الاتحاد

دنيا

«فاتنة».. 30 دقيقة من «التعرية» السينمائية لواقع مرضى غزة المحاصرين!

الفقر، الاحتلال، الحصار، قلة الإمكانيات، أسباب متراكمة تقرب من نهاية شابة. متاعب كثيرة ما كانت لتحدث لها لو توفرت الرعاية الصحية والوعي، إنها فاتنة الفتاة التي تعمل في مصنع للنسيج وترتبط بقصة حب هادئة وعلى استحياء مع زميلها أيمن في المصنع، ولكن أحلامهما تضيع في الهواء حين يباغتها سرطان الثدي، وتدور مع عائلتها في دائرة مفرغة من الشكوك حيناً، ومن محاولاتها للعلاج داخل غزة المحاصرة حيث لا تتوافر الرعاية الصحية، ومحاولاتها اليائسة للسفر خارج القطاع ودخول إسرائيل بتصريح أمنى للعلاج في المستشفيات الإسرائيلية ..
أحداث تتصاعد أكثر وأكثر لترسم أقسى مشهد حين يستأصل ثدييها ويطلب منها الجندي خلع قميصها على حاجز التفتيش، لتعود كسيرة النفس أمام منظرها الذي فقد أحد مقومات أنوثته، ومرضها الذي يزداد وطأة. الفيلم ينتهي بطلب فاتنة من شقيقتها أن تفتح لها النافذة لتبقى النهاية مفتوحة معها هكذا اختار المخرج أحمد حبش أن ينهي فيلمه الكرتوني ثلاثي الأبعاد، ورغم أن نهاية فاتنة «الكرتونية» ظلت مفتوحة على كل الاحتمالات إلا أن نهاية قصتها الحقيقية مؤلمة بل ومميتة، وهي قصة وثقتها منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في تقريرها السنوي الذي يعرض تدهور الأوضاع الصحية في القطاع المحاصر، بعدما أصبح معبر رفح موتاً مؤجلاً للمرضى الممنوعين من السفر للعلاج.
فلسطينيون بلغة الأرقام
من أين تولدت فكرة فيلم «فاتنة» الذي استغرق إنتاجه أكثر من عام ونصف؟ يقول حبش: «عادة يعامل الفلسطينيون كأرقام، فنرى ونسمع دائماً عبارة: مقتل خمسة فلسطينيين أو عشرة أو خمسة عشر أو اثنين، لكن هذه ليست القضية، القضية لا ينظر إليها من خلال الأرقام، بل إن هناك قصصاً إنسانية خلف كل حالة، ولهذا ركزت في الفيلم على هذه الحالة الفردية لهذه الفتاة لأضيء من خلالها على واقع قاس يتعرض له الفلسطينيون في حياتهم اليومية». ويرى حبش أن الفيلم الذي لا يتجاوز الـ30 دقيقة، تمكن من بلورة الفكرة، مشيراً إلى أنه كان متخوفاً في البداية من عدم اكتمالها بسبب استخدامه لتقنية الكرتون، والتي تضفي طابعاً خيالياً للمشاهد، غير أن دقة البحث عن تركيب الأماكن كما هي في الحقيقة، ساعد الفيلم على تلافي هذه المخاوف، بعد عرضه الأول. من جهته، يقول المنتج سائد أنضوني: «عندما نتكلم عن قصة حب أو أية قصة حقيقية، نصل إلى نقطة حساسة، من الممكن ألا تكون على درجة من الأهمية للثقافات الأخرى، في غزة في مخيم اللاجئين تحدث هذه القصص الإنسانية يومياً، وعندما تعرض قصة حقيقية، وتظهر الجانب الإنساني والعاطفي فيها، فأعتقد أن هذا يكسبها شيئاً مهماً».
نجوم بلا احتراف
المشاركون في الأداء الصوتي في الفيلم غاصوا في سيكولوجية الأبطال لينقلوا أحاسيسهم من خلال نبرات الصوت رغم أنهم ليسوا من محترفي التمثيل، تقول بثينة السميري، التي قامت بدور فاتنة وهي أساساً من سكان قطاع غزة ولكنها تعيش حالياً بعيداً عن أهلها في رام الله: «أعيش أجواء الحصار فأنا أشتاق لرؤية أهلي في غزة ولكنني لا أستطيع زيارتهم، شاركت في هذا الفيلم كنوع من الشعور بالتقدير والتضامن مع عائلة شخصية فاتنة الحقيقية في غزة». وتضيف : «استمر عملي في الأداء الصوتي للفيلم حوالي خمسة أشهر بواقع فترات تسجيل وتدريب أربع أو خمس ساعات يومياً، تقمصت الدور بالكامل وعشته لدرجة لا توصف، وحين عرض الفيلم نال الاستحسان والتقدير من الجميع ولكني لا أفكر مطلقاً للتوجه للعمل السينمائي لأن هذا العمل دفعت له لأسباب كثيرة بداخلي وهو رسالة تحية لأهلي الصامدين في غزة، ورسالة للعالم الصامت عما يحدث في غزة أيضاً».
أمل فاتنة
تقول شادن سليم، التي قامت بالأداء الصوتي لشقيقة فاتنة «أمل»: «فاتنة تحاول اجترار الأمل في البحث عن العلاج داخل قطاع غزة، لكن تشخيصات الأطباء السطحية والمفارِقة تخيب ظنها، فبعضهم يعيد سبب الورم في صدرها إلى «دلع البنات»، وأنه سيختفي في حال زواجها، وآخر يؤكد أن حمالة الصدر هي التي تسبب لها الألم، لتكون الإجابة في نهاية المطاف واضحة علاجها غير متوفر «هنا» وإنما في إسرائيل. لتطرق «فاتنة» الباب الأخير لعلاجها، باحثة عن تصريح يمكنها من دخول أحد المستشفيات الإسرائيلية حيث تخضع لعملية استئصال للثديين، بعد فشل العلاج الكيميائي». وتضيف ثوابتة : «التفتيش المذل على معبر «إيريز» في طريق العودة، يفضح الوجه الآخر للعذاب، إذ تجبرها الجندية الإسرائيلية على خلع قميصها ليراها جندي آخر دخل غرفة التفتيش. وكل هذه الأشياء تظهر المعاناة النفسية لفاتنة وكذلك أسرتها وخاصة أمل شقيقتها والتي تحاول قدر المستطاع التخفيف من معاناتها وتشاركها رحلاتها للعلاج». ينتهي الفيلم الذي استغرق فقط ثلاثين دقيقة على الشاشة بمشهد أمل وهي تفتح النافذة لأختها، وهي النهاية المفتوحة لموت يفتح فاه.
لطيفة غير اللطيفة
نبال ثوابتة التي قامت بدور الممرضة لطفية والتي تلجأ لها فاتنة هي وشقيقتها أمل في مستشفى الشفاء في غزة فتقول: «دوري كان صعباً، يجب أن أبدو جافة وحادة الطبع وهي الشخصية المناسبة لممرضة مسحوقة في أوضاع صعبة حيث لا كهرباء ولا رواتب ولا حياة جيدة في ظل الحصار فترينها تحاول أن تصب غضبها على من حولها وهي في قرارة نفسها تعرف أن كل من يدخل المستشفى هو في طريقه للموت بسبب نقص الإمكانيات فلذا فهي لا تؤدي عملها كما يجب»

اقرأ أيضا