الإثنين 16 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
البلجيكي ماغريت عوالم من السحر والغرابة
البلجيكي ماغريت عوالم من السحر والغرابة
13 أغسطس 2005


الاتحاد - خاص:
ربما لأنه قضى طفولته في المقبرة المجاورة لمنزله، أفرط الرسام البلجيكي 'رينيه ماغريت' في السريالية - المضمونية وليس الشكلانية، لكن المميزة جداً في فرادتها وغرابتها·
لكنه ظل شبه مغمور حتى قبيل وفاته في أواخر الستينات، وبعدما كان يعاني الكثير ليبيع لوحته بمئة فرنك ها هي تباع الآن بما لا يقل عن 15 مليون دولار·
تكريماً له، في الذكرى الأربعين لرحيله، يقيم غاليري 'كونستفورم'، في العاصمة النمساوية فيينا، معرضاً لـ 'ماغريت' يضم نحو السبعين من لوحاته·
التفاصيل في التقرير التالي:
عاش الرسام 'رينيه ماغريت' طفولته في مقبرة بلدته الصغيرة في الريف البلجيكي، مقبرة كانت ممراتها وأنصبتها مسرح ألعابه وشقاواته ومشاغله الصغيرة·
ظل 'ماغريت' في عالم المقبرة حتى سن العاشرة، حيث امتلأ بمناخاتها الصخرية التي زادها التصدع جلالاً وجمالاً وبأرضها المكسوة بالأوراق اليابسة الميتة المتساقطة من أشجارها·
ومن يومها شعر الطفل 'ماغريت' بشيء ما يحتقن في داخله ويحتاج إلى التعبير عنه بطريقة ما، وبالرسم تحديداً·· وكما كان يقول: 'في تلك المقبرة كانت ولادتي كرسام، وحتى قبل أن أبدأ بمزاولة فن الرسم'·· ولعل هذا نفسه ما كان يحاول أن يقوله في لوحاته، الفريدة من نوعها، المعروضة الآن في غاليري 'كونستفورم' بالعاصمة النمساوية فيينا·
على غرار 'فان جوخ'
الغرابة، والسحر، هما العنوان الأنسب لعالم الرسم الخاص عند 'ماغريت'، غرابة لم تفقد شيئاً من هيبتها ورونقها رغم مرور أربعين سنة على وفاته (عاش من1989 إلى 1967)·
وكما قال أحد النقاد من منظمي المعرض النمساوي: 'يبدو أن قدر بعض كبار الرسامين ألا يعرف العالم قيمة فنّهم إلا بعد رحيلهم، ومن هذه الناحية يتساوى 'ماغريت' كثيراً مع 'فان جوخ'، إنما مع فارق ان لوحات 'ماغريت' تبدو وكأنه قد رسمها منذ بضعة أيام وليس منذ عشرات السنين'·
هذا فعلاً ما يشعر به زائرو المعرض الذي يضم حوالي سبعين من لوحات 'ماغريت' الذي لم يبدأ بتذوّق حلاوة النجاح والشهرة إلا في مطلع الستينات التي توفي في أواخرها، لكن ليصنّفه العالم بعد ذلك كواحد من أهم الرسامين خلقاً وإبداعا في القرن العشرين·
المعرض النمساوي الحالي يشكّل اعترافاً عالمياً، ولو متأخراً، بعظمة فن 'ماغريت'، كما يقول الناقد النمساوي 'ارنست فولايم' والذي يضيف: 'لا شك أن 'ماغريت' لو كان مايزال حياً ورأى هذا المعرض، فإنه كان سيموت من الفرح'·
15 مليون دولار
وعلى غرار 'فان جوخ'، وعلى هامش المسألة الفنية والابداعية، فإن الاعتراف العالمي المتأخر بعظمة ريشة 'ماغريت' أدخله، ومن الباب الواسع، في عالم تجارة الفن، فبعدما انتظر وعانى طويلاً حتى باع لوحته الأولى بسعر 100 فرنك، في العام ،1923 يقارب سعر الواحدة من لوحاته الآن 15 مليون دولار· وهذا ما يجعل من لوحات 'ماغريت' هدفاً دائماً للصوص الفن ومزيّفي اللوحات، إضافة إلى انتشار بوسترات رسومه في معظم بلدان العالم·
كتابات الناقد 'آلان روب غرييه' والفيلسوف 'ميشال فوكو' عن رسوم 'ماغريت' كان لها الدور الأساسي في وضع هذا الفنان في دائرة الضوء التي يستحقها، إضافة إلى تبنّيه من جانب الطلائع النخبوية في أوروبا، ولوحاته منتشرة الآن وبقوة على أشرطة فيديو كما على مواقع انترنت، حيث تصنّف من باب الرسم المافوق سوريالي·
