الاتحاد

الملحق الثقافي

وقائع رحلة باكستانية للصيد بالصقور

الصقر موضع إعجاب وتقدير في الدولة

الصقر موضع إعجاب وتقدير في الدولة

من أهم الذكريات التي سجلتها ذاكرتي لأيام البدايات في أبوظبي تعرفي على طائر جميل وهو الصقر الذي لم أكن أعرفه إلا من خلال الصور، وحتى لو عدت إلى ذكريات الطفولة والشباب فلم أكن أفرّق كثيرا بين الصقر والنسر، فكلاهما طيران جارحان قويان. من الأفلام التي شاهدتها والحكايات التي سمعتها رسمت صورة للنسر بأنه أقوى الطيور وأكثرها خطرا على الإنسان. لكن بعد تعرفي على الصقر تغير المفهوم لدي وأدركت لماذا يحترم أبناء الإمارات الصقر ولا ينظرون إلى النسر رغم قوته إلا أنه آكل للجيف ينتظر نفوق الحيوان والإنسان لينقض على الجثث وبشكل جماعي مثير للاشمئزاز.
الصقر طائر كريم عزيز النفس، شجاع، لا يأكل إلا من صيده ولا يقترب من الجيف أو الحيوانات الميتة. عندما ألقيت في أحد الأيام البيت الشهير للشاعر العربي التونسي أبو القاسم الشابي :
سأعيش رغم الداء والأعداء
كالنسر فوق القمة الشماء
سمعت معالي الدكتور مانع العتيبة يهمس بشيء من الحزن: ليته قال كالصقر بدلا من النسر .. فالنسر آكل الجيف. وليس الشابي وحده الذي وجد في النسر مثالا للقوة والمنعة، بل إن بعض الدول العربية تضع صورة النسر على عملتها الورقية والمعدنية لكونها شعاراً رسمياً للدولة. تعرفت على الصقر في مجالس الشيوخ وبعض رجالات الدولة في ذلك الزمن مثل معالي الدكتور العتيبة. كان الصقر حاضرا في تلك المجالس محمولا على يد صاحبه، هادئًا كأنه يصغي وعلى عينيه ذلك القناع الجلدي الذي يمنعه من الرؤية حتى لا يثار بمشاهد تجعله ينتفض أو يحاول الطيران. وعندما حضرت بعض التدريبات اكتشفت أن فن ترويض الصقر يجعل منه صديقاً لصاحبه يناديه فيجيب، يلوح له بما يشبه طائر الحبارى فيرد ويهاجم بمناورات ذكية جعلتني أدرك أنه يستحق ذلك التقدير والاحترام الذي كان يتمثل بعدة عناصر هي: ? الثمن المرتفع حيث وجدت أن بعض الصقور كان يصل ثمنها إلى مليون درهم وأحيانًا أكثر. ? الاهتمام الذي يلقاه الصقر من صاحبه بحيث لا يكتفي بتقديـم الطعام له بل إنه يناديه ويكلمه وكأنه صديق حقيقي. ? تقديم العناية الصحية وعرضه على الأطباء البيطرييـن المختصين وإجراء العمليات الجراحيـة وتقديـم الدواء، ومتابعة العلاج بكل حرص واهتمام. ? تأمين الإقامة المناسبة له حتى يبيت في جو صحي. ? التباهي به أمام الآخرين .. فمن يملك صقرًا يشعر أنه يملـك شيئًا مميزًا يشعره بالاعتزاز والفخار. ? المسح على رأسه وصدره باستمرار، وهذا ما لم أستطع أن أفعله رغم محاولاتي المتكررة. كان خوفي من أن يعض يدي يجعلني أتهيب من وضع يدي على رأسه وصدره. ما زلت أحتفظ ببرنامج تلفزيوني قمت بتسجيله في السبعينات بمناسبة انعقاد «مؤتمر البيزرة الأول» في أبوظبي صورت فيه تدريب الصقور واستمعت فيه إلى معالي الدكتور مانع العتيبة يتحدث بخبرته العملية عن أنواع الصقور، ومن ذلك البرنامج عرفت أن الصقور نوعان الحر والشاهين، وأن الحر أكبر من الشاهين حجما والشاهين أطول قامة وأكثر سرعة. بعض