، دوباي قطعة 3، الدوباي العود، أو الدوباي الكبير»، ويستخدم كل نوع بحسب القرب أو البعد من المناطق الساحلية، فلكلما ابتعدنا استخدمنا النوع الأكبر من الجرجور، علماً بأن عملية الصيد بالجرجور تأخذ في العادة من 3 إلى 5 أيام، ويمكن للشخص استخدام أكثر من جرجور بحسب قدرته المادية.
ويصنع الجرجور من «السيم»، وهي أسلاك من الحديد، وبعضها يصنع من سعف النخيل، غير أن السيم أقواها، ويتحمل فترات زمنية طويلة، ويصطاد أنواعاً أكبر حجماً من الأسماك، ويمكن لممارسي الصيد بالقراقير استخدام العشرات منها في المنطقة نفسها، ولكن بعد توزيعها بشكل متساوٍ على مناطق عدة، مع معرفة أماكنها عبر أنواع من العوامات، تظل طافية حتى يتعرف الصيادون عليها عند العودة لجمع القراقير والأسماك في الأيام التالية.
ويوضح الفلاسي، أن «السيم» المستخدم في الصيف أضعف وأرق من المستخدم شتاء، تبعاً لاختلاف نوعية الأسماك في كل موسم، مع وضع ثقل أسفل كل جرجور لتثبيته في مكانه، فضلاً عن ضرورة صناعته بشكل معين، يمنع خروج الأسماك منه مرة أخرى بعد دخولها إليه، حيث يتم ربط كل جرجور إلى العوامة بحبل غليظ وقوي، يسمح بسحبه من القاع، بعد امتلائه بالسمك.

اقرأ أيضا