الاتحاد

تقارير

نووي «كيم»: الإقناع والضغط!

أثارت تجربة «القنبلة الهيدروجينية» المزعومة الأخيرة التي قامت بها كوريا الشمالية، في تحد سافر لقرارات الأمم المتحدة، عاصفة متوقعة من مشاعر الغضب والصدمة والتنديد وعبارات التصميم عبر العالم. ونحن الآن في مرحلة الغضب والتنديد المتوقعة. والجميع في ما عدا الكوريين الشماليين متفقون على أنه لا يمكن السماح لكوريا الشمالية بأن تصبح قوة نووية، لكن الجميع -بمن فيهم الكوريون الشماليون بكل تأكيد- يعتقدون أيضاً أنه لا يمكن فعل أي شيء بخصوص ذلك.
لكن، هل الأمر كذلك بالفعل؟
لا شك أن الأدوات والوسائل التي في جعبة المجتمع الدولي ليست بمستوى المهمة ولا تفي بالغرض. ذلك أن كوريا الشمالية تخضع لعقوبات شاملة تقريباً منذ سنوات، وبالتالي فإنها لن تشعر بمزيد من الألم الاقتصادي، و«كيم جونغ أون» يعتقد أن امتلاك ولو ترسانة نووية صغيرة ومنخفضة الجودة سيمثل رادعاً لأي عمل عسكري أجنبي. كما أن التنديدات والعقوبات الرمزية بشكل عام لا تعمل إلا على تكريس خطاب «إنهم يريدون النيل منا» التظلمي الذي يبرر قبضة كيم الحديدية على السلطة، والبرنامجَ النووي نفسه الذي يريد العالم وقفه. وبالتالي، فإذا كان ثمة شيء لديه فرصة في النجاح، فينبغي أن يكون من خارج علبة الأدوات التقليدية.
وربما بوسعنا القول بكل اطمئنان وثقة إنه إذا كان كيم جونغ يقدّر ويثمّن شيئاً ما أكثر من امتلاك ترسانة نووية، فهو البقاء في السلطة. وإذا تسنى إفهامه أن أسلحته النووية إنما تهدد ذلك الهدف بدلا من أن تخدمه وتفيده، فقد يصبح مستعداً للتخلي عنها. على أن يتم ذلك دون أي تلويح بالقوة الخارجية، إذ إن ذلك لا يزيد النظام إلا قوة. والبديل لقوة خارجية هو قوة داخلية.
الآن، ليس لدى المجتمع الدولي، بالطبع، قدرة على التخطيط لانقلاب أو ثورة بشكل مباشر. ولكنه يملك القدرة، بالمقابل، على زرع بذور الشك حول ما إن كان دعم كيم يمثل الرهان الحكيم والقرار الصائب على المدى الطويل. ولهذه الغاية، سيكون من الضروري تقديم رهان أفضل، والتلويح بذاك الرهان الأفضل هو السبيل لإقناع كيم بإعادة النظر في طموحاته النووية.
وفي ما يلي الطريقة التي يمكن أن ينجح بها ذلك.
أولا، يقوم المجتمع الدولي بإبلاغ كيم جونغ أون بأن لديه مهلة ستة أشهر للموافقة على برنامج عملي لتفكيك برنامجه النووي، وفي مقابل ذلك، يحصل على حزمة من الضمانات والمكافآت الاقتصادية التي يمكن أن يقدمها لشعب كوريا الشمالية باعتبارها ثمار انتصار دبلوماسي كبير في الكواليس. أما في حال لم يوافق، فتقوم الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتصويت على إعلان مقعد كوريا الشمالية فارغاً وتدعو حكومة جديدة في المنفى لشغله. وبعدئذ، يقوم أعضاء الجمعية العامة الذين يصوتون لصالح هذه الخطوة ويستضيفون بعثات كورية شمالية حالياً بدعوة الحكومة الجديدة في المنفى لامتلاك تلك البعثات، وإعلان ممثلي كيم أشخاصاً غير مرغوب فيهم. على أن تعقب ذلك سلسلة مدروسة من المفاوضات والاتفاقيات مع النظام الكوري الشمالي «الجديد» تَعِد بتطبيع العلاقات، وتعزيز فرص التعاون الاقتصادي، وضمانات حقوق الإنسان. وبالمقابل، يمنح النظام الجديد عفواً للقياديين في الحكومة والجيش الكوريين الشماليين الذين يغادرون السفينة، ويَعد المحكمة الجنائية الدولية بتوجيه لوائح اتهام للذين لا يفعلون.
وعلى نحو متوقع، قد يردّ كيم جونغ أون على ذلك بغضب وتحد وتهديدات غريبة. لكن من الناحية العملية، ليس ثمة ما يستطيع القيام به. فالتصعيد لن يؤدي إلا إلى الأمر نفسه الذي يريد تلافيه، وسيجد نفسه في مأزق كبير. وإذا كان شخصاً عقلانياً، سيختار التعاون.
هذه المقاربة ليست لديها سابقة مثالية بالطبع، لكن كذلك الحال بالنسبة لكل الأشياء الأخرى التي جُربت للمرة الأولى. غير أن العنصرين الرئيسيين فيها لديهما سابقتان: الاعتراف بحكومات المنفى كان شائعاً على نطاق واسع إبان الحرب العالمية الثانية، وتصويت الجمعية العامة في عام 1971 انتزع مقعد الصين من شيانج كاي شيك في تايوان. ثم إن المسوغات القانونية لسحب الاعتراف من كيم جونغ أون ستكون أقوى من أي فترة أخرى في التاريخ، وذلك على اعتبار أن المجتمع الدولي أشبه بنادٍ، وعضويته مقرونة بواجبات والتزامات أكثر من أي وقت مضى. وخلاصة القول هي أن كيم، ومن خلال ترهيبه لمواطنيه وتجاهله السافر لقرارات الأمم المتحدة، أعلن عملياً عدم شرعيته منذ مدة.

*أستاذ العلوم السياسية بجامعة ووترلو الكندية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا