من البدهيات في النقد الحديث أن يتطرق الناقد إلى موضوع مهم، وهو توظيف الأسطورة والحكاية الشعبية في البناء الروائي، وذلك من أجل خلق ترابط عضوي بين دلالة الحكاية أو الأسطورة في ماضيها الاجتماعي ودلالاتهما في الحاضر الذي استدعى هذا التوظيف، وذلك لدواعي المشابهة أولاً، وقد يأتي هذا التوظيف لزيادة المتعة والكشف ثانياً ما دامت الحكاية “كونها فعلاً لا سبباً”، حيث تعتمد التشويق والإبهار، وكذلك الأسطورة ولا أدل على ذلك أعمق من الرواية العالمية الكبرى، وهي “يوليسيس” للأيرلندي جيمس جويس التي أطلق عليها “ملحمة القرن العشرين” التي حال قراءتها لا بد من الرجوع إلى أوديسه “هوميروس” أولاً وإلى التوراة والإنجيل ثانياً وإلى قصص دبلن القصيرة لجويس نفسه ثالثاً، لسبب بسيط كون “يوليسيس” تتعالق مع كل هذه الأعمال السابقة، أي باختصار أنها توظف الأسطورة في دلالة تؤثر بقوة على سير الحدث العام لبناء الرواية. التوظيف يختلف عن التضمين، إذ التوظيف الحكائي والأسطوري يرتبط بالدلالة، فيما يرتبط التضمين بالنسق، وفي التوظيف يتحرك العمل القديم ليكون رمزاً في العمل الجديد، بينما نجد التضمين كتلة ماضية تحتل مساحة في كتلة نص حاضر، والتوظيف تلاعب في الحكاية والأسطورة، أما التضمين فهو رسوخ فيهما “عدم المساس في النص الأصل” والتوظيف فتح الأقواس، أما التضمين فهو الإبقاء على الأقواس لعزل النص الأقدم عن النص الحاضر. ومن أجمل أنواع التوظيف الحكائي هو “الإيهام”، أي استغلال الحكاية لإيهام القارئ عبر جدلية الحوار بين نصين “سابق ولاحق”، على أن هذه الحكاية ليس مسلماً بها، بل هي تخضع للفحص والدقة والمصداقية، وأنها تمتلك قناعاتها في الماضي، بينما لا قناعات لحاضرها؛ ولهذا فإن استغلالها في النص الحاضر يأتي للاشتغال على الدلالة ليس إلا. قادني إلى هذه المقدمة البسيطة ما قرأته من منتج روائي جديد للروائي الإماراتي علي أبو الريش تحت عنوان “أم الدويس” والصادرة حديثاً. قبل كل شيء لا بد لي أن أؤشر أن عنوان الرواية جاء مجرداً من الإضافة أو التوصيف، وإنما هو اسم لحكاية شعبية متداولة هي حكاية أم الدويس، الامرأة الغولة التي صورها العقل الجمعي العربي على أنها امرأة مشوهة، ذات جسد خرافي، تدعو للرعب والقتل والإقصاء من الحياة بالموت لكل من لا ينصاع للأوامر التي تصدر إليه، وقد ارتبطت إلى حد بعيد بالطفولة التي كانت ترعب من أجل الامتثال للآلية الاجتماعية، وقبل تناول الحكاية بالتحليل لا بد من تأكيد أن هذه الحكاية أكثر شيوعاً في المجتمعات الخليجية والعربية المجاورة كالعراق مثلاً، وقد تتعداه إلى شعوب كثيرة أخرى وموروثات حكائية قريبة من النص الأصل، وهي لا تخص بنية اجتماعية بعينها، وربما هذا يعود إلى تشابه الحكايات العربية، بل وحتى مع كثير من مفاصل الحكايات الشرقية، بل والعالمية أيضاً؛ لأن الخيال البشري يشترك