الاتحاد

دنيا

المسيري: المثقف التبريري لا يستحق أن يحمل لقب مثقف


القاهرة ـ أحمد الجندي:
قبل أن يناقش اهل الندوات والمؤتمرات والاجتماعات علاقة المثقف بمجتمعه كان ينبغي ان يحددوا تعريفا واضحا للمثقف في زمن اختلطت فيه المفاهيم والأوراق·· وأسوأ ما في المثقفين العرب الآن هو أنهم يطلقون على أنفسهم النخبة أو الصفوة وهو اسم سيء يدل على التعالي والانعزال عن المجتمع·· كما انه اسم يحمل غير قليل من العنصرية والتمييز المقيتين·· رغم أن المثقف ليس ذلك الذي يدعي انه يبدع ادبا أو فنا أو يكتب في أي مجال·· ولكن المثقف هو ذلك الذي يشغله هم عام لا خاص ويعي ويدرك ما يدور حوله ولديه القدرة على التمحيص والتحليل والاستنباط حتى اذا لم يكن يجيد القراءة والكتابة·
وفي ندوة 'دور المثقف العربي في الحياة العامة' بالقاهرة قال المفكر المصري د·عبدالوهاب المسيري ان المعادلة الصعبة التي تواجه المثقف أو المفكر العربي هي نموذجية العلاقة بينه وبين المجتمع، لأن الصورة الشائعة هي ان المثقف إذا كان قريبا من السلطة كان بعيدا عن المجتمع والمثقف القريب من مجتمعه مشتبك دائما مع السلطة، وهناك المثقف المشتبك مع اقرانه من المثقفين والدولة والمجتمع معا·
واضاف: 'اننا كعرب عندما ندرس النظام العالمي الجديد نتحدث عنه كأنه مجرد ارقام اقتصادية وحدود دول وأنظمة حكم وهذا خطأ كبير، وقد اشرت إلى هذا الخطأ في العديد من المحاضرات والندوات بمعظم الدول العربية، وقلت انه يجب ان نتناول النظام العالمي الجديد من خلال صورة الإنسان الكاملة أي الإنسان الاقتصادي الاستهلاكي اي القادر على الانتاج والاستهلاك وكل الخلفيات والمقومات الثقافية والاجتماعية والحضارية والتاريخية والدينية والمذهبية والفلسفية· وليس ضروريا ان تكون للمثقف مشاركة سياسية تأخذ شكلا رسميا حتى نقول انه يؤدي دوره في الحياة العامة بشكل سليم ومنضبط· لأن المثقف يمكنه ان يؤدي هذا الدور دون ان يكون له منصب سياسي بل كلما كان بعيدا عن المناصب السياسية امتلك قدرا كبيرا من حرية الحركة في قيادة الجماهير'·
دفاع عن الذات
وأضاف المسيري: 'إن المشاركة السياسية للمثقف ولأهل الفكر ضرورية، وتاريخ مصر يؤكد ان الفكر والسياسة في تلاحم· فالسياسة جزء من الفكر والفكر جزء من السياسة وكل منهما منفردا يصبح شيئا مجردا بعيدا عن الواقع، وعلى المثقف الملتحم مع مجتمعه ان يسعى في سبيل تحقيق هذا التلاحم· أما المثقف المنطوي المتقوقع على نفسه فانه يعاني نرجسية الفكر والتعالي والانفصال عن المجتمع ود· جمال حمدان عندما اعتزل الناس لم تكن هذه نرجسية وانما كان نوعا من الاحتجاج على المجتمع·
واكد ان نرجسية المثقف غالبا ما تكون نوعا من الدفاع عن الذات عندما يصطدم بتيارات معارضة شديدة في المجتمع أو السلطة لهذه الأفكار ونرجسية المثقف ليست مرضا عضالا ويمكن التخلص منها من خلال مزيد من الحرية والوعي واستيعاب الآخر من جانب الدولة والمجتمع وأن تكون لدى المثقف الرغبة الأكيدة في التلاحم مع مجتمعه'·
إعلام تافه
وقال: 'اننا نعاني من اعلام حكومي تافه لا يرسخ مفهوم المعرفة والثقافة لدى الجماهير والمجتمع، ويتعامل مع المعرفة على انها مجموعة من المعلومات عليه ضخها في اذهان الجماهير وهذا خطأ كبير لأن المعرفة الحقيقية هي عقل انساني يقوم على الفهم من خلال التفسير والتحليل لكل ما يحدث وليس مجرد معرفة ما يحدث'·
