الاتحاد

عربي ودولي

برنارد لويس يتمنى إقامة محارق للعرب


القاهرة ـ حلمي النمنم:
صدرت الترجمة العربية لكتاب المستشرق الاميركي برنارد لويس 'الساميون والمعادون للسامية' ورغم ان العنوان يبدو علميا ومتخصصا فإن مضمون الكتاب يختلف عن العنوان، فالكتاب يتناول القضية الفلسطينية وإسرائيل، ويطوف في أرجاء الكرة الأرضية، حيث يهود العالم، ويتجول كذلك في مراحل التاريخ المختلفة، ليصب في فلسطين وإسرائيل·
برنارد لويس هو هنا كما في سائر كتبه، منحاز انحيازا تاما لإسرائيل فهو ليكودي الهوى والميول ومستعد لأن يدافع عن ميوله إلى آخر مدى ويلوي الحقائق ويلون التاريخ ويسقط أحداثا، حتى تخرج إسرائيل في نظر القارئ بريئة من أي خطأ، ولم ترتكب أي جرم بحق الفلسطينيين والعرب· وبرغم محاولته ان يبدو علميا وموضوعيا، فإن انحيازه الواضح لا يخفى على أحد·
عام التقسيم
ويبدأ لويس بقرار تقسيم فلسطين عام 1947 وهو نفس العام الذي تم فيه تقسيم الهند واقامة دولة الباكستان، وتعديل حدود أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، تحديدا في بولندا وألمانيا ونتج عن ذلك ضحايا، مسلمون انتقلوا من الهند إلى باكستان وهنود خرجوا من باكستان إلى الهند، نفس الحال بالنسبة لبولندا وألمانيا، وعنده ان ما حدث في الهند وكذلك اوروبا يساوي وربما يفوق ما جرى من تشريد للفلسطينيين وطردهم من قراهم ومدنهم ومزارعهم، ورغم ذلك فإن الاهتمام العالمي كان بالقضية الفلسطينية وسيبقى هذا الاهتمام قائما رغم ان هذا الاهتمام يبدو للوهلة الأولى غير متناسب مع 'أهمية القضية'·· وهكذا القياس الخاطئ من البداية، صحيح ان تقسيم الهند نتجت عنه مشكلة وكذلك تعديل الحدود في أوروبا الوسطى ولكن هناك لم يدخل عنصر سكاني غريب، كما حدث في فلسطين، حيث جاءها، آخرون هاجروا إليها من مختلف الجنسيات للاستيطان بها، لا يجمع بينهم سوى انهم يهود، وجاءوا ليمارسوا العنف والارهاب وانتزاع الأرض من أصحابها، وهذا يختلف تماما عما جرى في الهند مثلا·
وأيا كان الأمر فإن برنارد لويس يحاول ان يقدم تفسيرا لهذا الاهتمام 'غير المناسب لأهمية القضية الفلسطينية'، ويضع عدة أسباب لذلك، من بينها الموقع الجغرافي للمشكلة، حيث ان فلسطين تقع في ملتقى قارات ثلاث، افريقيا وآسيا وأوروبا وفي تقاطع طرق دولية، ومن هنا رأى الجميع المسألة وشعروا بها، بعكس الحال في الهند 'الشرق الأقصى' وسبب آخر هو ان احد طرفي النزاع هنا -إسرائيل- مجتمع غربي، مفتوح، يؤمن بالديمقراطية والحرية، ومن ثم كان مسموحا لوكالات الأنباء العالمية والصحف والصحفيين من كافة أنحاء العالم ان يذهبوا إلى 'إسرائيل' وينقلوا كل شيء بالصوت والصورة، بينما في أوروبا الوسطى كان هناك ستار حديدي على تلك البلدان -الحكم الشيوعي- منع حتى الصحفيين المحليين من التصوير والكتابة حول المعاناة اليومية للأهالي·
وكل هذا قد يبدو مفهوما في إطار الصراعات التاريخية، كان هناك دائما نزاع بين أمة وأخرى، وقد يطول النزاع، وقد ينتهي بأن ينهزم طرف ويحقق آخر انتصارا ساحقا أو لا يحدث ذلك ويصل الطرفان إلى نوع من التسوية ويتحقق السلام، وطبعا كان الحل الأول هو الغالب، لكن في المسألة الفلسطينية هناك شيء آخر، هو الذي يقوم على كراهية عنصر لعنصر آخر أو ما يسمى 'التعصب'·· ويتدرج في توصيف هذا الشعور وتحليله بالقول: 'هذا الشعور المعادي يمكن ان يظهر في عدم القبول، واحيانا أكثر بالاحتقار وفي أوقات النزاع يتحول إلى الكراهية، وقد يؤدي إلى الفرقة وحتى إلى الاضطهاد وصور أخرى من العنف ونجد هذا في كل الازمنة والأمكنة·
