الأحد 29 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
عربي ودولي
فريق الرئيس الروسي يبدأ حملة منظمة لولاية ثالثة
16 أغسطس 2005

موسكو-رستم احمد :
يستبق انصار فلاديمير بوتين موعد الانتخابات الرئاسية المزمعة في خريف عام ،2008 بطرح مبادرات واقتراحات تدعو الى اعادة انتخاب بوتين لولاية ثالثة، خلافا للدستور الروسي الذي لا يجيز للشخص نفسه ان يشغل المنصب اكثر من فترتين · ويبدو بافل بوردين امين سر دولة الوحدة بين روسيا وبيلاروسيا ، من اكثر المتحمسين لبقاء بوتين فترة رئاسية ثالثة ، ووجد حلا لمشكلة (بوتين 2008) بالتحايل على الدستور الروسي وذلك بان يصبح بوتين رئيسا لدولة الوحدة التي يجب ان تقام وفق سيناريو بوردين ، قبل نهاية العام القادم ، وبذلك فان الرئيس الروسي الذي تحرص بعض النخب السياسية على بقائه في سدة الحكم ، سيكون رئيسا لدولة اتحادية جديدة وليس على روسيا التي تستعد المعارضة اليسارية واليمينية فيها مع قدوم الخريف لتظاهرات واعتصامات ضد اعادة ترشيح بوتين على الرغم من ان الرئيس الروسي لم يفصح عن نواياه بشأن مستقبله السياسي بعد عام ·2008 بيد ان التصريحات التي اطلقها في العاصمة الفنلندية مؤخرا توحي للمراقبين بأن بوتين ربما يريد البقاء في الحكم فترة ثالثة·
إشارات ملفتة
فقد ابلغ الرئيس الروسي مؤتمرا صحافيا عقده في هلسنكي مع نظيرته الفنلندية ردا على السؤال فيما اذا كان يرغب البقاء لولاية ثالثة بان الدستور الروسي لا يسمح بذلك ، واضاف (حتى لو اردت ذلك شخصيا) · وما كان لهذه الجملة العابرة ان تثير التكهنات ، لو لم تتزامن مع مبادرات وزير الوحدة بلا حقيبة النعت الذي يطلقه المعلقون على بافل بوردين ، امين سر دولة الوحدة المنشودة بين روسيا وشقيقتها السوفياتية السابقة، بيلاروسيا· فمدير ديوان رئاسة الجمهورية حقبة يلتسين ، والمعروف بقوة نفوذه في الكرملين ، لا ينطق عن الهوى وبالتالي فان مبادرات بوردين تفسر على انها تعبير عن رغبة بوتين نفسه في البحث عن حل دستوري لترشحه مرة ثالثة ، وسط انطباع سائد بان الرئيس الروسي الذي حقق قدرا من الاستقرار السياسي والاقتصادي في بلاده على مدى سنوات حكمه ، يظل الاوفر حظا في كسب غالبية الاصوات بغياب مرشحين يتمتعون بالسمعة والجاذبية · وكان الرئيس الروسي وفريقه افلح في تسخير وسائل الاعلام لصالحه ، واضعف الى حد معين مراكز النفوذ المالية في المؤسسة الروسية بملاحقة رجال الاعمال الذين يطمعون في رئاسة روسيا امثال المليارديرين اليهوديين ، بوريس بيريزوفسكي ، وميخائيل خودوركوفسكي ، فالاول تلاحقه النيابة العامة بتهم الفساد في لندن باسم مستعار (بلاتون ليبد) ، والثاني يمضى حكما بالسجن تسع سنوات بتهم التهرب من دفع الضرائب والتحايل والاستيلاء غير المشروع على اموال الدولة · ومع ان بيريزوفسكي لم يعلن جهارا رغبته في رئاسة روسيا ، الا انه لا يتوقف عن تمويل الحركات والشخصيات المناوئة لبوتين ، فيما اظهر خودوركوفسكي نشاطا اوحى للكرملين بانه يصب في هدف الاستيلاء على كرسي الرئاسة عام 2008 ·
