الاتحاد

عربي ودولي

في بلاد عرب الشمس والسلطان (3- 10)

مسقط: خالد عمر بن ققه - سعيد سالم البادي
كل ما في البيئة العربية من خليجها إلى محيطها يؤكد على حقيقة كونية هي أنها 'أرض الشمس'، لكن حين تمتد بصيرة الإنسان ويداه إلى إحداث تغييرات في مجتمعات مختلفة فإن ذلك يعني أن العرب يوصلون الشمس إلى غيرهم بهدف الدفء والنور والبقاء·· وهكذا لا يرتد إليهم طرفهم إلا حين تشتد العواصف فيضطرون إلى التحايل، لكنهم لا ينتهون من فعلهم -كموناً- بعد مرحلة الظهور، فإذا ما أضيف إلى ذلك شروق الشمس وغروبها كل يوم من أرضهم فإنه يحق لهم عند ذلك أن يكونوا عرب الشمس ، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يمتد إلى سلطان العلم والمعرفة والملك، وهو ما سنتابعه في التجربة العمانية·
الشمس والسلطان طرفان إذن لامبراطورية تراجعت من ناحية الجغرافيا، وتلك دولة اليعاربة، لكنها ظلت ثابتة من ناحية القيم والتاريخ وذلك ميراثها، وأضيف إليها الفعل الحضاري البناء، وتلك هي الآن في مرحلة السلالة الخامسة·· ومنهما -الشمس والسلطان- اشتق عنوان هذا الملف الخاص بمشاهدة ومتابعة وتقييم التجربة السياسية العمانية الراهنة·
المدخل إليها هو التاريخ عبر موروث يستحضر الآن بهدف الاتجاه نحو المستقبل، لا تحدده طبيعة السلطة فقط، حيث أمر أهل عمان 'شورى' بينهم، ولكن يظهره التنوع الجغرافي والتضاريس وعلاقات البشر وحكمة أولي الأمر الذين يراكمون الفعل استجابة للسلطان ، تفاعلا معه أو تأييدا لما يذهب إليه·· هنا تقوم المؤسسات على أساس التمكين ورؤية راشدة اختار أهلها طريق الصمود في الماضي والتنمية في الحاضر والإنجاز في المستقبل ·· إنها جملة من القضايا سيتناولها الملف معتمدا التحليل السياسي بناء على وقائع عايشناها وحوارات حمل فيها أهلها همّ تساؤلاتنا ولم تكن بعض إجاباتهم مرضية لنا، وان كانت - على ما تبدو- مرضية لهم دائما، وجولات ميدانية في فضاء واسع تعذر علينا تغطيته بالكامل·
في هذا الملف - الذي ينشر على حلقات - سيكتشف القارئ معنا سيادة التعمير في الأرض وبياض المساكن والقلوب واخضرار الأرض مما أعطى للسياسة معنى آخر وأوجد أحزابا -مختلفة عن تلك التي نعرفها في المجال السياسي- على مستوى الفرد والجماعة والقبيلة اجتمعت كلها لتلبي بشكل متواصل رؤية الرشد عند سلطان جمع بين ارث إمبراطورية وواقعية المرحلة وموقع يحفره لدولته في صخور المدنية الراهنة التي تلفظ من ليس بقادر على البقاء أو العطاء
موروث الأصوات والكلمات··والذاكرة الجماعية
تناولنا في الحلقة السابقة من هذا الملف دور العمانيين عبر التاريخ لجهة المشاركة في صناعة الأحداث أو الخروج منها، أحيانا بسبب الفتن الداخلية ، و أحيانا أخرى بضغط خارجي ظهر بأساليب شتى ، بهدف السيطرة على المنطقة كلها ، وتابع معنا القارىء الانتصارات والهزائم ، لكن ما لفت أنظارنا عند قراءة التاريخ هو ذلك التفاعل العماني مع الأحداث سلبا أو إيجابا، والخروج المؤسس من الأزمات الكبرى بنتائج أفضل ، وأيضا التواصل لجهة الحكم وبناء الدولة بين السلاطين ، مع ما هنالك من فتن أحيانا ، وقد توج التاريخ العماني بمرحلة ، نرى إنجازاتها نتاج رؤية وعمل وصبر السلطان ' قابوس الذي يسمى بكاشف الظلام