عداء السامية
ولا يكتفي برنارد لويس بهذا التحديد، فهناك شعوب عديدة تتحدث اللغات السامية مثل العربية والآرامية والحبشية والامهرية وطبعا العبرية، لكن هذه الشعوب برغم الجذر اللغوي يختلفون في العنصر والجنس·· ولم يكن العداء للسامية موجها إلى هؤلاء، انه موجه إلى عنصر واحد فقط·· ان العداء للسامية كان موجها لليهود، وقد وضحت هذه النقطة تماما في الرسائل المتبادلة خلال الحرب العالمية الثانية بين المتحدث الرسمي للحزب النازي ورئيس الحكومة العراقية السابق رشيد عالي الكيلاني الذي كان يعيش آنذاك في منفاه الألماني · وهكذا جعل 'لويس' العداء للسامية مقصورا على اليهود فقط وجعل طرفيه ألمانيا النازية والعرب من خلال شخصية رمزية هي رشيد عالي الكيلاني، والواقعة التي يتحدث عنها، تعود إلى تساؤل طرحه الكيلاني على الدكتور 'جروس' مدير مكتب الأجناس في الحزب النازي، كان رشيد يريد ان يعرف هل العداء للسامية موجه إلى العرب أيضا، خاصة وانهم ساميون، وكانت الاجابة بان المقصود هم اليهود فقط وان ألمانيا كانت باستمرار إلى جوار العرب في صراعهم مع اليهود·· وفي مقدمته الخاصة للطبعة العربية قال لويس: 'ان العداء للسامية بهذا المعنى، كان متأصلا في العالم المسيحي منذ الأزمان البعيدة المبكرة، إلى أن قامت وانتشرت الديمقراطية في أوروبا الغربية· أما بعد ذلك فقد أصبح العداء للسامية عاملا ثانويا في الغرب، بينما بقي قويا ونشطا في أوروبا الشرقية، وقد بلغ هذا العداء أوجه وتعمقه بقيام النازية وتأسيس الرايخ الثالث·· أما في العالم الإسلامي فإن العداء للسامية بهذا المعنى، كان غير معروف حتى الأزمات الحديثة نسبيا'·
وفي أوروبا لم ينته العداء للسامية، حتى بعد هزيمة هتلر والنازي، ويتوقف لويس عند واقعة يراها مهمة وكاشفة، ففي 21 من سبتمبر 1982 عقب إذاعة أول نبأ عن مذبحة صبرا وشاتيلا قامت مجموعة من المدرسين في واحدة من اهم المدارس الثانوية في باريس 'ليسية فولتير' بإعلان الغضب والسخط البالغ على ما تعرض له الفلسطينيون من مذابح، وتقرر ايقاف الدراسة من الساعة العاشرة صباحا وحتى الظهر احتجاجا على ما جرى، وقام هؤلاء المدرسون بكتابة رسالتين الأولى إلى رئيس الجمهورية الفرنسية فرانسوا ميتران يطلبون منه قطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع إسرائيل وضرورة الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية رسميا، الرسالة الثابتة كانت موجهة إلى السفارة الإسرائيلية في باريس يطلبون ضرورة انسحاب الجيش الإسرائيلي فورا من بيروت وكل لبنان، وقرئت الرسالتان على الطلاب قبل ارسالهما، وقد أقرها الطلاب، وهذا أغضب لويس وقال: 'ليس هناك أي دليل أو شاهد على ان تصرفا مثل هذا من هؤلاء المدرسين، في تلك المدرسة أو غيرها، قد وقع ردا على احداث حدثت في بولندا أو أوغندا وأميركا الجنوبية وفي أفغانستان وفي جنوب