وفي سياق الحملة المنظمة لاعادة انتخاب بوتين لولاية ثالثة ، يقترح بوردين تنظيم الانتخابات لرئاسة دولة الوحدة الروسية - البيلاروسية ، ولان مسودة دولة الوحدة تحدد فترة الرئاسة بسبع سنوات فان فلاديمير بوتين سيظل في موقع رئيس هذه الدولة حتى العام ·2013 وتجدر الاشارة الى ان اقتراح بوردين هو الثالث من نوعه خلال الاسابيع الاخيرة بشأن تذليل الطريق امام بقاء بوتين في الحكم · وتزامن الاقتراح مع حملة انطلقت من الشرق الاقصي الروسي ، اطلقها نائب في المجلس التشريعي لاقليم بريموريه ، مركز مدينة فلاديفوستوك ، عاصمة الشرق الاقصى ، تقضي بتعديل الدستور الروسي ، وازالة العائق امام الترشح لاكثر من ولايتين · وحسب النائب ادام ايمادايف ، فان اعضاء في المجالس التشريعية المحلية في 12 منطقة اخرى يؤيدون مبادرته ، وان مجلس بريموريه سيصادق على الاقتراح ويرفعه الى مجلس النواب الاتحادي ·
وبات اسم النائب ايمادايف معروفا في اقليم بريموريه عام ،1997 عندما عين مستشارا للحاكم الاقليمي للشؤون الشيشانية ، ونجح في اطلاق سراح الجنود من ابناء الاقليم الذين وقعوا في اسر الانفصاليين الشيشان · وحين زار بوتين مدينة فلاديفوستوك العام 2002 ، جمع ايمادايف نحو مائة شخص من الصيادين العاطلين عن العمل في مخيم اقامه على قارعة الطريق الذي سار عليه موكب بوتين ؛ وطلب المعتصمون لقاء الرئيس الذي تعهد باعادتهم الى العمل · واوفى بوعده · وبرز اسم النائب على انه من المدافعين عن مصالح اهالي المنطقة · ووجد فيه الكرملين نصيرا قويا للرئيس بوتين الامر الذي يدفع بالمراقبين الى الاعتقاد بان مقترحه بتعديل الدستور لصالح ولاية ثالثة لبوتين ، جاء بالتسيق مع الادارة الروسية في موسكو · وترافق ذلك مع دعوة امين سر الوحدة بين روسيا وبيلاروسيا الاسبوع الماضي ، بتظيم استفتاء عام على دستور دولة الوحدة وتوحيد العملة بدءا من مطلع يناير 2006 · واعلن بورودين بان اللقاء الاخير بين رئيس روسيا بوتين ورئيس بيلاروسيا الكسندر لوكاشينكو ، اعطى مزيدا من الدفع لانجاز الاتحاد الروسي البيلاروسي وانه سيتم توحيد العملة مطلع العام القادم · وشدد على ان حجم التبادل بين بيلاروسيا بملايينها العشرة وروسيا يبلغ 19 مليار دولار ، مقابل 9 مليارات دولار فقط حجم التبادل التجاري بين الصين التي يبلغ مجموع سكانها مليارا ونصف المليار نسمة ، وروسيا · وكان بذلك يريد التدليل على الحتمية التاريخية والاقتصادية للوحدة بين مينسك وموسكو ·
ويتوقع احد مستشاري الرئيس الروسي ، ان يوافق بوتين على ان يصبح رئيسا لدولة الوحدة ، وقال غليب بافلوفسكي ، المعروف بانه مهندس خطط الكرملين الاعلامية (ان بوتين رجل واقعي ويعرف جيدا انه ينبغي ان يعرض على الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو شيئا ما ليرضى بان يكون رئيس رئيسا لدولة الوحدة) · ويبدو ان صفقة عقدت اثناء لقاء الرئيسين في موسكو مؤخرا ، حيث اسند منصب رئيس مجلس المجموعة الاوراسيوية الى لوكاشينكو بدلا من الرئيس بوتين ، وتضم المجموعة تسع دول اسيوية بينها الصين الى جانب روسيا وعدد من دول الاتحاد السوفياتي السابق· ويتوقع المراقبون ان يرضى لوكاشينكو الذي تصفه واشنطن وبعض العواصم الغربية بالدكتاتور على الرغم من شعبيته الكبيرة داخل بلاده ، بمنصب نائب رئيس دولة الوحدة ، ويبقى بذلك في الحكم فترة اطول مع الرئيس الروسي الذي يسعى مع فريقه الى ايجاد حل شرعي (لمشكلة عام 2008) بالترشح لولاية ثالثة ·