في مفاصل متشابهة وأنساق متقاربة إلى حد بعيد بالرغم من اختلاف البيئة الحاضنة للحكاية. هيمنة البنية أقول، إن “أم الدويس” الحكاية الأكثر دلالة على هيمنة البنية الاجتماعية الصارمة، وهي وسيلة “أداة” لتقويض حرية الطفولة منذ بدء تشكلها باتجاه تكريس الخوف الأبدي، إذ إن أي فعل بشري يقابله خوف من مجهول يمتلك خصائص الإقصاء، وهي التي توافرت في مقاصد حكاية “أم الدويس”؛ ولهذا فإن البنية الاجتماعية لم تكتف بالتوجيه النصائحي للتعرف إلى ما هو مستقيم في السلوك، بل عمدت إلى استغلال الفن الشعبي “الحكائي” لترسيخ هذه النصائحية عبر الحكاية التي تجسد رؤية لا تتوفر في الفعل النصائحي، وهي «الموت»/ القتل/ الإقصاء. هذا الخوف ـ الذي خلقته البنية الاجتماعية ـ استطاع أن يتجلى في الفن الشعبي بشكل فاعل من خلال الحكاية الأكثر قوة في التأثير؛ ولهذا فإن العلاقة الجدلية بين الرؤية الاجتماعية الشعبية والحكاية استدعت خلق عالم لا مرئي يمكن تخيله أو الإحساس به، بينما لا يمكن لمسه أو معايشته، أي أن يبقى بعيداً عن اكتشافه كي يحتفظ بغموضه الأبدي. وفي ضوء ذلك، جرّب الروائي علي أبو الريش أن يستغل حكاية “أم الدويس” ليقرأ من خلالها واقع البنية الاجتماعية التي خلقت هذه الحكاية مع قناعته كسارد من خلال بطله “فيروز” في أن الحكاية هذه ليست بناء يخص مجتمعاً بعينه، ولا توجد تنويعات مختلفة على الحكاية بين بنية اجتماعية وأخرى، بل الحكاية في موروثها الاجتماعي، كما هي، لا زيادة أو نقصان فيها، وعليه فإن العنوان المجرد “أم الدويس” لم يقرن بتوصيف إضافي، بل هو اسم مجرد، وعليه نجد أبو الريش قد ترك توصيف هذا العنوان للمتلقي الذي يستطيع أن يخلق عنوانه الخاص به، إذ ظل الروائي في حقل البحث الجدلي عن المعنى الغائب للحكاية وللعنوان. افترض أبو الريش أسساً عدة في روايته “أم الدويس”، أهمها أن “أم الدويس” هي امرأة أسبغت عليها العقلية الاجتماعية والخيال الجمعي صفة القسوة والموت والإقصاء، بينما تتجلى في الرواية إلى حدود اللذة من خلال شخصيات أنثوية ثلاث وهن “عذاب” و”ماسة” و”نيران”. الشخصيات الأنثوية من الغرابة أن أسماء أولئك الشخصيات الأنثوية ذات دلالة قهرية وهن: (عذاب) المشتق من الألم والقسوة والقهر. و(ماسة) التي تحمل دلالة داخل النص الروائي بعيداً عن دلالتها المعجمية التي تقود إلى المس والجنون. و(نيران) التي تشير إلى الاحتراق والتلاشي. وفي هذا الصدد، يقول السارد “فيروز”: “لم تمض أكثر من ساعة واختفت، هل عذاب.. أم ماسة، أم نيران، بطبيعة الحال، فهي لا تشبه أحداً منهن”، (ص310). ومن جانب آخر، يفترض علي أبو الريش أن أم الدويس امرأة قد لا تكون نتاجاً لخيال اجتماعي، وإنما هي جسد حي ربما شاهده أحدهم ولهذا فإن السارد “فيروز” كونه بطلاً ممسرحاً في الرواية، يبحث عن شخصية في الواقع، قد اطلعت من قبل على حكاية “أم