افريقيا، بل وفي الشرق الأوسط لا تقل فظاعة عما حدث في صبرا وشاتيلا··' وهكذا فإذا لم يتحركوا لادانة أي حادث في أي مكان في العالم يصبح مفروضا عليهم بالضرورة، الا يتحركوا والا يدينوا أولا يتخذوا أي موقف تجاه ما يجري في فلسطين، وهو تصور أعوج، فوقوع الظلم في أي منطقة بالعالم ليس مبررا لوقوعه في منطقة أخرى، ولا يعطي الاخرين المشروعية والحق لممارسة ذلك الظلم على آخرين·· ومن حسن الحظ لم يكن المدرسون الفرنسيون وحدهم هم الذين غضبوا أو احتجوا، ففي ايطاليا قاطع عمال المطار في روما شركة الطيران الإسرائيلي 'العال' ووزعوا شارات عليها نجمة داود والصليب المعقوف 'النازي' واستعملوا شعار 'إسرائيل نازية'، والوضع الطبيعي ان يفسر هذا بالغضب من 'مبالغات الإسرائيليين وحلفائهم المسيحيين في لبنان'، وتفسير لويس لهذا الموقف كالتالي: 'إن رد فعل المدرسين الفرنسيين وآخرين، كان مبعثه واضحا وهو الشعور المعادي لإسرائيل، ولكن الأمر لا يخلو من احتمال ولو غير مؤكد بانه شعور معاد لليهود أيضا، وهذا هو الحال أيضا بالنسبة لبعض وسائل الإعلام··' ويوضح ذلك بالقول: 'في الحقبة الزمنية التي بدأت بقيام هتلر ولم تنته حتى الان بعد سقوطه، فإنه بات معروفا لدى بعض الإعلاميين' ان ما يحدث لليهود أخبار تستحق النشر، ان أي اشتباك صغير على الحدود بين إسرائيل وجيرانها ينشر على أوسع نطاق ويناقش، في حين ان أخبار الحرب بين إيران والعراق، تلك الحرب التي اثبتت انها أعنف وأدمى ثالث حروب القرن العشرين، تمر دون أي ذكر· وفقط، وفي نهاية السنة الرابعة لهذه الحرب حينما بدأ الجانبان مهاجمة السفن المحايدة، بدأت صحافة العالم في ابداء اهتمام ضعيف··' ويضيف لويس: 'ان الملاحظة ذات المغزى في اهتمام الاعلام بحوادث صبرا وشاتيلا ليست في ان الإعلام اهتم هذا الاهتمام البالغ، لان ذلك هو المعتاد إذا تعلق الأمر بإسرائيل أو يهود آخرين
تغير الشعور
ولقد كثر استعمال تعبيرات في وصف إسرائيل مثل تشبيهها بالنازية، وهو يرى ان ذلك يعكس تغييرا مهما في شعور الغرب تجاه الاثنين، ففي 19 من يونيو عام 1969 استعمل وزير الخارجية المصري محمود رياض نفس التعبيرات· كان ذلك في مؤتمر صحفي بمدينة لاهاي، وقال ان تصرف إسرائيل في الأراضي المحتلة يشبه تصرفات النازية في احتلالهم لبولندا، ولم يسمح بمرور التصريح، مما أوقع الوزير في حرج بالغ اضطر معه لسحب تصريحه، والسبب ان الحرب العالمية كانت لا تزال حاضرة في الأذهان، وكانت حاضرة معها تصرفات النازية، لكن الآن نمت أجيال جديدة انمحت من مخيلاتها أفعال النازية، وصارت تاريخا ولم تعد ذكريات لمن عاشوها، فالذين عاشوها ماتوا وهكذا صار سهلا استعمال تلك الصفات، وهذا المعنى له وجهان: 'انه إذا كان الإسرائيليون ليسوا أحسن من النازيين، فالنازيون اذن ليسوا اسوأ من الإسرائيليين· هذا المفهوم برغم وضوح خطأه حتى في أسوأ تصوير لتصرفات الإسرائيليين، أتى بالراحة لكثير من الذين طال تحملهم لعقدة الذنب تجاه الدور الذي قاموا به هم وعائلاتهم وأممهم وكنائسهم في المشاركة في جرائم هتلر ضد اليهود· سواء كانت هذه المشاركة بالتواطؤ أو بالتغاضي أو عدم الاهتمام·