وأكد ان التغيير لا بد ان يكون من خلال سياسات جديدة، فالتعليم الحالي- مثلاً - لا يصلح بكل نظمه واساليبه فهو تعليم سياسي يعتمد على نظام وضعته الدولة من أجل ان تكون لديها سياسة تعليمية تستوعب كل الطبقات حتى لا تكون هناك أمية في المجتمع، وهو تعليم يعتمد على الكم لا الكيف، لا ان تكون لدينا نخبة نهتم بها ونركز عليها وهي ليست نخبة طبقية بل عقلية وهذه النخبة العقلية لو حصلت على الرعاية فستكون قادرة في المستقبل على قيادة الفكر وصنع القرارات الصائبة· وهذا معمول به في كل الدول المتقدمة· وفي بلادنا تتعدد الجامعات لكنها لا تعمل بالشكل والاسلوب الذي يساعد على الابداع والابتكار واطلاق حرية الفكر'·وحول دور البيئة والتنشئة قال' 'ان البيئة كلمة عامة لابد ان نحددها وهل هي ثقافية أم اجتماعية ام مادية· لان البيئة تؤثر في الانسان لكن على عكس ما يتصور الفكر المادي الذي يرى انه يمكن رد الانسان بأكمله إلى المادة وهذا غير صحيح فالإنسان يتأثر بكل العوامل'·
مرحلة انتقالية واشار إلى ان العالم العربي في حالة انتقال فالنظم التي حكمت بعد عام 1948 اخفقت تماما في مواجهة العدو الصهيوني والغزو العسكري والثقافي والسياسي الغربي· والتنمية الاجتماعية وانشاء ديمقراطية يمارسها الشعب· ودور المثقف ان يكشف الحقيقة للناس وان يساعد في عملية الانتقال لان هذا الانتقال يجب ان يكون منظما وسليما، والاشكالية القائمة حاليا هي بين نخبوية الطبقة المثقفة ونخبوية الرأي العام حول الاحداث اليومية الآنية· ففي المرحلة السابقة تم تعطيل كل المؤسسات التي تزيد وعي الجماهير وكانت الاحزاب السياسية تقوم بدور اساسي في ذلك، أما الأحزاب الموجودة حاليا فهي غير ناضجة، كما أن الجماهير اسقطت الاعلام الحكومي الذي يعمل على طمس الحقائق وتعمية الناس· والجماهير في العالم العربي ذكية للغاية والدليل على اننا خلال انتفاضة الأقصى فوجئنا بالجماهير العربية التي من المفروض انها مغيبة تتحرك وتتلاحم وهذا يعني وجود شيء كامن في داخلها كذلك موقف الشعب المصري من التطبيع مع إسرائيل وهذا في حد ذاته يشكل وعيا جماهيريا فمنذ معاهدة كامب ديفيد مع اسرائيل تم توقيع 80 اتفاقية ما بين تجارية وثقافية لم ينفذ منها سوى عدد محدود لأن الشعب غير موافق على التطبيع'·
وحول ما يتردد عن الاصلاح السياسي والديمقراطي قال: 'القضية ليست في الديمقراطية أو الاصلاح الدستوري بل هي قضية تغيير شامل لأن هذا التغيير سيفيد الجماهير ويرفع عنها الأعباء· ولابد ان نتذكر ان هناك رغبة عامة في التغيير ودور المثقف هو إحياء الوعي السياسي لدى الجماهير حتى تكون مشاركتها ايجابية في هذا التغيير لأن المثقف يقرأ الماضي الذي هو امتداد للحاضر ومن خلال فهمه وفكره يكون لديه استشراف للمستقبل'·
وطالب بمساحة أكبر من الحرية امام المثقف لكي يشارك في قضايا وطنه ومجتمعه، مؤكداً أنه بدون الحرية لن يفعل شيئا·
المثقف التبريري
وأكد ان 'المثقف التبريري' الذي يبرر اخطاء السلطة ويدافع عنها لا يستحق ان يحمل لقب مثقف أو مفكر وسوف يسقط لأن الجماهير قادرة على التمييز بين الحقيقي والمزيف، وهؤلاء المدافعون عن اخطاء النظام ليسوا مثقفين أو مفكرين بل موظفين كما ان المثقف الذي يجامل السلطة الظالمة لا يستحق وصف انسان لأنه يتنكر لأهم القيم الانسانية والاسلامية وهي ان يكون مع الحق ضد الظلم· وما يميز المثقف الحقيقي عن الانسان العادي ان المثقف يقرأ التاريخ والاحداث ويستوعبها ويحللها لكن الانسان العادي يعيش اللحظة·

اقرأ أيضا