وفي هذه الحلقة نواصل الحديث من خلال المتابعة الميدانية للتراث ، لكن هذه المرة لن يكون تناوله من ناحية الفعل السياسي فحسب ، وإنما سنركز عليه باعتباره ميراثا شعبيا حافظت عليه الذاكرة الجماعية من خلال الشعر والموسيقى، وبذالك نعطي صورة عن الموروث العماني بشقيه الرسمي والشعبي ، ونبين مشاركة المثقفين في الحفاظ عليه ، لكن هذا لا يعني أننا ألممنا به ، لذا نعلن أن ما نقدمه هنا هو حال من التلمس فقط ،نأمل أن نوفق في توصيلها للقراء ·· وفيما يلي نص الحلقة:
يشكل التراث في عمان وعيا بالحاضر ، والاهتمام به ليس نابعا فقط من كونه قرارا فوقيا من السلطان قابوس ، ولكنه قناعة متدوالة بين المواطنين ، وهو لا يمثل لديهم الفخر لجهة التغني بالماضي حيث الهروب من الواقع ، لأن الواقع اليوم جميلا بكل ما فيه و حسب شهادات الشعب العماني إن كان صادقا ، وهو بالفعل كذلك بناء على ما تحقق من إنجازات·
الثراء ·· والمكونات التراثية
قد يثير الواقع الراهن جملة من التساؤلات منها : مالذي يشد العمانيين في التراث ؟ وكيف يرونه؟ وكيف تتم العودة إليه لتنوير الحاضر المشترك ؟ وما هي حدود الحركة بخصوص الاستفادة منه ؟ ولماذا أقيمت وزارة خاصة بالتراث ؟
الأسئلة السابقة تمثل مداخل لجملة من القضايا ، لا يمكن لغير المختص معرفة أبعادها، لذلك لجأنا إلى' خالد بن سالم الغساني مدير عام الثقافة بوزارة التراث والثقافة' وخلفان بن محمد البرواني مدير مركز عمان للموسيقى التقليدية ، بهدف متابعة التراث من ناحية بعثه من جديد ·· و فيما يلي نص الحوار الذي أجريناه مع 'خالد الغساني'، حيث تم التركيز على دور وزارة التراث والثقافة
؟ تخصيص وزارة للتراث في سلطنة عمان يدفعنا إلى طرح السؤال التالي: ما هو السر في ذلك؟ ثم أليس كافيا القول بوزارة للثقافة دون اعتماد ذكر التراث؟
- هذا السؤال كثير ما يواجهنا من ضيوف السلطنة وخصوصا المنشغلين بالإعلام ،على اعتبار إن السلطنة من الدول القليلة التي أنشأت وزارة للتراث، وميزت بين قطاعين هما الثقافة والتراث، غير إن ثراء السلطنة بالمكونات التراثية هو الذي حتم إنشاء الوزارة، وهناك دافع آخر أهم هو تلك الرؤية الثاقبة لجلالة السلطان قابوس، وتتعلق بأجيال المستقبل لجهة اعتمادهم على ميراث حضاري قوي، ولا اعتقد اننا أقمنا وزارة لكوننا نتميز في التراث عن الآخرين، ذلك لانه لكل بلد تراثه وخصوصياته الثقافية، لكن الأمر كما ذكرت آنفا يعود لاهتمام السلطان، وقد دلت التجربة لما يربوعلى خمس وثلاثين سنة إن إنشاء هذه الوزارة أمر حكيم ،لأنها في شقها الخاص بالتراث اعتنت بكل أنواع التراث المادي منه والمعنوي، كما قامت بترميم مجموعة كثيرة من الآثار، وأنتم تعرفون أن السلطنة واحدة من بين الدول التي لديها من الغنى في مجال القلاع والحصون ما يكفي لوجود مؤسسة للإشراف عليها ،فمثلا هناك 550 