ويستعرض برنارد لويس تاريخ اليهود في المجتمعات الأوروبية ومعاناتهم في روسيا وغيرها ويصل إلى النازية وفكرها، ويستعرض رؤية الفكر النازي للعربي، وهي رؤية متدنية ورديئة، ففي كتاب من الكتب المدرسية في ألمانيا النازية عنوانه 'تاريخ العالم على أساس عنصري' يجد فيه ان كل عناصر الثقافة العربية ليست من انتاج العرب وانها مستعارة من العنصر الاري للشعوب الارية التي عرفت الإسلام، مثلا كتاب 'ألف ليلة وليلة' أروع كتاب قصصي في العربية أثار شغف الأوروبيين واحترامهم مأخوذ من اصول فارسية وهندية، لان الفرس والهنود في نظر النازية شعوب آرية، وفي كتاب نازي عن الإسلام يظهر جنكيز خان بصورة ايجابية وهولاكو الذي دمر بغداد يتم امتداحه بشدة لأنه حاول انقاذ بلاد 'الشرق الأوسط' من حكامها العرب الساميين، وفي كتاب 'أساطير القرن العشرين' الذي وضعه واحد من أكبر المنظرين النازيين يحض الأجناس البيضاء على ان تكون حذرة من الكراهية التي تحملها لها الأجناس الملونة والأجناس المختلفة الذين تقودهم روح التعصب لمحمد -يقصد نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم-·
برنارد لويس هو الذي يرصد كل هذا في كتابه، ولكنه يرى ان هذه التنظيرات لم يثبت ان لها أي اثر في الواقع، فبجانب اليهود هناك شعب واحد وهم قبائل الغجر الذين اختيروا للتدمير والقتل برغم اصلهم العرقي 'الاري' الذي لا شك فيه، وهناك أيضا جنس واحد وهم السود تعرضوا لمنتهى الكراهية والاحتقار من الألمان، أما العرب، وبرغم انهم مصنفون في الكتب النازية كجنس متدن فإنهم أعطوا مكانا آخر ومعاملة أخرى بواسطة حكام الدولة النازية·
ويبدو أنه كان يجب ان تتم ابادة العرب واقامة محارق لهم ومذابح حتى يستريح برنارد لويس وأمثاله، وهي وجهة نظر عنصرية شريرة، انها تنطوي على تمني الشر أو المعايرة بأنه لم يحدث·· وهكذا يواصل تحليلاته في هذا الصدد فيذهب إلى ان النازيين قاموا ببعض الجهد لكسب العرب وعواطفهم، وانحيازهم للأفكار النازية ولتجنيد العرب في خدمة الأغراض الألمانية، أما في مقصدهم الأول من انحياز العرب إلى أفكارهم النازية فانهم كما يقول لويس 'لاقوا نجاحا محدودا' اما في المقصد الثاني وهو استخدام العرب في خدمة الاغراض الألمانية فانهم نجحوا نجاحا ملحوظا لان الألمان كانوا المعارضين والمتحدين الاساسيين للامبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وكان العرب يعانون من الاحتلال البريطاني والفرنسي، وكانوا يسعون للتحرر والاستقلال من هذا الاحتلال، وبنظرية عدو عدوي صديقي، سعى بعض العرب إلى التعامل مع الألمان في العراق وفي مصر، ولم يكن هذا السعي اقتناعا بالنازية ولكنه سعي سياسي، فقد رأينا في مصر عزيز المصري وأنور السادات يعجبان بهتلر، والسادات هو الذي أقام السلام مع إسرائيل، لكن هذا كله لا يقنع لويس ولا يرضيه فهو يرى ان الألمان بصفتهم المعادين لليهود كان باستطاعتهم الحصول على تعاطف من هؤلاء الذين يحسون انهم محل تهديد من ازدياد هجرة اليهود ونمو 'الوطن القومي في فلسطين' وغاب عن العرب، كما يرى هو، ان الألمان كانوا بسياستهم ضد اليهود وطردهم وابعادهم يساهمون في نمو الوطن القومي اليهودي في فلسطين، ويعتبرتلك حقيقة قاطعة لكن العرب لم يأخذوا بها، ويقول 'الحكومة' الألمانية لم تكن مستعدة لأن تعطي وعودا محددة عن المستقبل السياسي للعرب وآمالهم السياسية فانهم لم يخفوا إطلاقا نياتهم في مسألة اليهود، أو في حل المسألة اليهودية، فقد وعد الألمان بإزالة اليهود من وطنهم القومي، ولا شك في ان تلك المقاصد ضد اليهود عوضت عن كثير من التحفظ الألماني في اعطاء عهود في المسائل السياسية الأخرى·