الصقارين يفضلون الشاهين عن الحر وبعضهم لا يقبلون إلا بالحر... عندما يكون الصقر غير مدرب يسمى بالوحش وعندما يصيد يطلق عليه في الموسم التالي للقنص «الجرناس» أي الذي قام بعملية الصيد في السنة أو السنوات الماضية. هذه المعلومات النظرية لم تترسخ في ذاكرتي إلا بعد قيامي بأول رحلة قنص كنت فيها مرافقا للدكتور مانع، وكان الدكتور مانع مرافقًا للمغفور له بإذنه تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان «طيب الله ثراه». كانت تلك الرحلة في السبعينات، وكانت وجهتها باكستان .. في مدرج خاص غير معبد، ولا يوجد فيه حتى برج مراقبة هبطت بنا طائرة خاصة تابعة للقوات المسلحة لدولة الإمارات العربية بكل سهولة مما يدل على أن الطيارين كانوا معتادين على ذلك المطار الذي لا شيء فيه يوحي أنه مطار. عرفت فيما بعد أن ذلك الموقع أعد لاستقبال هذا النوع من الطائرات التي لا تحتاج إلى مدرجات معبدة ويكفيها أرض صلبة مثل تلك الأرض المحاطة بالرمال الصحراوية. ولقد اختير ذلك الموقع لقربه من رحيميارخان ومن موقع القنص .. ومثل تلك الأرض كانت تسمى (مسطاح). وجدنا سيارات «لاندروفر» تابعة للشيوخ بانتظارنا.. حيث أقلتنا مع حقائبنا إلى المخيم .. أو القاعدة التي منها تنطلق جولات الصيد. وصلنا بعد هبوط الظلام .. وبانت الخيام أمام عيوننا المتعبة كأنها قصور. لم أخف دهشتي حينما أشار الدليل الذي رافقنا إلى خيمة صغيرة في طرف المخيم قائلا: هذه خيمة الشيوخ. قلت: الشيخ زايد؟ قال: نعم .. الشيخ زايد. ظننت قبل أن أصل أن الشيخ زايد رحمه الله يسكن في فيلا بنيت خصيصا لإقامته خلال موسم القنص ولكن ها هو يسكن خيمة عادية لا تختلف عن بقية الخيام، يفترش الأرض كالآخرين ولا يميز نفسه عن جماعته بأي شيء خاص. خصصت لنا خيمتان وضعنا فيهما حقائبنا وتسلم كل واحد منا بطانيتين ووسادة وفوطة واحدة. كان المخيم عند وصولنا نائمًا.. ولذلك أسرعنا بإعداد أماكن النوم ونمنا بعمق بعد تلك الرحلة الطويلة. في الصباح رافقت معالي الدكتور مانع إلى خيمة المجلس حيث يتناول الشيخ زايد طعام الإفطار مع ربعه ومرافقيه وقمنا بالسلام عليه وعلى المرافقين. رحب بنا بفرح وسأل عن عدد الطيور التي نحملها وحدد للدكتور مانع وجماعته جهة وموقعا للصيد لا نتعداه إلى غيره ولا نعتدي على مواقع حددت لجماعات أخرى. ونظرا لأهمية هذه الرحلة، فإنني أجد نفسي مطالبًا بتخصيص صفحة أخرى أتناول فيها ما سجلته ذاكرتي من أحاديث ذلك الرجل العظيم الذي كان يجد في الصحراء وفي حياة البداوة البسيطة ما لم يجده في القصور الفخمة وحياة الرفاهية. الرجل الذي كان يجد متعة في افتراش الرمال والتجول في الصحراء وممارسة هواية الصيد بالصقور محافظا على تراث أجداده العرب الأولين وعاملاً على إحياء هذه الرياضة ومنعها من الانقراض أو الاندثار.

تعرفت على الصقر في مجالس الشيوخ وبعض رجالات الدولة في ذلك الزمن. كان الصقر حاضرا في تلك المجالس، محمولا على يد صاحبه، هادئًا كأنه يصغي وعلى عينيه ذلك القناع الجلدي الذي يمنعه من الرؤية حتى لا يثار بمشاهد تجعله ينتفض أو يحاول الطيران.

اقرأ أيضا