قلعة رممت أوأعيد بناء أخرى تآكلت على نفس النمط القديم، والزائر الآن أينما ولى وجهه داخل السلطنة يجد آثارا على ربوة أو على سفح جبل ترحب بالزائر، و كأنها تعيده ·· عند اللقاء··إلى فترات ماضية وهناك تناغم في الجانب المعماري حتى داخل العاصمة، أي أنها قائمة على تراث وتاريخ، ومع ذلك واضح أن السلطنة ليست غارقة في الماضي، وانما جامعة بين الأصالة والمعاصرة، حيث روعي في تخطيط المدن الجانب المعماري العماني ( العربي الإسلامي)، فمسقط مثلا مدينة حديثة بلا شك ولكنها في طابعها العام تعتمد على التراث، ومن باب التأكيد فان إنجازات الوزارة أصبحت معروفة لدى الجميع وترسخت على مر السنوات ولسنا في حاجة إلى العودة إلى الكتب والمراجع، لأن الإنجازات تتحدث عن نفسها، والتي تظهر أيضا في المسوحات والمتاحف·
الظروف ·· ونسف الماضي
؟ هل يفهم من كلامكم أن السلطنة تراعي في تنميتها الراهنة ومن خلال وزارة التراث والثقافة البعد الزمني بأبعاده الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل؟
؟؟ الاهتمام بالبعد الزمني واضح في عملنا ويتم ذلك بوعي، وقد ساعدنا على هذا ما اكتشفناه منذ البداية، وكل عمل تقوم به الوزارة تجاه التراث يحثنا للحفاظ على مكنونات هذا التراث، ولا أريد العودة إلى مقولة يعرفها كل الناس ' أن من لا ماض له لا حاضر له ولا مستقبل'، ونحن في عودتنا إلى ماضينا لا يعني أخذه بالجملة ، ففي ماضي كل الشعوب والأمم هناك سلبيات وإيجابيات، ونحن هنا نتكىء على الايجابيات بحيث يتم استحضار الماضي بغية دعم الحاضر به، وعلي أن أوضح هنا أن المقصود بنحن العرب والمسلمين جميعهم وليس العمانيون فقط، فقد وصلنا إلى أقاصي الدنيا ·· وهذا ليس تغن بالماضي ··وحين نذكر هذا لا ننسى أن الحاضر تغير وكذلك سيكون المستقبل، وتغير الظروف الذاتية والموضوعية عبر مراحل التاريخ لا يعني نسف الماضي أو أن نتكىء عليه بشكل كلي·
؟ إلى أي مدى استجاب المواطن العماني لدور الوزارة لجهة جمع التراث؟
؟؟ المواطن العماني يعي أهمية التراث، ولذلك طرحت مبادرات كثيرة من الأهالي سواء للتعريف بقطعة أثرية معينة، او لحث الوزارة لترميم موقع معين، فهناك اهتمام واسع من طرف المواطنين، وقد لاحظنا أن بعض الأشخاص يتحفظون على تقديم ممتلكاتهم الأثرية معتبرينها ملكية خاصة، وبالذات المخطوطات ولهذا شجعتهم الوزارة على المحافظة عليها لكنها في الوقت ذاته حاولت الاحتفاظ بصورة منها، كما أعلنت عن مكافآت مادية مجزية لمن يقدم مخطوطات او قطع أثرية·
عام للشباب ·· وآخر للزراعة
؟ هل معنى ذلك أن الدولة أرادت الحفاظ على الوثائق والمخطوطات والقطع الأثرية لتصبح ملكا لها، أم أن الذي كان يهمها بالأساس المحافظة عليها من الضياع؟
