الاتحاد

عربي ودولي

انقلاب موريتانيا ··وتزايد الرهان الأميركي على النفـط الأفريـقي


محمـد أبـو الفضـل :
أصبحت المصالح الاقتصادية تتحكم فى كثير من مفاتيح وتصرفات القوى الكبرى ، وأضحى خلق نزاعات ونشوب حروب أو إطفاء حرائق وإخماد بؤر توتر يخضع الى حد بعيد لحسابات النفط والغاز واليورانيوم وغيرها من الموارد الطبيعية المهمة ، التى تلعب دورا رئيسيا فى الصناعة الحديثة وتوازنات واستقطابات القوى على المسرح الدولى ، وجاء تصاعد الاهتمام بافريقيا فى السنوات الأخيرة فى إطار رغبة جامحة وطامحة للاستحواذ على ثرواتها الواعدة ، وترافق هذا الاهتمام - بالتحول مع تحولات كبيرة فى خريطة الولاءات وشكل الانتماءات الافريقية ، وبات الدور الأمريكى حاكما لكثير من منظومة التفاعلات الاقليمية ، وفاصلا فى معظم التطورات السياسية ، واستطاعت واشنطن ، بمساعدة قيادات محلية ، خلط أوراق كثيرة وإعادة توزيعها بصورة تخدم مصالحها ، سواء بجنى المكاسب مباشرة او بتقليل الخسائر ،عبر استبعاد قوى تقليدية من حلبة المنافسة السياسية والاقتصادية ، وهو ما انعكست آثاره تحديدا على دولة مثل فرنسا ، وبدأت الولايات المتحدة تلتفت الى قوة صاعدة مثل الصين انتبهت مبكرا لأهمية الثروات الافريقية ،واستثمرت الغياب أو قلة الاهتمام الامريكى ، ونسجت شبكة جيدة من العلاقات مع عدد من دول القارة ، تكاد تمثل تهديدا على مصالح الشركات الأمريكية ·
وبعد مرور عدة سنوات تيقظت الولايات المتحدة لمخاطر النفوذ الصينى فى القارة وتأثيراته على مصالحها النفطية ، فقد نجحت مجموعة من الشركات الصينية العاملة فى مجال النفط فى توطيد حضورها الاقتصادى بمعاونة شركات آسيوية أخرى ، لذلك أعدت واشنطن جملة تصورات لزحزحتهم ،من خلال تقديم حوافز استثمارية أكبر ، أو الضغط على بعض الحكومات للتنصل من التزاماتها مع بكين وشركاتها ، أوبتغذية عوامل التوتر أملا فى إشاعة الفوضى التى يمكن أن تحقق أهداف واشنطن ، بغرض إزاحة قوى وإحلال أخرى موالية ، وعلى هذا الأساس بدأت سلسلة من الحروب والتجاذبات الخفية تظهر معالمها ،عنوانها المركزى البحث عن النفط والسيطرة على منابعه بأى وسيلة ، ليس باعتباره عصب الصناعة فقط ،بل للهيمنة وفرض النفوذ على القوى المناهضة ·
سياسات ··وتحركات
فى هذا الخضم تكشفت أبعاد وجوانب عميقة من تجليات التحركات الأمريكية فى عدة مناطق بافريقيا ، أكثرها وضوحا فى شرق أفريقا وفى البحيرات العظمى تحديدا ، التى أسفرت حربها عن توترات وخلافات دقيقة ، ومكنت الولايات المتحدة من وضع أقدامها على كثير من الثروات، وجاء الاهتمام بمشكلة دارفور ، تحت ستار الدوافع الإنسانية ليقدم دليلا جديدا على تحكم النفط فى معظم التدخلات الخارجية فى الصراعات الإقليمية ، فقد أكدت مصادر أفريقية متعددة وجود إحتياطيات كبيرة من النفط
( واليورانيوم أيضا) فى غرب السودان ،الأمر الذى يقدم تفسيرا مقنعا لأسباب الاهتمام المفاجئ بدارفور وزيادة الضغوط على الخرطوم للقبول بأشكال مختلفة من التدخل الدولى ، ونوهت هذه المشكلة الى تفاهمات تحتية كبيرة بين بعض القوى الكبرى للحفاظ على مصالح كل منها ، وأثبتت دراسات علمية متباينة أن هناك حزاما نفطيا طويلا يقسم القارة ، يبدأ من دارفور ويمتد حتى الساحل الغربى لافريقيا ، وأبرز دوله تشاد والنيجر ومالى ونيجيريا والكاميرون وموريتانيا وغينيا ·
وتتوافق مع هذه التقديرات إشارات أمريكية من مصادر شتى تحذر من مخاطر التهاون بمستقبل النفط الافريقى وتنبه الى ضرورة تأمين مصادر الطاقة من خارج الشرق الأوسط ، لذلك حظى هذا النقط باهتمام خاص ، فالولايات المتحدة يمكن أن تحصل على حوالى 25% من وارداتها من القارة السمراء ، من هنا ذهبت بعض الكتابات الى حتمية التركيز عليها وأكدت أنها ستكون حتما هدفا أمريكيا محوريا ، واعترف ديك تشينى نائب الرئيس الأمريكى قبل سنوات قليلة أن افريقيا ' ستكون أحد المصادر المتزايدة من النفط والغاز وأشار والتر كانستينر مساعد وزير الخارجية الأمريكى السابق للشئون الافريقية الى أن نفط هذه القارة ' مصلحة استراتيجية قومية للولايات المتحدة ' ، وبالتالى تستوجب هذه المصلحة استخدام أي أساليب للحفاظ عليها وتعظيم مكاسبها ·