الدويس” بشكلها الواقعي لا الخيالي، وقد تكون شاهدتها فعلاً ما دامت هي ليست نتاجاً لذلك الخيال الجمعي الذي خلق شخصية حاملة للموت المنتظر لكل فعل مشين. والشيء الأهم إننا من الضروري أن نؤكد أن رواية علي أبو الريش تندرج تحت وصف جديد إلى حد بعيد، وهو الرواية المفاهيمية/ الجدلية، أي أن الرواية تعتمد على الحكاية الموروثية أولاً ولا تخلق حكايتها الخاصة، أي لا تخلق صراعاً، إلا صراع المفاهيم التي يضطلع بها السارد ليحاور البنية الاجتماعية التي افترضها بالقاسية والقامعة للرغبات الشخصية عند الطفل تهيئه للانضمام للبنية الاجتماعية بأخلاقية الخوف والرعب من الفعل المشين، ومثال على ذلك شخصية السارد فيروز التي جعلته تلك الحكاية غير قادر للتواصل مع النساء اللواتي التقى بهن. تبتدئ الرواية بحلم مغتال/ موت الحلم، حيث يقدم أبو الريش شخصية بطله فيروز المستباح، وهو في عمر الـ14 عاماً، وهو سارد النص الممسرح، أي الفاعل في الرواية، كونه صاحب الضمير السردي الذي يعلن عن نفسه، والعليم بكل ما يحدث، غير أنه الجاهل بمصادر حكاية “أم الدويس”، إذ هو العليم/ الجاهل. إنه العليم بالشخوص الداخلين معه في بنية الرواية، الجاهل بالحكاية التي يحاول البحث عن حقيقتها، أي أن أبو الريش يفترض جهلاً في حكاية الماضي، ومعرفة في رواية الحاضر. في السطور الأولى للرواية، يقول السارد فيروز: “في تلك اللحظة المباغتة ولحظة اغتيال الحلم، كنت واعياً جداً لما يجري في جسدي، كما كانت الأرض التي استبيحت، والنخلة التي فاجأها العدوان.. كنت في الرابعة عشرة من عمري، عندما اقشعر بدني” (ص5). ومن الضروري أن نؤشر أن فيروز السارد، أولاً قد فَقَدَ والديه وبقي وحيداً، مرعوباً من مجتمع تهيمن عليه الحكاية، وثانياً أنه حين شب وتعلّم تخصص في علم النفس وهذا كان سبباً مبرراً لكي يقوده للبحث عن أصل وحقيقة الحكاية التي أقصت فعله الغريزي بالتواصل الإنساني مع المرأة، وهنا يقول ضمن نص طويل ملخصاً حياته: “في رحلة الشتات توارت أحلام ونشأت أحلام... ذهب (ويقصد أبوه) وحيداً، ذهب بعيداً.. وبقيت وحدي، فكان الفراق الأليم الثاني بعد فراق أمي التي وافاها الأجل، وهي لم تزل على الأرض المقدسة”. (ص9). الرواية المفاهيمية قلت إن الرواية مفاهيمية ولم أرد بمصطلح مفاهيمية إلا لأنني أقاربها بالفن المفاهيمي الذي يحاول تركيب عالم متخيل من أشياء ليس لها دلالات مشتركة لخلق دلالة شاملة تجمعها ببعضها، وهذا المصطلح “المفاهيمي” يعني الأعمال غير المرئية، الوهمية، التي تعتمد الإيهام المؤثر، أي الاشتغال على حرية التعبير الأدائي والسردي، إذ الفكرة هي فن المفهوم وهي الأداة التي تصنع الفن، حيث تعلو الفكرة على العمل الفني ذاته فتصبح العملية الإبداعية مثل الفلسفة يحددها الجدل ووضع التساؤلات، وتطرد قضية وظيفة الفن وعلاقته بالمتلقي ليتحول الفن من: المضمون