؟؟ الذي يهم الدولة هنا هو المحافظة على الآثار، وحمايتها من التلف ،ولذلك عملت من أجل ترميمها وإعادتها إلى أصحابها في حال رغبتهم في الاحتفاظ بها·· المهم أن المواطن يعي أهمية التراث والآثار في حياته، وربما يكون ذلك نتيجة للنشاط الأهلي والحكومي حيث تخصص الحكومة كل عام لنشاط معين مثل عام الشباب وعام الزراعة فتكثف الوزارة المعنية؟؟ ومعها باقي المؤسسات بما في ذلك القطاع الخاص؟؟ نشاط تلك السنة، ومثلا خصص عام 1994 للتراث العماني، وطوال هذا العام نجحت الوزارة في استقطاب العديد من المهتمين بموضوع التراث ،وكذلك موضوعات التراث نفسها مثل ترميم الآثار او تحقيق المخطوطات وإصدارها في كتب، والحث على العناية بالحرف التقليدية، وقد أنشئت مؤخرا هيئة للحرف العمانية القديمة
زنجبار·· والبرتغال
؟ ماذا عن الوثائق العمانية التي توجد لدى مراكز الأرشيف في عدد من دول العالم عربية كانت او أجنبية؟ هل تم استحضارها؟
؟؟ لقد عملت السلطنة من خلال علاقاتها مع دول العالم العربية منها والأجنبية الدخول إلى أرشيف تلك الدول، والبحث عن الوثائق الخاصة بعمان، وبالتالي اقتنائها او الحصول على الأقل على صور منها وقد استفدنا خاصة من زنجبار، كما استطعنا الحصول على وثائق تخص عمان من البرتغال، وهناك بعض الوثائق لا تزال الاتصالات جارية بشأنها ونبذل مساع جادة للحصول على صور منها إذا تعذر الحصول على الأصول، كما انه لا يزال البحث جار بخصوص الوثائق في إيران وباكستان·
؟ هل هناك تعاون بينكم وبين المراكز البحثية العربية المهتمة بالتاريخ العماني؟
؟؟ مثل هذا الجانب قائم، وأنا حين أتحدث في موضوع التراث لا أتحدث بشكل مباشر كرجل مسؤول عن قطاع التراث لأن صلاحياتي مركزة على القطاع الثقافي، لكن أقول إن هناك تعاونا ملموسا في بعض الجوانب مع بعض مراكز التراث العربية·
ليال قمرية
التراث العماني لا يقف عند حدود الثقافة المكتوبة والأثرية بل يتعداها إلى الموسيقى وقبلها الشعر على اعتبار أنهما يعبران عن وجود الشعب ومشاعره ، ولمعرفة هذا الموضوع كان لنا الحوار التالي مع خلفان البرواني مدير عمان للموسيقى التقليدية:
؟ الملاحظ أن سياسة مركز عمان للموسيقى التقليدية قائمة على مسألة إحياء التراث، فكيف تم ذلك ؟
؟؟ محاولة إحياء التراث من جديد مسألة قائمة، والسبب أننا عندما قمنا بجولات استطلاعية لمعرفة ما تبقى من التراث الموسيقي على قيد الحياة ، وجدنا من الضروري وضع ما هو موجود عند الناس على أرض الواقع في ذلك الوقت ،علما أننا بدأنا نشاطنا في أغسطس ،1983 ومن خلال جولات مكثفة في معظم الولايات عرفنا الباقي من الموسيقى والمندثر منها، وبناء عليه تم التوثيق الميداني، وفي مرحلة لاحقة أخذنا ما بقي على قيد الحياة، والى غاية الآن أحيينا نحو ثلاثة فنون، وعلى سبيل المثال في ولاية صحار ·· منطقة الباطنة ·· أحيينا أحد الفنون الخاصة بمرح وفرح الأطفال واسمه ليال قمرية وقد كان هذا الفن مندثرا تماما، وسمي بهذا الاسم نسبة لاكتمال القمر خلال الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر القمري، حيث يخرج الأطفال يمرحون على الساحل عند اكتمال البدر، وهذا في زمن ما قبل النهضة، حيث لم تكن هناك إنارة في معظم المناطق، وتوقف هذا الفن مع الحضارة والمدنية، وانشغل الناس بأمور أخرى، المهم أننا عرفنا أثناء زياراتنا الميدانية المتكررة أن