الاتحاد

الملحق الثقافي

أحمد الملا: الشعر رتَّبَ فوضايْ وخفَّفَ من غرور الكائن في داخلي

ظهرت قصيدة النثر في السعودية أولاً مع ديوان الشاعرة فوزية أبو خالد في السبعينيات من القرن المنصرم، ولم تتوقف التجربة عن إنجاب عدد من الشعراء الذين سجلوا تجربتهم ضمن مجموعة من الدواوين بين فترة وأخرى, وفي تسعينيات القرن العشرين ظهر جيل آخر من الشعراء برؤى مختلفة وجديدة كان من بينهم الشاعر أحمد الملا الذي سرعان ما حجز مكانته المميزة في المشهد الشعري السعودي المعاصر. وبدا، مع صدور ديوانه الأول «ظل يتقصف» أنه يعلن تجربة ستكون واحدة من أهم التجارب في مشهد قصيدة النثر, ثم جاء ديوانه الثاني: «خفيف ومائل كنيسان» ليكرس اسمه شاعراً ومبدعاً مهموم بالشعر ومأخوذ به. وأخيراً أصدر ديوانه «سهم يهمس باسمي» الذي كان مع «أخويه» فاتحة الحوار مع الشاعر.

? مالذي استطاع أحمد الملا أن يضيفه لتجربة قصيدة النثر خصوصاً وأنت تبحث في ديوانك «سهم يهمس باسمي» عن أشكال ومناطق جديدة؟
? ? في مسعاي للبحث في قصيدة النثر؛ قراءة واستمتاعاً لم أكن واعياً بنتائج الرحلة، بل كنت مأخوذاً بلذة القول ونشوة الكلام، منذ المحاولات الأولى التي سبقت «ظل يتقصف» (1995م)، فكأنما انتقالي من التفعيلة نحو قصيدة النثر عبور لمسارات ضبابية، بقدر دهشتها، كانت ملأى بالمنعطفات المفاجئة. أما «خفيف ومائل كنسيان» (1997م) فكان مغايرة لآليات نصوصي السابقة، فقد خفت من كتابة حياتي كما أعيشها، والتفت للمرة الأولى متأملا الحياة من حولي. وفي «سهم يهمس باسمي» (2005م)، عدت متأملاً في حياتي وتفاصيل حالة واحدة، لم أستطع تجاوزها من غير كتابتها, هذه المناطق الجديدة التي تتساءل عنها هي بالنسبة لي أن يكون الشعر معاشاً، والعيش شعراً، هكذا يصمد الحي مني على ما عداه، ويرفع نخب الحياة.
أكتب لأتنفَّس
? علاقتك بالمكان وفلسفة الزمن داخلك كيف ترى انعكاسها في نتاجك الشعري؟ ? ? طبيعتي تذهب في الحسي، وتتلمس المكان الذي أعبره ولا يعبرني، ربما لذائقتي البصرية للصورة والتشكيل أثر كبير، خاصة تلك الطفولة التي كان للأحساء نحتها فيّ، الأماكن العميقة والراسخة تمنح ثقافة حسية أولى لم تكن في حاجة للتجريد. من جهة أخرى تكون الكتابة موازية للزمن في المكان/ الشعر، تكتب لتثبت أنك تتنفس، والنفس زمن، مثل الكلام في العهود الأولى. ? يصف البعض قصيدة النثر بأنها ذائقة أجنبية وأن وجودها الآن ينافي تراثنا العربي وثقافتنا، ما موقفك من كل هذا؟ ? ? لست منشغلاً بما ينتجه مبتكرو الأزمات، الذين ينطلقون من ذهنية المؤامرة والغزو. كنت في انشغال آخر بجماليات اللغة وعلاقات الكلمات. لست مهتما على الإطلاق بهرطقات شوفينية تنطلق من رؤى عنصرية، تقسم الثقافات إلى أنا وآخر، دوني ومتفوق... ألخ. ? اهتمامك بالسينما والتشكيل ومؤخراً مهامك ونشاطك الثقافي في النادي الأدبي، ألا يأخذ هذا من مساحة الشاعر لديك؟ ? ? الاهتمامات الثقافية بالفنون المختلفة، يفترض أنها تصقل أدوات الشاعر، وتفتح نوافذ أخرى لرئتيه، على عكس المهام الإدارية فهي التي تأكل وقته، وتحرق طاقته. لكن يمكن الاستفادة من تجربة الحياة بكل تجلياتها، واغتنام معارفها وتأمل تقلبات العيش بمسراته ومآسيه، ألا يمكن أن يكون للشعر مساحة في ذلك كله.
في الشعر موت عظيم
? هل يساعدك الشعر على الحياة أم يقربك من الموت ؟ ? ? في الشعر موت عظيم، ينجي. وبالشعر حياة تدفع الموت إلى منتهاه، على الأرجح رتب الشعر فوضاي وخفف من غرور الكائن في داخلي، حتى تكشفت لي رقة الحياة وقابليتها للعطب بسرعة، تتوجب الانتباه في كل لحظة. ? كيف تفهم العلاقة بين الشاعر والملتقي ضمن اطار قضية الغموض المطروحة دوماً؟ ? ? لم أجد أي علاقة بين الشاعر والمتلقي ذات قيمة فنية وثقافية، خارج الغموض. للدلالة على القيمة الفنية للغموض لا نملك سوى الإشارة إلى ما تبقى من قيمة للشعر في تراثنا العربي والتراث العالمي الذي أبقى لنا كتبا حمالة أوجه، وهي دلالة عميقة للغامض المدهش الذي لم يمنح قوله مباشرة مما أبقاه حيا وعصيا على الموت، ومثيرا للإدراك( هكذا ربما نقترب من الشعر أكثر. ? ظهر جيل يكتب قصيدة النثر في السعودية ولكن معظمهم لم يستمر بل وسجل آخرين اختفاؤهم بعد صدور ديواوينهم؟ ? ? شعراء قصيدة النثر في السعودية، منذ مجموعة الشاعرة فوزية أبوخالد في السبعينيات، وظهور شعراء الثمانينيات (محمد عبيد الحربي، محمد الدميني) ومن جاء بجمال نصوصه بعدهم (عبد الله السفر، إبراهيم الحسين، حمد الفقيه، أحمد كتوعة، علي العمري، محمد الحرز، هدى الدغفق، سعود السويدا، غسان الخنيزي، عبد الله ثابت) حتى الجيل الحالي (أحمد الواصل، محمد خضر، هيلدا اسماعيل، عبد الرحمن الشهري، شريف بقنة، ماجد الثبيتي، عبد الله العثمان، وآخرون) حسب معرفتي الشخصية لم ينقطع أو يختفي أحد منهم حتى اللحظة، ما حدث هو أن بعضهم ركن للتأمل والكتابة بعيداً عن النشر فقط.

اقرأ أيضا