الثلاثاء 17 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ريم بسيوني في رائحة البحر تعرّي الفساد
14 أغسطس 2005


بقلم ـ د· صلاح فضل:
ريم بسيوني أستاذة مصرية شابة، حصلت على الدكتوراه في تحليل الخطاب السياسي من جامعة أوكسفورد، واستبقتها الجامعة الإنجليزية العريقة لتقوم بالتدريس فيها، ثم دعتها بعض الجامعات الأميركية للمحاضرة فيها عن الفكر والثقافة والأدب العربي· لكن قلبها مازال معلقا بمدينتها الأم وجامعتها في الإسكندرية، وخيالها يعمل في الحياة المصرية، بينما عقلها مازال يفكر أيضا باللغة العربية· كانت قد نشرت من قبل عددا من القصص المتناثرة لم يلبث أن محاها الغياب عن أرض الوطن، لكنها تعود اليوم إبداعيا لتنضم إلى كوكبة الكاتبات الجامعيات، من الباحثات في الآداب الأجنبية، ممن يتأملن مشكلات الحياة المصرية، ويستهويهن تجريب الإبداع الروائي، فيقدمن عوالم جديدة ومدهشة، يضعن فيها خلاصة معرفتهن الجمالية في دراسة الأدب، وخبرتهن الإنسانية، والأنثوية على وجه الخصوص في تقديم رؤية نافذة وناقدة للحياة·
ومع أن 'رائحة البحر' هي روايتها الأولى، فهي لا تحمل سمات كاتبة مبتدئة، بل تشي بقدر كبير من النضج والوعي بأصول الكتابة، وتتميز بقدرة لافتة على التدفق في الحكي، والخبرة بتشكيل النماذج وإدارة المواقف وخاصة في الكشف عن أسرار عواطف المرأة وتقلباتها وهواجسها الداخلية وذبذبات علاقتها بمن ترتبط بهم وكيف تتراوح بين الحب المفرط والكره المفاجئ، كما تعرض لحالة خاصة من علامات تدهور السلوك الجامعي وانتصار الفساد في المرحلة الأخيرة·
رمزية الروائح
يفاجأ القارئ في مطلع الرواية باقتباس تمهيدي غريب، مأخوذ عن إحدى الملاحم اليونانية التي تحكي طرفا من أسطورة قديمة عن أوربا - الإله الإغريقي زيوس، حيث تقول: 'أيتها الشواطئ، أخبري أبي الحبيب أني أنا أوربا قد تركت وطني، راكبة على ظهر ثور، وهذا الثور هو مغتصبي وبحاري، وأظن أنه رفيق فراشي'· مما يفتح أمامنا أفقا عريضا من التوقعات· يخترقها سؤال حيوي عن علاقة هذا الرمز بصوت الرواية من ناحية، وأحداثها ودلالاتها من ناحية أخرى، لكننا لا نلبث أن نجد توظيفا ذكيا لهذه الإشارات في المواقف التالية مباشرة·
اللافت للنظر أن القص يبدأ بصوت إحدى الشخصيات وهي الدكتورة جيهان، ثم ينتقل إلى الشخصية المحورية 'رانيا' التي تنبهنا الرواية إلى أهميتها منذ الإهداء الذي يتوجه 'إلى كل مصرية بداخلها رانيا' ثم يتولاه الراوي وهو يسبر الشخصيات والمواقف من الداخل إلى الخارج، ولعل هذا أن يكون الملمح الوحيد الدال على أن ريم ما تزال في مطلع تجربتها الفنية، تتردد بين التخيلات الموهمة بأصوات النساء حينا والرجال حينا آخر قبل أن تتخذ منظورها الحاسم الموجه لرؤيتها في تمثيل الحياة بضمير أنثوي صريح ومتفرد·