مصالح الحاشية
وبمسعى بوتين الى البقاء في سدة الحكم ، فانه يلبى طموحات ومصالح المحيطين به الذين من غير المستبعد ان يفقدوا مراكزهم ونفوذهم في حال اسدل الستار على رئاسة العقيد السابق في الاستخبارات السوفيتية الذي اختار فريقه من مسقط رأسه في بطرسبورج ومن الاجهزة الامنية ، لضمان الولاء · وهناك من يعتقد ان بعضا من حاشية بوتين متورطون في الفساد المالي ، مما يعني ان مصيرهم قد يكون في السجن بعد خروج الرئيس من سدة الحكم عام 2008 · ويعزو بعض المحللين حماس بوردوين وغيره لولاية ثالثة لبوتين ، بان المدير السابق لادارة الكرملين ، متورط في عمليات فساد خلال حقبة يلتسين ، وان بوتين ضمن سلامته في اطار صفقة مع بوريس يلتسين تشمل الحفاظ على مصالح الرئيس السابق الذي تنازل عن الحكم (طوعا) لبوتين قبل ساعات من نهاية العام 1999 ودون ان يكمل ما تبقى من فترة ولايته على ان يضمن الرئيس المعين بالوكالة ومن ثم المنتخب فلاديمير بوتين ، مصالح حاشية يلتسين وفي المقدمة بوردودين المعروف بانه تلقى رشاوى بملايين الدولارات من شركة سويسرية قامت بأعمال ترميم في قصر الكرملين ، كلفت ما يزيد على الملياري دولار وفي فترة كان فيها غالبية الشعب الروسي تعيش دون خط الفقر · لكن المفارقة ان بوردين المتحمس لتمديد فترة حكم بوتين ، سرعان ما طرح نفسه على انه مدافع لايلين عن المصالح القومية الروسية ، ونفخ في بوق العداء للولايات المتحدة ، طمعا في كسب تأييد الروس الذين يناصبون الغرب وواشنطن العداء بالفطرة ، وركب موجة القومييين المطالبين باستعادة هيبة الدولة العظمى · وترشح في الانتخابات لمحافظة موسكو ضد لوجكوف المعروف بصلاته القوية مع المراكز الغربية · وفتح ابواب منزله الكبير لليتامى وتبنى طفلين ، وظهر على انه فاعل خير · ولم ينسحب من الحياة السياسية كما توقع الكثيرون ، بل عينه بوتين امين سر دولة الوحدة المنشودة مع بيلاروسيا · وصار اسمه مقترنا بالمسعى الى تعزيز هيبة روسيا والاتحاد مع الشقيقة السوفيتية السابقة كنواة لبعث دولة يحلم القوميون الروس بانها ستصبح المعادل الموضوعي للهيمنة الاميركية · وحتى الشيوعيون الذين لم يتوقفوا عن الطعن بنزاهة بوردين حقبة يلتسين ، اغلقوا ملفات الفساد المحيطة برجل الكرملين القوي السابق وصاروا يشيدون بمواقفه الوطنية والقومية لانه عزف على مقولة العداء للولايات المتحدة ·