ولم تأل واشنطن جهدا فى تدشين سلسلة من الترتيبات للدفاع عن مصالحها ، ولجأت الى سياسات وقامت بتحركات عمادها الابتعاد عن إثارة المزيد من هواجس القوى المناهضة لتوجهاتها والعمل على مشاركتها فى مشروعات تعاونية عالمية ، مثل تطويق التنظيمات الاسلامية المتشددة فى افريقيا والتى تعانى من ممارساتها عدة دول فى القارة الى جانب دول غربية مختلفة ، وأخذت معالم الربط تتضح بين النفط والارهاب ، وهو ماعبرت عنه الواشنطن تايمز فى 26 فبراير 2004 بقولها ' عيون أمريكا على شبكات الارهاب والنفط فى افريقيا ' من هنا يمكن فهم دوافع ومضامين قيام الولايات المتحدة بارسال قوات خاصة من سلاح الجو الى موريتانيا والنيجر وتشاد ومالى ، فى إطار ما يوصف بمبادرة الساحل الافريقى لتدريب قوات دوله لمواجهة تحديات الارهاب ، وساعد اكتشاف النفط والغاز بكميات كبيرة على تطوير التعاون بين الولايات المتحدة وعدد من دول وسط وغرب افريقيا ·
مقدمات ونتائج
ولعل المعطيات السابقة تصلح لتكون مقدمة للقول بعدم استبعاد وجود دور أو اصابع أمريكية فى انقلاب موريتانيا ،ويتأسس هذا التقدير على اربعة محددات رئيسية ، أولها اكتشاف كميات كبيرة من النفط والغاز فى سواحل موريتانيا ، بمعرفة شركات من استراليا واسبانيا وفرنسا ، أى عدم المشاركة الواضحة لمؤسسات وشركات أمريكية ، فى وقت أصبحت تسيطر على كثير من مصادره فى دول مجاورة ، وثانيها إرتفاع مؤشرات انهيار نظام معاوية ولد الطايع ،بسبب التدهور الاقتصادى والانسداد السياسى والاعتقالات العشوائية وعقم الأمل فى الاصلاح ،أى أن محاولات الدفاع عنه أمريكيا أو تحصينه سياسيا غير مجدية ، خاصة أن واشنطن يهمها وجود أنظمة قوية تتمكن من الحفاظ على مصالحها وتتبنى نفس شعاراتها ، وثالثها تأثر صناعة النفط الواعدة بأى هزات سياسية فى البلاد ، وقد تبعدها عن الانتاج سنوات طويلة ، ومن ثم تتراجع طموحات المشروعات الأمريكية على طول الساحل الافريقى ، ورابعها خروج غالبية قادة الانقلاب من عباءة ولد الطايع ، بمعنى استمرار كثير من الملامح السياسية للنظام السابق على حالها ، بواجهات جديدة ومع ادخال بعض التحسينات والتغييرات ،لاسيما أن الانقلاب قطع الطريق على محاولات أخرى وهدأ من روعة المعارضة الناصرية والإسلامية التى تحفظت على معظم إجراءات نظام ولد الطايع تجاه الولايات المتحدة واسرائيل، لكن أوحى لقاء قائد الانقلاب أعلى ولد محمد فال بسفيرى أمريكا وأسرائيل فى نواكشوط بالتفاؤل نحو مستقبل الشراكة بينهما وموريتانيا ·
لذلك فالأيام المقبلة ستثبت إلى أى درجة هناك علاقة بين قادة الانقلاب والمصالح النفطية للولايات المتحدة فى موريتانيا وافريقيا بشكل عام ، سواء بالتشجيع على خطواتهم المفاجئة أو بغض الطرف عن محاولات تفشيلها ، فالانقلاب تم بسهولة يصعب تصورها ، والمقدمات الحالية يمكن أن تفضى الى نتائج ايجابية للطرفين ، من زاوية حاجة القادة الجدد فى موريتانيا الى دعم دولة كبرى فى حجم الولايات المتحدة لترسيخ أركان الحكم بوسائل أكثر عصرية ، وتناسى دور معظمهم كمرتكزات أساسية فى حكم ولد الطايع ، وحاجة الثانية لاعادة الاعتبار والاعتراف بمصالحها النفطية فى موريتانيا ، التى تمثل امتدادا لمصالح أكبر فى الدول المجاورة ، ما يؤكد أن واشنطن على استعداد للقبول بأى إجراءات فى سبيل الحفاظ على مصالحها ،والتغاضى عن الازدواجية فى تصوراتها ومخططاتها ، فهى تتبنى مشروعا طموحا للاصلاح الشامل فى المنطقة ولا تتورع عن تأييد انقلاب عسكرى ، فى زمن ولت فيه هذه الأعمال ، طالما أنه يحقق أهدافها الاستراتيجية ·وبتمكن الولايات المتحدة من وضع يدها تماما على النفط الموريتانى ، يسهل الطريق أمامها للاقتراب من الصحراء الغربية ووضع سيناريو محكما للحل يقود الى سيطرتها على مصادر ثرواتها المعدنية المختلفة ، وتتأكد الاجتهادات التى ذهبت الى أهمية الموارد الطبيعية الافريقية لواشنطن ، وأن الإشارات التى عبرت عنها الحسابات وظهرت فى التحركات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة دخلت فعليا حيز التنفيذ على نطاق واسع ، وبالتالى تتزايد صدقية الرهانات الامريكية على النفط الافريقى·

اقرأ أيضا

المكسيك تنشر عشرات آلاف الجنود على الحدود مع أميركا