على أن الشخصية المحورية الأخرى في الرواية هي الدكتور علاء الذي تقدمه زميلته في الكلية والمستشفى قائلة: 'علاء عبد الله، يحبه الكثير ويكرهه الكثير، خاصة من أساتذة كلية الطب، هذا الشاب العائد من بريطانيا يظن نفسه عالما بكل شيء، لا يحب الوساطة ولا الإطراء علي رؤسائه، كما لا يحب الكسل، بل يعمل بجد إلى حد مخيف، لماذا عاد علاء من بريطانيا؟ ربما افتقد رائحة (تقلية) القلقاس الذي تصنعه أمه منذ سنين بعيدة، كان يعود من المدرسة ويشم رائحة (التقلية)، التوم الكزبرة الخضراء والسلق لم تترك أنفه· افتقد أيضا رائحة البحر، رائحة الملح الطازح الممتزجة بذرات الرمال الدافئة كانت تعطيه الإحساس بالأمان والحياة· وعندما عاد وجد للبحر روائح مختلفة وكريهة'· إذا كانت رائحة القلقاس والبحر هي الحبل الذي شد علاء وأعاده للوطن، فإن غالبية الروائح الكريهة هي التي ستحيل حياته إلى مأساة موجعة يتجلى فيها ما آل إليه أمر علاقات الناس في هذا الوطن· فإذا ما أخذت الرواية في نسج خيوطها الأولى رأينا كيف تتأجج مشاعر الغيرة المحتدمة حول الدكتور علاء، فعلى المستوى العائلي تخشى زوجته رانيا من حب غريمتها الدكتورة جيهان له، وعلى المستوى الجامعي مع عقد أستاذه الدكتور عبد الكريم عليه، لنجاحه في تشخيص الأمراض، وعطفه على المساكين، وبعده عن الشبهات، وإخلاصه المثالي في أداء عمله وصرامته القاسية في مواجهة الانحرافات الوظيفية·
يهرع الدكتور علاء إلى منطقة السلسلة على الشاطئ السكندري، ينظر مليا إلى التمثال الذي يجسد الأسطورة اليونانية، معظم أهل الإسكندرية لا يعرفون معنى هذا التمثال، ومع ذلك فكلهم يحترمونه، ويأتي العرسان هنا لالتقاط صورة الزفاف، وكأن قصة غواية أوروبا على يد زيوس في قلب كل أهل الإسكندرية، عندئذ تشع بعض البوارق الرمزية في هذا التمثال السكندري الذي تنطلق منه الكاتبة تجسد صراعا مركبا بين الغواية والنبل في حياة الدكتور علاء والمجتمع المصري بأكمله·
قوة النماذج الأنثوية
تقدم ريم بسيوني في هذه الرواية عددا من النماذج الأنثوية المقنعة في مقدمتها رانيا التي تبدو للوهلة الأولى نمطية وطريفة، لكنها لا تلبث أن تكتسب حيوية عارمة في المواقف والأحداث المشحونة بالتفاعل مع الشخصيات الأخرى، حيث تتجلى طبيعة المرأة في نزقها وصلابتها وهشاشتها معا·فهي زوجة متعلمة جامعية لكنها تتفرغ لرعاية أسرتها، تؤرقها فكرة واحدة هي عدم الثقة في جمالها وفتنتها، والخوف من فقد زوجها النموذجي الذي تتوق كل النساء إلى الاقتران بمثله، فهي لا تعرض نفسها للشمس كي لا تزيد بشرتها سمرة، ولا تبدو أمامه إلا في كامل زينتها· وقد وعت نصائح أمها الخبيرة بألا تأكل معه حتى لا يظن أنها نهمة مفترسة، 'فالرجل يحب المرأة الرقيقة التي لا تأكل ولا تذهب إلى دورة المياه' كما أنها لابد أن تطفئ النور إذا اختلى بها حتى لا يرى ما عساه أن يكون الإنجاب قد ترك على جسدها من آثار، وتكره أن ينظر أحد إلى طعامها قبل أن تقدمه إلى زوجها، فالأكل المنظور لا يؤكل، وهي تكره الطبخ لكنها تعلمته من أجله، ولا تستعين بخادمة، فالخادمة قد تنظر إلى الطعام الذي تعتبره رانيا كالفتاة البكر يفقد عذريته ونضارته بالنظر، ومع أنها تجتهد في القراءة والاطلاع حتى تكون جديرة بمحادثة زوجها غير أن مشكلتها المتفاقمة هي زميلته الحسناء الدكتورة جيهان، فهي ترى في عينيه دلائل حبها مع أنها متزوجة، وتتوقع كل يوم أن يهجرها بسببها بالرغم من معرفتها الأكيدة بإخلاصه وتدينه ومثاليته المفرطة· تكشف الأحداث بالفعل عن هذه المثالية، فالدكتور علاء يضحي بثروته لإنقاذ أخيه الذي يحتاج إلى جراحة عاجلة في الخارج، بعد أن ابتلي بزوجة متلافة نهبت دخله ورفضت مساعدته دون أن يستطيع مراجعتها أو البعد عنها· يذهب علاء بصحبة أخيه إلى لندن، لكن الدكتورة جيهان تلاحقه هناك لتقف بجانبه ولتبشره بأنها قد استطاعت في النهاية أن تتحرر من زوجها بالطلاق، لتصبح خالصة لحبه، يصدها علاء بقسوة لأن ضميره المثالي المتطهر لا يسمح له بمطاوعة هواه بالرغم من مبادلتها العواطف الجياشة المكتومة بقناع العفة·