Content إلى المفهوم Concept. أو “التحرر من القيود الاجتماعية والأشكال الفنية التقليدية والخاصة بالعمل الفني إلى آفاق غير متصورة يقودها الجدل الدائر داخل هذا الفن نفسه”، أي أن الفكرة هي الهدف الفعلي بدلاً من العمل الفني نفسه. يرتحل فيروز بعد اغتيال حلمه خارج أرضه، باحثاً عن المرأة التي يحلم بها، والتي لم يجدها، طوال بحثه، ما دامت “أم الدويس” هي الحكاية الصادمة التي تشكل عائقاً لتساؤل فلسفي مهم يطرحه السارد على نفسه ويتلخص بـ”لماذا ألصقت حكاية الخوف بالمرأة ولم تلصق بالرجل؟ وهل المرأة عنصر مخيف يتبطنه الموت والغدر والخيانة فعلاً؟ وهل الحكاية لها جذور واقعية؟ وما أصلها؟ ومن يمتلك حقيقتها فعلاً؟”. يقول فيروز السارد: “أمضيت هذا العمر من دون امرأة، وكيف سأقضي السنوات وما تبقى من العمر من دون أنثى، تؤثث المشاعر، بسجادة أنثوية، تنعم على القلب بالسعادة والاطمئنان” (ص21). ومن الغرابة أن ثنائية الرجولة/ الأنوثة هنا تتحول بشكل غير واعٍ إلى المشابهة، حيث يفقد “فيروز” رجولته عبر عذريته التي افتضحت بما يعني أن شخصيته الذكورية قد تهشمت، وتحولت إلى المشابهة مع الأنثى، حيث لم يستطع أن يمنح المرأة رجولة كاملة، بدليل أنه لم يستطع أن يقيم تواصلاً مع النساء الثلاث اللائي مررن به في حياته التي خرج من تجاربه معهن بالفشل، كما يشير النص السابق الذي اقتبسناه من الرواية. الذات المنشطرة ولكن من هو فيروز؟ فيروز سارد عليم ـ بنائياً داخل الرواية ـ وهو عارف بالشخوص من الخارج والداخل وعارف بنفسه أيضاً حيث يصل في نهاية الرواية إلى أن كل الشخوص الذين أقام معهم حواراً وعايشهم هم ذاته المنشطرة إلى ذوات أخرى في داخله وهم كثر في الرواية، وأهمهم “أبوسيف” صديقه ونبهان، حيث تختم الرواية بهذه الحقيقة: «تقول بصراحة هكذا أنا.. انتكست، وأزحت، وبدلت، وغيرت صرت أشخاصاً عدة، صرت أبا سيف الماجن، صرت فيروز المقصر، صرت نبهان المتحرر، وصرت أشياء أخرى، مختلطة من شخصيات مرت في حياتي، صرت أمي المسحوقة، صرت أبي المتجهم، صرت بعض أصدقائي اللامبالين، صرت بعضهم المنزوين العابسين، وصرت وصرت..» (ص348). وهذه خلاصة حركة السارد منذ بدء الرواية حتى خاتمتها. البديل السردي من الطبيعي أن يعتمد علي أبو الريش ـ كونه يبني نصاً روائياً مفاهيمياً ـ مبدأ التأجيل، إذ لا يصل في كل حكاية يسردها إلى خواتيمها بل يؤجلها باستمرار، وذلك كي يخلق نسقاً مفتوحاً، من أجل أن ينشئ نصاً مشوقاً ـ وهذا جزء مهم في الرواية ـ ولهذا يعتمد التضمين بشكل مطرد بوصفه نسقاً مجاوراً لنسق التوظيف الدلالي للحكاية الذي تحدثنا عنه في بداية المقالة، ومن تضميناته: أولاً: حكاية السارد فيروز مع المرأة المتزوجة التي غادرها زوجها التي تستعين به لكتابة الرسائل إلى زوجها المسافر والتي تقرب أنفاسها منه حال روايتها له وصاياها لزوجها البعيد، التي لم