هذا الفن كان موجودا ·· لقد تمكنا من معرفة ذلك الفن عن طريق امرأة عجوز، حيث روت لنا قصة هذا الفن مع المجتمع، وهي التي دربت الفتيات (كانت أعمارهن تتراوح بين 12 و17 سنة ) بعد ذلك، وقد وثقنا ما ذكرته بالصوت والصورة وحين قمنا ببث الفيلم الذي سجلناه، ثمن كبار السن ما قمنا به على اعتبار ان ذلك الفن انتهى واندثر، وبعدها بدأت المدارس تدرب الأطفال على هذا النوع من الفن وتتم المشاركة به من خلالا لمهرجانات واصبح فنا متداولا الآن·
الهوية الموسيقية
؟ هل إحياء هذا التراث الموسيقي وجمعه يمثل بالنسبة لكم حماية من تأثير المدنية وخوفا من غرورها الذي قد يؤدي بنا إلى العودة مرة أخرى إلى الماضي السحيق؟
؟؟ التوثيق يفيدنا في أمور كثيرة، ففي المدارس مثلا صار ضمن المقرر التراث الموسيقي، وبالنسبة للمهرجانات صار أهلها يأخذون التراث الموسيقي الأصيل منا ويطورونه ليتلاءم مع العصر، والملحنون يأخذون منا الألحان القديمة ويطورونها وكذلك بالنسبة للكلمات، ناهيك عن حضورنا لمؤتمرات خاصة بالموروث الموسيقي في المجلس الدولي للموسيقى وفي المجمع العربي للموسيقى، نقدم ما لدينا لتلك المجالس وعلمائها، أي أننا نقوم بحركة وفعل لصالح الموروث الموسيقي، ومن خلاله نبني ما يسمى بالهوية الموسيقية، حتى نعلم أبناءنا ان الموجات الحديثة مهما طغت علينا من خلال وسائل الإعلام، فالأصل موجود وتراثنا الموسيقي هو القاعدة التي نبني عليها الهوية الموسيقية، ومن خلال برامج الإذاعة والتلفزيون والمؤتمرات والمدارس والمهرجانات سواء داخل السلطنة أو خارجها، فإن هذا الفن يقدم الهوية الموسيقية، فمثلا في شهر يونيو القادم هناك مهرجان عن عمان في واشنطن لمدة احد عشر يوما، والفرق الموسيقية العمانية التي ستقدم عروضا هناك تمثل أنماطا تراثية كثيرة ومن ضمنها الموروث الموسيقي، الذي سيقدمه خمسة وستين شخصا بثوبه الأصيل، وسيتم ذلك أمام البيت الأبيض ونعد الآن المادة الخاصة بالحفل·· ونحن دائما نحاول انتهاز أي احتفال ·· داخل السلطنة او خارجها ·· لتقديم الموروث الموسيقى·
التقاليد ·· والموروث الموسيقي
؟ هل أنتم راضون عما تحقق خلال العشرين سنة الماضية؟
؟؟ راضون كل الرضا، ونحن أدركنا ذلك من خلال التجاوب، ومن خلال الدراسات فمثلا قمت بدراسة في منطقة صحار عام 1992 وبعد عشر سنوات كنت أعتقد أن التطور الموجود أخذ من الموروث الموسيقي وجعله غير حي، وقلل من اهتمام الناس، لكن لحسن الحظ ذهبت منذ أيام فقط وقمت بدراسة ثانية، فاكتشفت ان الموروث الموسيقي الذي كان منذ خمسة عشر سنة لا زال باقيا، بل ظهرت فنون جديدة وقد قوبلت باهتمام من الناس، والسؤال لماذا لا يزال الموروث الموسيقي العماني حيا؟ الإجابة لأنه مرتبط بحياة الناس والعادات والتقاليد مثل الأعراس والاحتفالات الخاصة والعامة، ولدينا في الوقت الحالي مئات الفرق الموسيقية لا تقل عن عشر فرق في كل ولاية، وأنماط الموروث الموسيقي في السلطنة في حدود مائة وعشرين نمطا، كل نمط مختلف عن الأخر، ولكل مناسبة مجموعة من الفنون خاصة بها فقط، إضافة إلى ارتباط التراث الموسيقي بالحياة الاقتصادية للشباب، فمثلا تجد الشاب العماني يؤدي عمله في النهار وفي المساء يحيي حفلا موسيقيا ويتقاضى على ذلك أجرا، إذ ليس هناك من يقيم عرسا دون أن يحضر فرقا موسيقيا تتراوح من فرقة واحدة إلى عشرين فرقة في العرس الواحد، وذلك حسب إمكانيات العريس، إذن الموروث الموسيقي حي لانه مرتبط بحياة الناس وعاداتهم وتقاليدهم ومناسباتهم الاحتفالية الخاصة والعامة، مثال آخر، الأعياد الدينية عندنا لا نحييها إلا بالموروث الموسيقي·
فن الرزحة·· والنساء
؟ ما هي أوجه التعاون بينكم وبين المختصين في الموسيقى الحديثة؟
؟؟ يأتي إلينا المطربون والملحنون ويأخذون من الموروث الموسيقي ويتم تطويره بحيث ويصبح إيقاعا جديدا، ففن الرزحة مثلا من وحي التراث، ومع ذلك يقوم بتوزيع جديد، وبالنسبة لي فإنني أرى أن الموروث الموسيقي إذا قدم بثوبه القديم هو أكثر جذبا وأكثر جمالا من التطوير الحديث، وقد شاركنا في مهرجانات من الدول العربية وأوروبا واسيا ورأينا مدى تأثير الموروث الموسيقي حين يؤدى بثوبه القديم، والسمو الروحي موجود في الأصالة، لان هذه الأخيرة هي التي تعطي نكهة معينة·
؟ هل الفرق التي تقدم الموروث الموسيقي من الجنسين؟
؟؟ هناك فرق نسائية خاصة بالأعراس، وتشارك أيضا في المهرجانات وهناك فرق أخرى مشتركة بين النساء و الرجال·
؟ كيف يمكن لكم الجمع بين المحافظة على القيم والتقاليد المحكومة بضوابط الدين، وبين الموسيقى؟
؟؟ المجتمع المحافظ مسألة، والموسيقى التي فيها نوع من البراءة مسألة أخرى، فنحن مجتمع محافظ، لكن حياتنا داخل البيوت مثل الأعراس تجد فيها النساء يرقصن ويغنين، والاحتفالات عندنا كثيرة من ذلك الاحتفال ببناء بيت جديد أو بزائر للمنطقة أو ختان، وجميع هذه الاحتفالات تؤدى داخل البيوت ،وهناك فرق نسائية ترقص أمام الرجال بالزي التقليدي·
البدوي ··الغناء والحرارة
؟ ما هي الصعوبات التي واجهتكم أثناء التوثيق؟
؟؟ من الصعوبات مشكلات تحدي الوقت وتحدي الجهد، فعلى سبيل المثال نحن كنا تحت رحمة أصحاب الفنون، فقد كنا نذهب إليهم لنأخذ منهم فنونهم دون ان ندفع لهم شيئا، وهم لديهم استعداد لتقديم تلك الفنون لنا ،لكن يبقى الوقت ملكهم والمكان أيضا، فهناك من يطالبنا بالحضور الساعة السادسة صباحا أو عند منتصف النهار، وهناك توثيق قمنا به بعد منتصف الليل، وهناك مشكلات من نوع آخر فمثلا لقاءنا مع البدوي كان يتم في الصحراء وفي اشد أوقات الحرارة نقوم بتصويره ومتابعته، يتفاعل هو مع بيئته ونحترق نحن بالحرارة هو يركب جمله ونحن نسير وراءه للتصوير بالكاميرات، وقد قبلنا بذلك كله لأن هدفنا كان كبيرا وهو لمصلحة البلاد والأجيال·
الموسيقى ·· ورشداء المناطق
؟ هل استطعتم جمع كل التراث الموسيقي؟
؟؟جمعنا حوالي خمسة وتسعين بالمائة من الموروث الموسيقي، والخمسة بالمائة المتبقية هي ما نكتشفه إلى الآن عند زياراتنا الميدانية للمناطق النائية من ألوان جديدة من الموروث الموسيقي لم نوثقها من قبل، وحتى المجموعة التي زرناها من قبل عدة مرات بقدر ما نجلس فيها بقدر ما نكتشف ان هناك جوانب لم نوثقها لأنها اندثرت·