محنة الفساد الجامعي
وكأن الأقدار كانت تدخر لعلاء محنة شديدة، إذ يفاجأ بعد عودته باستدعاء عميد كليته له خلال عطلة العيد، فالأمر عاجل لا يحتمل التأجيل، إذ أن هناك دعوى مرفوعة ضده بالتحرش الجنسي بإحدى طالباته، وهي قاصر راسبة في السنة التمهيدية ولديها شهود إثبات أكدوا أنهم رأوه يحاول الاعتداء عليها أكثر من مرة، وهم الممرضة عفاف وعامل المعمل خليل، إضافة إلى الدكتور عبد الكريم نفسه الذي شهد بأنه رأى الواقعة وعمل على إثباتها في تقرير الطب الشرعي، القضية شديدة الإحكام في تلفيقها وإدانتها له· فعلها عبد الكريم كي يذل أنفه ويحطم مستقبله، يتم إيقافه عن العمل وتحقق النيابة معه وتحيل الأمر للقضاء مفرجة عنه بكفالة· تدور الدنيا به، خاصة عندما يقرر إخبار زوجته رانيا، وتشتد صدمته ودهشته عندما تسأله، ولماذا تحرشت بها ولم تفكر في ولا في أولادك وأهلك'· إنها تصدق المكيدة، بل أكثر من ذلك توقف عقلها عن التفكير، وفي نوبة تحول مذهل أخذت ترميه بالتهم: 'فعلت هذا وأكثر، رأيتك وأنت تتوق لها، تريدها، كنت تريدها هي؟ أليس كذلك؟ لم تحبني يوماً، أناني فقط أناني، تزوجتني لتتسلق كتفي وتصل إلى ما تريد، لم تفكر في'· لقد خلطت المرأة بين هواجسها وصراعها الداخلي ومأزق زوجها في مواجهة المؤامرة الأليمة التي حيكت له· والعجيب أنها تشعر ببعض السعادة في التشفي فيه، وتريد أن تجرحه أكثر فتصرخ في وجهه بأنها لا تحبه، ومازالت معلقة بحب رجل آخر هو خطيبها وقريبها محمود، عندئذ تنتابه حالة من الغضب الجامح فيصفعها ويهجر البيت، انهار كل شيء في ناظريه·
تحولت الزوجة الوديعة إلى كائن مفترس، خذلت رجلها في بداية محنته وقست عليه، لكن المفارقة أنها لا تلبث أن تقترب منه بطريقة مختلفة، عندما تراجعها أمها وأختها تبذل جهداً خارقاً لاسترضائه واستعادته، ترفض أن تبيع أشياءها كي تدفع للمحامي الذي يتولى قضيته كي تجبر أخاه على رد الدين له، وعندما لم تفلح هذه الطريقة ووصلت القضية إلى مرحلة حاسمة تبيع سيارتها وشقتها كي تدفع مبلغاً خيالياً للشهود كي يعترفوا بالحقيقة ويدينوا من حرضهم على المؤامرة، يرفض علاء المثالي هذا الحل لأنه بريء لا يريد أن يدفع ثمن جرم لم يرتكبه لكن الزوجة بحسها الواقعي ورغبتها العاصفة في إنقاذ زوجها تنتصر له وتكسب قضيته· وعندما انزاحت السحابة الكثيفة عن سمائه اكتشف الدكتور علاء مرة أخرى زوجته حيث اعترف لنفسه أنه 'لم يكن يحبها، فقط أحبها في الأشهر الماضية، كرهها ثم أحبها، لا يدري، اختلطت عليه الروائح، حتى استنشق رائحة حبها فقط، ابتسم لنفسه في شيء من السخرية؛ هذه المصرية، القمحية اللون، الهادئة الوديعة البريئة، تستطيع أن تكون وحشاً كاسراً، بداخلها قوة وتصميم لم ير مثلهما من قبل'، وإذا كانت هذه القوة قد انتصرت في الحياة الخاصة فمن لمصر بإرادة موازية لها كي تنتصر في الحياة العامة·
ينشر بالترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©