يقم حتى نهاية القصة المضمنة أي تواصل معها، مما تكرس هذه الحكاية المضمنة إخفاقات السارد “فيروز” في التواصل مع الأنثى التي تعتبر بذلك حكاية كاشفة عن بنية شخصية فيروز نفسه وتشكلها. ثانياً: حكاية الشجرة المخيفة والرجل الذي كان يقطع أغصانها بسكينه الحادة وتحول السكين إلى عنقه ونزيفه حتى الموت، والتي تتشابه فيها الشجرة مع المرأة “ام الدويس”، حيث يقول السارد: “ومنذ تلك الحادثة والناس يخشون هذه الشجرة، وإذا أراد الصغار أن يطاردوا العصافير أو يقتربوا من أعشاشها فإنهم يداهمونها نهاراً وقبل حلول الظلام يعودون إلى مأواهم فرحين بالظفر”. أي أن الشجرة هي البديل السردي الحكائي عن “أم الدويس” في القصة المضمنة الثانية، بدلالة عنصرين في القصة وهما “الصغار والليل”، إذ إن “أم الدويس” بوصفها حكاية شعبية تروى للصغار في الليل تحديداً لكي تضفي الحكاية الشعبية على نسقها المخيف صفة أعلى للرعب والقسوة التي ولدتها البنى الاجتماعية المغلقة. ثالثاً: قصة عذاب المرأة الأذرية ومأساة أسرتها في أذربيجان وزوجة الأب القاسية التي سلطت عليها أخاها لاغتصابها، وتكاد زوجة الأب هذه أن تكون أقرب إلى “أم الدويس”، حيث تصبح منبع الخوف الأبدي الذي تولد لدى عذاب منذ طفولتها حين تم اغتصابها، وهذه القصة تصب كعنصر فاعل في بنية الدلالة داخل القصة الكبرى “أم الدويس”. كل هذه القصص المضمنة نرى فيها أن الفاعل هو الأنثى “الشجرة، زوجة الأب، المرأة المتزوجة زوجة المسافر” وغيرها الكثير في نص رواية أبو الريش ليحاول السارد فيروز أن يبرر أسباب اختيار الأنثى بطلة في حكاية “أم الدويس” الشعبية بدلاً من الرجل (ص199)، أي أن تخلي الأنثى عن أنوثتها سوف يحيلها إلى كائن خرافي/ قاتل، أكثر شراسة من الرجل القاتل بطبعه عبر تاريخ الموت البشري الذي ارتبط به، بينما ارتبط بالأنثى مفهوم الدسيسة والمكر، ولهذا فان صفة أو فعل القتل لا يغير ولا يدهش المتلقي عندما تسبغ به شخصية الرجل، أما مع المرأة فهو صفة تثير الدهشة والصدمة كونها ليست كذلك وهذا ما تريده الحكاية الشعبية. لا يخفي السارد فيروز تحليلاته لكل هذه القصص المضمنة ودلالاتها لأنه خريج علم النفس، حيث يقول: “نسيت كل ما قرأته في علم النفس، ونسيت تعليمات الأب سيجموند فرويد” (ص25). ولم يستطع فيروز أن يتواصل مع نسائه في الرواية “نيران” الصحراوية التي قال لها، إن اسمك نار، وهنا يتلاعب أبو الريش بالمعنى الآخر للاسم ويوظفه في الرواية لزيادة الرؤية المفاهيمية حيث يقول السارد: “لو حدثت أحد أصدقائك القدماء عن المرأة التي رأيتها واختفت فجأة سيقول لك، هذه القديسة أم داس، أو كما يحكى عنها “أم الدويس”، وسوف يحذرك من التعاطي معها لأنها جنية خطيرة تستدرج الرجال إلى مخادعها ثم بعد أن تمضي أرواحهم تقطعهم أشلاء وترميهم في الصحراء لتنهش جثثهم الكلاب” (ص40 ـ 41) وهذا الاقتباس يشير