الخميس 19 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الجريكو الإغريقي المتمرد
الجريكو الإغريقي المتمرد
14 أغسطس 2005


لا تذكر إسبانيا القرن السادس عشر إلا ويطلع على البال وجه من التاريخ، إنه وجه الفنان العبقري دومنيكو تيوتوكوبولوس المشهور باسم (الجريكو)، هذا الفنان الذي وضع اسم إسبانيا في سجل التاريخ، عندما تخطى بأعماله حدود مكانه وعصره ليؤشر إلى مساهمة إسبانيا في صنع العبقرية الإنسانية في الفن·
لكن من هو الجريكو هذا؟
وما سر عبقريته؟
ولماذا اختلف مع مايكل إنجلو؟
مولده ونشأته
ولد الجريكو في سنة 1541م في مدينة كاندي بجزيرة كريت، وفي هذه الجزيرة تفتحت مواهبه الفنية، حيث تعلم صنع الأيقونات البيزنطية على يد أحد رهبان الجزيرة· وكانت كريت من بلاد جمهورية فينيسيا في هذا الوقت تجمع مزيجا من الكاثوليك الفينيسيين واليونان الارثوذكس وتتبع لإيطاليا، ولقي الجريكو في كريت مدرسة شائعة مزدهرة للفن القوطي تصاحبها تأثيرات فينيسية، فتأثر بحرفية الفن البيزنطي من بعض الوجوه وبنغمة الحياة والحركة في الفن الإيطالي من وجوه أخرى، كانت أسرة الجريكو واسعة الثراء فأتاحت له ظروفه الاجتماعية أن يتلقى ثقافة كلاسيكية رفيعة امتزجت في نفسه بالإنسانية الإيطالية·
بعدها انتقل إلى ايطاليا وطاب له المقام في البندقية التي نمت ثقافته الفنية على أيدي أساتذتها، ففي تلك الفترة كانت البندقية تتميز باتجاه في الفنون التشكيلية حمل اسم (مدرسة البندقية) وكانت إذاك في أوج مجدها، وعصر النهضة أذهل العالم أجمع بإبداعاته العبقرية·
مناخ ملائم
قدم الجريكو فينيسيا في سن باكر حاولي عام 1560م فوجد في هذا المكان المناخ الفني الملائم لتنمية أسلوب فنه على الخط الشرقي ممثلا في الفن البيزنطي والخط العربي ممثلا في الفن الإيطالي· وتشير الوثائق إلى إن الجريكو تتلمذ على تيسيان ثم وقع فترة تحت تأثير تينتوريتو فقد وجد لديه صدى لثورة نفسه الداخلية ومنفذا للتعبير عنها كما تلقن منه طريقة توزيع الأشخاص والمجموعات في اللوحة وعلاقة الأشخاص بالفضاء، وكذلك استوحى من فيرونزي بعض اتجاهاته في التكوين والثراء اللوني في لوحاته، لكنه على ما تشير أغلب المصادر أعجب بالفنانين تيتيان وتنتورينو إعجاباً خاصاً، وعمل في مرسم الرسام تيتيان وأنتج صورا عدة منها: 'صورة الزواج في كانا'، 'عبادة المجوس'، تطهير المعبد وغيرها·
روما·· طردته
ومن البندقية إلى روما، مضى الفنان في إبداعه وذاع صيته واعتبره النقاد من عباقرة الرسامين، والتقى بالكاردينال فارتيز غير أنه تعدى حدوده في رأي الايطاليين عندما تطاول على فنان ايطاليا العملاق مايكل أنجلو، وما حدث أنه بعد انتهاء أنجلو من رسم لوحته الضخمة على جدار كنيسة السكستين، ورسم كل أشخاصها عراة كما كان متبعا في ذلك الوقت، ما كان من إلجريكو إلا أن تقدم إلى البابا واقترح عليه أن تهدم اللوحة تماما، وأبدى استعداده أن يقوم هو نفسه برسم لوحة أخرى غيرها لا تخدش الحياء ولا تقل روعة عن لوحة مايكل أنجلو!
عندها، جن جنون الإيطاليين وثار عليه الرأي العام مطالباً بطرده من إيطاليا، ناعتاً إياه بـ 'الأجنبي الدخيل'، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ذهبوا إلى حد مضايقته والتحرش به، ولم يكن أمامه سوى أن يترك ايطاليا كلها وهاجر هاربا إلى إسبانيا· وأغرب ما في الأمر أن إلجيركو ظل طول حياته لا يقدر فن أنجلو، وقد سئل في أخريات أيامه عن رأيه في فن أنجلو فقال في إصرار: 'رأيي في مايكل أنه رجل فاضل، ولكنه ليس جيد الرسم'!
وإن كان بعض الباحثين يرجعون انتقاله هذا إلى عبقرية الجريكو وتطلعه الدائب ورغبته في الوقوف عند مواطن الإبداع في عصره·
من روما إلى إسبانيا
عندما غادر إلجريكو إلى إسبانيا كانت تجربته الفنية قد نضجت، وأورقت وأثمرت لوحات رائعة، وغدا هو رساما بارعا، ولهذا السبب كان أهل طليطلة يحبونه ويقدرونه باعتباره فنانا من مدرسة البندقية رغم غطرسته، ونرجسيته، وقسوة طباعه، من هنا انهالت عليه الطلبات من شتى الجهات الرسمية وغير الرسمية، لرسم لوحات وصور شخصية لا حصر لها·
لم تعرف عبقرية الجريكو مكاناً او زماناً، بل تجاوزت الحدود والجغرافيا، وإذا كان الجريكو قد تشرب ملكة التعبير اللوني من فينيسيا فإنه تلقن من روما براعات التعبير بالشكل· وحاول عبر هذه التجربة الثرة أن ينجز بعض أعماله التي أراد أن يطاول بها حلم ميكل انجلو الذي سجله على قبة السستينا·
ليس بالإمكان في هذه العجالة أن نسرد كل أعمال الجريكو، ويكفي إن نشير إلى بعض لوحاته المهمة: الروح القدس، كاردينال تافيرا، دفن كونت دي أوجاز التي تعد من أهم أعماله الممثلة لجماع تجاربه الفنية والتي تحمل جوهر التلاقي بين الشرق والغرب في فنه·
غرابة وضياع
إن أعمال الجريكو تحقق لقاء معجزا بين السماء والأرض في عالم خاص يضرب في غياهب المجهول وتعيش فيه كائنات متطلعة إلى ما وراء الأشياء لا تفكر في وجودها بقدر ما تحلم بما إليه تصير، كائنات تتخذ ملامحها وثيابها وزينتها من عالمنا ولكنها مع ذلك لا تشبهه، وأشخاص الجريكو فيها شيء من الغرابة وشيء من الضياع كأنها كائنات معلقه بين الحياة والموت·
وفي لوحاته أهمل الجريكو خداع البصر ولم يعن بأساليب التجسيد، وإنما اتجه نحو التعبير عن العمق النفسي من خلال المسطح عن طريق التحوير الذي يدخله على الأشياء والأجسام الممتدة في استطالة غريبة والنظرات الغارقة في الحيرة، واستخدام أقصى طاقات اللون التعبيرية· وتجمع أعماله بين روح العصر الوسيط وروح النهضة·
ويمكن القول بأن أعمال الجريكو تسبق الزمن الذي عاش فيه بسنوات عديدة ، بل إنها تتفوق على الكثير من الأعمال الجريئة والتجريبية الناجحة للفن الحديث، ويرى الناقد الفني جوليو بايرو أن الجريكو يعد أكثر الرسامين الذين ينتمون لعصر النهضة والأكثر جرأة في الخروج عن التقاليد المألوفة في الرسم ، كما يعد من بين جميع الرسامين المعروضة لوحاتهم في متحف ألبرادو حالة خاصة وسط الرسامين الأسبان قبل جويا، وتضم مجموعة مدريد في متحف ألبرادو 33 عملا لألجريكو ، من أهمها لوحة (النبيل الذي يضع يده على صدره)، وهي واحدة من أشهر الأعمال، وتمتاز بدقة التصوير، وروعة الألوان، ونبض الإحساس، ولوحة (القديس) جون التي أبدع الجريكو في استخدام الألوان، ولوحة الدكتور دي لا فونت، وبورتريه (ترينتي) الرائع الذي يضاهي أعمال مايكل أنجلو في سنواته الأخيرة·
بقي أن نقول إن إلجريكو أقام مع أسرته في طليطلة حيث أنجب ابنه جورج مانويل، الذي صار عندما كبر رساما بدوره، وظل إلجيركو يعمل حتى قارب على السبعين، ومات في طليطلة سنة 1614

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©