؟ كيف تعرفون أن هذا النوع أو ذاك هو حقيقة من الموروث الموسيقي؟
؟؟لأن الموروث هو ما يمارسه أهل منطقة ما في فترة زمنية محددة، فحين نذهب للتوثيق نجلس مع حوالي 15 شخصا من أهالي المنطقة، وهم يجتمعون على شيء معين، و يحددون نوع المناسبة أيضا، ونحن نسجل ذلك، وقد وجدنا رشداء المنطقة كبارا في السن، ويحفظون الموروث منذ خمسين سنة·
؟ هل حددتم الفترة الزمنية التي تريدون حفظ موروثها الموسيقي؟
؟؟ صعب تحديد الفترة الزمنية، لأن كل الحافظين للتراث هم كبار في السن، فبعضهم لا يعرف حتى تاريخ ميلاده، ثم أن هذه الفنون تتم فيها الشهادة بناء على حفظها من الآباء والأجداد، فالتحديد الزمني صعب، لكن ما أستطيع قوله إن ما جمعناه من الموروث الموسيقي يعود إلى فترة زمنية تتجاوز الخمسة قرون·
ابن بطوطة ·· والموسيقى العمانية
؟ هل اعتمدتم على المخطوطات او الرسومات القديمة لتحديد تاريخ الموروث الموسيقي العماني؟
؟؟ إلى غاية الآن لم نعتمد على المخطوطات، لكن نعرف أن هناك من الأوائل من كتبوا حول التراث الموسيقي العماني وهذا يساعدنا كثيرا، وهناك كتاب أوروبيون أكدوا انه في عمان وجدت في الماضي حركة موسيقية شعبية، وعلى علمي ان الرحالة أبن بطوطة زار المنطقة وذكر شيئا عن الموسيقى في عمان، ويرجع ذلك في نظري إلى وجدان الناس الذي نراه اليوم في الاحتفالات حيث لا تخلو قرية عمانية يوم الخميس من حفل إلا في حال وجود وفاة·
الشعر ·· والأداء
؟ هل وجدتم في التراث الموسيقي العماني ما يعبر عن الأحزان أو المصائب والكوارث؟
؟؟ لقد وجدنا ذلك في الشعر وليس في الموسيقى، والشعر وسيلة تاريخية في غاية الروعة والخطورة، وإذا لم نجمع مثلا الشعر النبطي المغنى في الموروث الموسيقى تضيع منا حلقة مهمة، فمثلا يمكن ان نوثق فن الرزحة، من خلال شهادة رجل بلغ تسعين سنة قال لنا: ان ما ترونه اليوم في أداء فن الرزحة موجود منذ أجدادي، إذن فهذا يعود إلى مائتي سنة على الأقل، لكن كيف لنا ان نعرف الأحداث التي دارت منذ قرنين؟
الإجابة نجدها في الشعر، فهو الأداء الذهني الذي يبين الموروث الموسيقي ويسجل الأحداث، والعمانيون لا يؤدون فنا شعبيا إلا بوجود شاعر يؤثر فيهم ، فلا الطبل ولا الحركة ولا الحافز المادي، ولا تغيير البيئة والمكان، والذي يوصلهم إلى قمة الذروة الفنية هو الشعر، لانه يمس وترا حساسا داخلهم، واضرب مثالا من الواقع كنت في وادي بني خالد أسجل، سألت الرجل الذي أجلس معه، ما أهمية الشعر بالنسبة إلى الأداء؟ فأجابني: نحن نؤدي الفن ونحن نبكي أحيانا، فسألته مرة أخرى وانتم في حال من الرقص؟! قال: الشعر يعيدنا إلى الحدث ، سواء أكان سعيدا أو حزينا، وهو محق في ذلك لان الشعر نابع من الأحاسيس التي تؤرخ للحدث زمن وقوعه، وهي التي تترك الناس يؤدون الرقص او الغناء من المغرب إلى صلاة الفجر·
الحلقة المقبلة
رجلان وامرأة ورابعهم الثقافة

اقرأ أيضا

بومبيو يجري لقاءات في لبنان آخر محطة من جولته الجديدة