إلى تصورات فيروز نفسه حيث أعتقد أن “نيران” الصحراوية هي ذاتها “أم الدويس”، إذ إن أبو الريش هنا يأخذ بجغرافية المكان من خلال: 1 - نيران/ عالم الصحراء 2 - عذاب/ ماسة/ العالم البعيد ـ أذربيجان 3 - الشجرة/ العالم المحاذي للماء 4 - المرأة المتزوجة زوجة الرجل المسافر/ عالم المدينة وكأنه بذلك يحاول أن يقدم قراءة متعددة الجوانب تشير إلى أن حكاية “أم الدويس” موزعة في جغرافيات متعددة، وليست محصورة في بنية منفصلة، أي أنها حكاية يمكن وصفها بالشيوع. وعي الناس نتعرف في الرواية إلى صديق السارد، وهو “أبوسيف” الذي لم يتزوج أيضاً ولم ينجب “وهو الذي أطلق على نفسه هذه الكنية رغم أنه لم يتزوج ولم ينجب” (ص49). يبدو أبو سيف شخصية واقعية في الرواية، حيث يغذي أبو الريش واقعيتها إلى حد يشعرنا بوجودها كلحم ودم، غير أنه في خاتمة الرواية يتضح لنا أنها الشخصية المنشطرة عن فيروز السارد نفسه (الذي لم يتزوج ولم ينجب أيضاً)، بالرغم من أن أبو سيف شخصية عربيدة وجريئة، بينما شخصية فيروز أكثر هدوءاً وخوفاً ولهذا فهي الشخصية النقيض: “وحشدت الفكرة تلو الفكرة مقتنعاً أن أبا سيف، رفيق العمر القديم” (ص53). يشغل ذهن فيروز مكونات وعي الناس، ومن خلال حكاية “أم الدويس” يحاول قراءة هذا الوعي مفاهيمياً: “أريد أن أعمل دراسة عن القديسة أم داس.. أو أم الدويس” (ص57). كونه متخصصاً - كما قلنا - بعلم النفس، هنا تشتغل عند شخصية “فيروز” عقدتا “الكترا” و”أوديب” الفرويديتان، “الكترا” التي هي (عقدة الأم) التي ترى أن البنت تقترب اكثر من أبيها والولد من أمه، وهي تتلخص بشخصية الفتاة الطروادية “الكترا” التي أحبت في اللاوعي أباها “آجاممنون”، وكانت تغار من والدتها فقتلتها بالاتفاق مع أخيها. وما يقابلها من “عقدة أوديب” التي تتعلق بعلاقة الولد بأمه وانتقامه من الأب، وهي تتلخص بحكاية “اوديب” الذي قتل أباه الملك وتزوج من امه، أي أن فيروز يحمل العقدتين معاً ولكن بشكل أكبر نجد عقدة “أوديب” مهيمنة في جميع الأحوال: “كنت لصيق الصلة بأمي، كنت لا أكاد أفارقها أبداً، إلا في حالات قصوى، وأتصور أن عادة التبول الليلي كانت على علاقة بالخوف من الفراق” (ص61). وتبدو شخصية ماسة الأذرية أيضاً ذات نسق مشابه لشخصية عذاب وكلتاهما مسلمة وتنتمي إلى عالم شرقي يحفل بالخرافة. يلجأ فيروز حين البحث عن حقيقة حكاية “أم الدويس” إلى الشيخ ضاوي، وهو الشخصية الوهم، ويروي الأخير قصة “أم الدويس” التي هي ليست حكاية مجتمع بعينه، وإنما هي موروث إنساني تعاقبت عليه شعوب وحضارات، وهي قصة لا تخلو من الغرابة العجائبية، ويروي ضاوي قصة مضمنة رابعة، حيث يصبح سارداً ممسرحاً أيضاً يأخذ بزمام السرد من فيروز، وهي قصة “كورونوس” الاسم القديم في الحضارات القديمة ابن ملك الجن أورانوس، فيستدل ضاوي على أن أم الدوس هي الموت. الفضيلة في رواية “أم