بيد ان مخاوف رجال بوتين من انتهاء ولايته ، تتطابق مع رغبة قطاعات واسعة من الشعب الروسي في بقائه رئيسا لفترة اطول ، ويعود ذلك الى ان الرئيس الروسي ، حقق بعد سنوات من الاضطرابات والعواصف السياسية التي عاشتها بلادهم اثر انفراط عقد الاتحاد السوفيتي ، قدرا من الاستقرار والنمو الاقتصادي ، يشعر الناس ان بوتين قادها بمهارة على الرغم من الضائقة المعاشية · ويطمع الروس في فترة استقرار اطول يدفعهم الى ذلك هاجس الخوف من احتمال زعزعة الاستقرار في حال انتهت ولاية بوتين · وليس مصادفة ان يجمع غالبية المحلليين المقربين من الكرملين على ان روسيا قد تواجه ازمة سياسية واقتصادية واجتماعية في حال وصل الى سدة الحكم عام 2008 شخص آخر غير بوتين ، وان رئيس الوزراء السابق ميخائيل كاسيانوف يعمل منذ الان على زعزعة الوضع بدعم من جهات خارجية للقفز الى رئاسة الدولة · ومما يعزز الاعتقاد بان الكرملين غير مرتاح من نشاط كاسيانوف الذي اقيل من منصبه بعد شهور قليلة من ولاية بوتين الثانية ، قيام النيابة العامة بالتحقيق في مخالفات مالية ارتكبها رئيس الوزراء السابق · وهناك من يتوقع ان يلقى كاسيانوف نفس مصير خودوركوفسكي وبيرزوفسكي وبقية الطغم المالية التي شن فريق بوتين عليها الحرب ولاحقها قضائيا حتى السجن او الابعاد ·
كفاية
ويمكن ادراج تصريحات دميتري ميدفيدوف ، مدير ديوان الرئيس الروسي من ان الانتخابات الرئاسية العامة يمكن ان تكون سببا في زعزعة الاستقرار بانها تأتي في سياق نفس الحملة لتمديد ولاية بوتين فترة ثالثة · فقد صرح ميدفيدوف امام لجنة الانتخابات المركزية قبل اسبوعين ، بانه يتعين على المجتمع الاستعداد لمرحلة (غاية في المسؤولية) عشية الانتخابات · ونوه من خطر تكرار تجربة (الثورات الملونة) التي عصفت بعدد من الجمهوريات السوفيتية السابقة على مدى العامين الاخيرين · وفي ذلك اشارة واضحة الى مخاوف الكرملين من تدخلات اميركية لدعم المرشح الذي ترى فيه حليفا مضمونا· وعلى الرغم من ان بوتين يتحاشى الدخول في مواجهة مع الغرب والولايات المتحدة ، ويحرص على التعاون الوثيق مع حلف شمال الاطلسي ، ولا يظهر معارضة واضحة لسياسات واشنطن الدولية والاقليمية ، فان الادارة الاميركية لا تثق تماما بنهجه الداخلي ، وتفضل ان يرأس روسيا شخص ليبرالي موال للتوجهات الاميركية تماما · وربما سيلتف حتى القوميون واليساريون الروس حول بوتين وحمله لولاية ثالثة عبر مختلف السيناريوهات في حال ابدت واشنطن دعما واضحا لمرشح لا يرضى عنه الكرملين ، مثل كاسيانوف او غيره من الليبراليين المتطرفين الذين يجاهرون بالعداء لبوتين · ومهما كانت الاشارات الصادرة عن الرئيس الروسي وحاشيته وانصاره بشأن انتخابه لولاية ثالثة بتعديل الدستور او باعلان الوحدة مع بيلاروسيا ، فان (مشكلة 2008) تفرض نفسها منذ الان على الحياة السياسية الروسية ·
ومن غير المحتمل ان تظهر حركة شعبية واسعة في روسيا تقول لبوتين (كفاية) على الطريقة المصرية · فقد شكل حزب يساري قومي متطرف حركة (روسيا بدون بوتين) · لكنها ظلت محدودة ولم تأخذ طابعا شعبيا على خلفية استطلاعات للرأي العام تؤكد احتفاظ بوتين بشعبيته مع فروقات لا تحسب في الشهور الاخيرة · وتعزز الاستطلاعات وجهة النظر بان بوتين قد يبقى في الكرملين فترة ثالثة بعد عام 2008 الذي يستبق انصار الرئيس الروسي قدومه بحملة منظمة تهدف الى ابقائه في سدة الحكم فترة اطول ·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©