والواقع ان برنارد لويس هنا يمارس تدليسا علميا وتاريخيا، حول انشاء إسرائيل، ذلك ان وعد بلفور وتعهد بريطانيا بإنشاء وطن قومي لليهود صدر سنة ،1917 أي أثناء الحرب العالمية الأولى، ودارت المفاوضات بين الحركة الصهيونية وبريطانيا طويلا قبل ذلك العام، ومن هنا لا علاقة لأحداث النازية وما جرى لليهود في الحرب العالمية الثانية بهذا الأمر، يمكن للمؤرخ ان يرصد ان ما جرى لليهود قد احدث رأيا عاما متعاطفا في دول الغرب وأدى إلى زيادة معدلات هجرية اليهود إلى فلسطين، لكن إسرائيل كانت في طريقها للقيام، حتى لو لم يظهر هتلر ولم تقع الهولوكست·
أما موقف العرب من هتلر، فهو أيضا يبالغ ويضخم فيه، وخصص فصلا من كتابة حول موقف الحاج أمين الحسيني مفتي القدس من هتلر، وكأن العرب قد كونوا الجيوش الجرارة التي ذهبت لاجتياح أوروبا إلى جوار جيوش هتلر، ثم انه يتحدث عن وعد من هتلر بازالة الوطن القومي لليهود، أي تدمير إسرائيل، وهذا هو الهراء، ذلك ان إسرائيل لم تكن قد أقيمت بعد، لقد أعلن قيامها بعد انتحار هتلر بثلاثة أعوام، وفيما يخص الحاج أمين الحسيني فإن الوثائق البريطانية ذاتها قد أعلنت، واتضح منها انه لم يكن للرجل اتصال حقيقي بهتلر ولم يكن نازيا كما صورت وتصور الدعاية الصهيونية، بل جاء في الوثائق البريطانية بصراحة ان المخابرات البريطانية هي التي كانت وراء الترويج لهذه المقولات ضد المفتي لتشويه صورته في العالم، والسبب انه كان ضد الأهداف البريطانية في فلسطين· وغير الحسيني فان محاولات الاتصالات بهتلر لم تكن لها علاقة كبيرة بهذه المسألة، مثلا الملك فاروق سعى للاتصال بهتلر وكان الهدف محددا وهو ان يتعهد هتلر إذا اجتاح مصر من الناحية الغربية ألا يدمر المدن المصرية مثل الإسكندرية وألا يبيد أهلها، وهذا مطلب معقول جدا من ملك يتخوف على وطنه وشعبه، ولكنه لا يعني ان الملك فاروق كان نازيا·· وفضلا عن ذلك فقد كان الحكام العرب يبحثون عن الاستقلال من ظلم الإنجليز والفرنسيين، وكان مفهوما ان يحاولوا الاتصال بالنازي، اما مسألة الوعد الذي قدمه هتلر، فقد كشفت كل وثائقه وكل وثائق النازية ومعظم وثائق الحرب العالمية الثانية، ولم تظهر أي وثيقة بهذا المعنى·· برنارد لويس هنا نموذج فج للتدليس العلمي، ويواصل تدليسه ليثبت ان إسرائيل قامت وحدها وان الصهيونيين أقاموها هكذا، دون تواطؤ بريطاني استمر لعقود، باعتبار بريطانيا كانت صاحبة الانتداب على فلسطين ولنقرأ قوله 'ان السنوات الثلاث الأخيرة في الانتداب البريطاني في فلسطين من 1945 إلى 1948 انتجت مواجهة مأساوية بين اليهود في فلسطين والمتعاطفين معهم، وبين الحكومة والجنود في تلك الدولة أي بريطانيا التي وقفت وحدها لمدة عام كامل ضد هتلر وكانت هي نواة التحالف الذي أدى في النهاية إلى هزيمته··'

اقرأ أيضا

ترامب يعقد عدة اجتماعات ثنائية على هامش قمة مجموعة العشرين