الاتحاد

الملحق الثقافي

التحول الدلالي للرمز في الفن التشكيلي

وظف الكثير من الأعمال الفنية الرمز بوصفه صيغة للتعبير عن الموضوع أو الفكرة، وانزياح تلك الأعمال بعيداً عن المباشرة، وتشفيرها بما يتلاءم وطبيعة الموضوع ومنحه إمكانية تأويلية يمكن أن تغني العمل الفني ذاته جمالياً، فضلاً عن إنعكاس الرؤية الفنية للفنان التي يمكن استقراؤها في ضوء طبيعة الرمز الذي يعني فن انتخاب نماذج تتطابق مع أفكار مجردة بوصفه علاقة لدلالة شيء ما أو فكرة يتم الاتفاق عليها فيما بعد مثلما فعل بيكاسو (حمامة لكي تمثل السلام). قد تختلف العلاقات الرمزية عن العلاقات التشاكلية، بمعنى أن التشاكل هو التشابه التام في الشكل بينما يكون الرمز هو دلالة فكرية تحيل إلى عدم التطابق أو التشابه، ويضع (صلاح فضل) أربعة شروط لمعرفة الرمز، هي: خاصيته التشكيلية التصويرية وقابليته للتلقي وقدراته الذاتية وتلقيه كرمز، وقد اكتسبت تلك الرموز وجودها أو معناها الاصطلاحي من حيث دلالتها الفكرية، مثل (حمامة السلام).

لقد استخدمت المرأة مثلاً كرمز مع اختلافها الدلالي من حيث تحولها في السياق النصي، إذ كان القوام الأنثوي هو الموتيف المركزي لأعمال (هنري مور) النحتية بوصفها رمزاً اتخذه في أغلب أعماله وبأوضاع مختلفة، في وضع الجلوس أو الوقوف أو الاضطجاع أو ممسكاً بطفل في سلسلة (نساء مضطجعات). فمرة كانت تدل على أمومة المرأة وأخرى على أنها آلهة الأرض، وهذا الفهم ينطبق على امرأة (جواد سليم) في نصب الحرية التي تكررت مرات عدة، بيد أنها تختلف من حيث المضمون الفكري لها، إذ كانت في الأولى الأم الحاضنة للطفولة والبراءة وفي أخرى كانت الكادحة المكافحة، وهكذا لو انسحب الأمر على رموز أخرى مثل الخيول التي جاء بها (فائق حسن) ميزت أغلب أعماله بما تعنيه من رمز للصحراء والأصالة والتراث ولكنها عند (جواد سليم) كانت النافرة الجموحة تمثل عدم الوضوح والاستكانة في التمثال النصفي للفرس. الرمز في التشكيل مختلف عما هو عليه في الشعر، كونه يأخذ شكلاً عيانياً بصرياً في جميع الأعمال ليتيح للمتلقي إمكانية تأويل عدد من الحركات والإيماءات التي تعد شفرات تصبح فيما بعد نظاماً للرموز الموجودة أو للرمز الواحد أحياناً. وبالتأكيد فإن المرأة أو الشخوص عند النحات (صالح القرة غولي) لا تتساوق دلالياً مع امرأة (مور) أو (محمد غني حكمت) من خلال بنية الشكل ذاته. فعند (القرة غولي) طويلة شاخصة ذات ملامح حادة تحيل إلى تاريخ معين هو فنون العراق القديم أما عند (حكمت) فإنها طويلة منسابة رقيقة، وبهذا يمكن قراءة الرمز بشكل مغاير عند كل واحد من هؤلاء والأمثلة كثيرة لو تتبعنا الأعمال على نحو تفصيلي وتحليلي، وقد كان للون دلالته وتحولاته البنائية بوصفه رمزاً آخر يضاف إلى تلك الرموز، فهو مختلف من (بيكاسو) إلى (فائق حسن) أو لدى (شاكر حسن آل سعيد) الذي يرتبط عنده بدلالات الفكر الصوفي وهو ما نلحظه في العلاقات اللونية للوحة مؤسساً علاقات بنائية مع الأشكال التكوينية لمجمل البناء العام في العمل الفني، وهذا ما انسحب على جماعة الحروفيين في العراق أو الذين جعلوا من الحرف العربي رمزاً في اللوحة التشكيلية في سوريا ومصر، بما يحيل إلى خصوصية محلية عربية وإسلامية، بيد إن القراءة التأويلية تتفاوت عند كل منهما، فالحرف عند (ضياء العزاوي) بوصفه عنصراً فاعلاً في البنية الإنشائية أو الدلالية ليس مثلما هو لدى (رافع الناصري) أو (شاكر حسن آل سعيد) وآخرين. وبهذا يمكن أن يتحول الرمز دلالياً من خلال سياقه الإنشائي / التركيبي أو الفكري ضمن بنية اللوحة في ضوء موقعه واتجاهه (فوق / تحت) (يمين / يسار) أو شكله كما في الحروف العربية كما هو في حرف (الألف) العمودي الممتد إلى أعلى والذي يختلف عن الحروف الملتفة أو الأفقية، فهو يتحول حتى على مستوى وجوده في أعمال الفنان الواحد كما هو عند (جواد سليم ) أو (هنري مور) فلكل شكل دلالة ولكل رمز دلالته ضمن السياق البنائي، وطبقاً لهذا يكون تحوله الدلالي المتعدد، الذي يتيح للمتلقي إنتاج عدد من النصوص الأخرى المحايثة للنص التشكيلي الأصلي المكوّن من عدد من الرموز وقراءات متعددة تكون حصيلة العمل الجمالية في النهاية.

اقرأ أيضا