الدويس” نسبية، حيث يتعلمها أبو سيف الشخصية المنشطرة عن فيروز، كما يتضح فيما بعد، من عذاب الأذرية، وهي المرأة المغروسة في الرذيلة. هيمنة المكان يشتغل أبو الريش على عنصر المكان في الرواية: “عين خت”، و”معيريض”، و”مقهى السيد كندر”، و”دكان أسد”، و”دكان حسن الشامسي”، و”المرسى القريب من البنك البريطاني”، و”سدرة قرواش” ليقرب عوالمه لبنى اجتماعية بعينها. كما يولد أبو الريش من شخصياته ثنائياتو حيث تقابل شخصية فيروز شخصية نيران البداوة، وتقابل شخصية أبو سيف شخصية عذاب الحضارة، وبذلك تتحول الرواية إلى رؤية في الحياة والوجود والفلسفة والجنس، أي باختصار كل المفاهيم اللامرثية التي تشكل الفن المفاهيمي. يقيم علي أبو الريش حوارات متعددة بين فيروز ورجل المقبرة، وفيروز وأبو سيف، وفيروز ونبهان، وفيروز وضاوي حول مفهوم الخرافة، ويظل يحافظ على نسق مهم وهو “الشاي” بوصفه عنصر “روندو” يدور في فلك الرواية، يولد تحفيزاً ذهنياً لما يريد أن يشتغل عليه الراوي، إذ مثلما يشتغل إبراهيم الكوني على “الشاي الأخضر” الذي يتناوله أبناء الصحراء في المغرب العربي، يتناول علي أبو الريش الشاي الساخن الذي يملح الرأي (ص167 وص195). ويقدم أبو الريش حوارات أخرى رؤيوية ليست لها علاقة بالشخوص وهي: 1 - حوار الخوف بوصفه تشابهاً دلالياً مع الموت. 2 - حوار الشياطين بوصفه تشابهاً دلالياً مع شخصية الغولة. 3 - حوار الجبل بوصفه تشابهاً دلالياً مع الغموض. 4 - حوار السواد بوصفه تشابهاً دلالياً مع الخوف. ويستعين أبو الريش بحكايات من زمن ماضٍ، مثل حكاية زمن الجدري والحرب العالمية الأولى والنفي إلى الشريشة (القرية التي تبعد 20 كيلومتراً عن معيريض). ونتساءل هنا: هل تحولت هذه الرواية إلى رواية سيرية للرؤية الذاتية لبطلها فيروز الذي ظهر؟: 1 - في بداية الرواية وعمره 14 عاماً (ص5). 2 - في منتصف الرواية وعمره 40 عاماً (ص251). 3 - في نهاية الرواية وعمره 50 عاماً (ص269). ويظل علي أبو الريش يغذي عمله بالحكايات التي تتجاور مع حكاية “أم الدويس” من مثل حكاية سالم الإنجليزي “مايكل” بوصفها قصة مضمنة خامسة استفاد منها أبو الريش كي يكشف ملامح البنية الاجتماعية التي تؤمن بالخرافة. ومثلما بدأت الرواية تنتهي بذات النسق، حيث خرج فيروز من جزيرته مسحوقاً (ص5)، ليعود في نهاية الرواية إلى الجزيرة ثانية (ص301)، ليؤكد دورة الحياة التي عاشها هذا الشخص السارد الذي لم يخرج من الحياة بما ينعش ذاته حيث عاش انشطارات متعددة: “يا فيروز هذا ليس أنت وأنت الحقيقي هو الشخص الخائف المرتجف اللاهث خلف مشاهد وهمية تضعها لتهرب من عذاباتك (ص305). حاول فيروز أن يهزم خوفه فتقمص شخصيات عدة غير أنه لم ينجح في التخلص من خوفه الذي غرسته الحكاية الشعبية، وبهذا تحولت الرواية إلى رحلة في المفاهيم والأسطورة والمكان والشخوص المنشطرين عن الذات في اللاوعي.