'متزّمت كأنه موظف في شركة جنائزية، صارم كنبلاء أبناء الريف، جدّي ومتحفّظ كطبيب'، هكذا كانت ملامح شخصية 'ماغريت' كما يصفه أحد معاصريه من أبناء قريته الكهل 'نوفاليد'·· وبدون أن يتعارض ذلك مع كون 'ماغريت' عاش كبورجوازي صغير، والذي لم يكن هو نفسه مدركاً لحقيقة ومدى الثورة الجذرية التي أحدثها في فن رسم القرن العشرين، ولعل هذا ما جعله يستمر في الحفاظ على نمط وأسلوبية حياته وبدون أي تغيير، لا في شكل قبعته ولا في سلالة كلبه، ولا في أسلوبه بفن الرسم·
رسوم·· قذرة
في بروكسل، أقام 'ماغريت' في الرقم 97 من شارع 'ميموزا'، جاعلاً من البيت نفسه لوحة جمالية: أحواض زهور عند حفافي النوافذ، ثلاث حدائق متناسقة من العشب الأخضر، والأثاث الداخلي من خشب الأكاجو المسجى على سجاجيد شرقية· وقد جعل الطبقة الأولى منه مشغلاً خاصاً بالرسم، مستقلاً عن باقي المنزل، حرصاً على عدم تعكير صفو زوجته التي كان يعشقها بشغف رغم عدم حماسها لا لفن زوجها ولا للفن عموماً·
لدى ولادته عام 1989 في بلدة 'هانيوت' في الريف البلجيكي، كان أبوه وأمّه يعملان في الخياطة، وكان المنزل الوضيع مجاوراً للمقبرة، ومنذ البداية تجاوب أهله مع ميوله لتعلّم فنون الرسم، وقد بدأ فعلاً بالرسم منذ صغره عابراً مختلف المذاهب التي كانت سائدة·
في سن الخامسة عشرة كانت رسومه انطباعية، وفي سن العشرين كانت مستقبلية، وفي سن الخامسة والعشرين، عندما تزوج 'جورجيت برغر' صديقة الطفولة، أصبحت رسومه تكعيبية·
لكن المشكلة المعيشية برزت منذ البداية، حيث أن حرفته كفنان منعته عن احتراف أية مهنة أخرى لتأمين دخل لنفقاته ونفقات العائلة، وهذا ما دفعه مرغماً على القبول برسم ملصقات دعائية وورق جدران لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المالية، وهو ما كان هو نفسه يسميه 'أعمالاً قذرة'!
نشيد حب
في العام 1922 اكتشف 'ماغريت' أعمال الرسام 'جورجيو دوشيريكو'، وخصوصاً لوحة 'نشيد حب' التي أحدثت انقلاباً عنيفاً في داخله، يقول: 'لقد جعلتني تلك اللوحة أتحرر من كل ما اعتدت عليه من انغلاق الفنان داخل سجن الانسلاخ ما بين الابداع والواقع· معها، ومع لوحات 'شيريكو' الأخرى، اكتشفت رؤية جديدة تماماً للفن قادرة على جذب المشاهد وعلى جعله يصغي من خلالها إلى صوت صمت العالم وإلى صوت عزلته الداخلية أيضاً·
يومها كان 'رينيه ماغريت' قد أصبح في سن الثامنة والعشرين، ويومها اكتشف أخيراً المسار الفني الذي سيتبعه في رسمه·
وبذلك كانت البداية الفعلية لهذا الرسام في مسيرة تأكيد نفسه كواحد من 'أكبر مبدعي ومبتكري الصور' في القرن العشرين· واللافت فيه أنه عبر إلى ذلك من خلال التبسيط وليس التعقيد، حسبماً تجلّى في الموضوعات التي تناولها في لوحاته لكنه أضاف على تلك الموضوعات شيئاً كثيراً من خصوصية بصماته، كما في لوحات: (أهمية الروائع البديعة)، (القرية العقلية) التي تجسد قرية - مدينة مضاءة بشمعة عملاقة وبآلة ترومبيت يتعالى بوقها الناري إلى السماء·
ثور في القفص
هنا خطرت لــ 'ماغريت' فكرة الانتقال إلى مرحلة جديدة: بل التلاعب بنظام ترتيب الأشياء، لماذا لا يتلاعب في وظائفيتها؟ وهنا رسم قفصاً ليس في داخله عصفور بل ثور! ورسم حذاء له أصابع، كما تلاعب في الكلمات الدالة على عنوان اللوحة: كتب 'طاولة' عنواناً للوحة رسم فيها حقيبة، وكتب 'سماء' عنواناً للوحة فيها سكين حاد·· 'وعصفور' عنواناً لاسفنجة (لوحة: مفتاح الأحلام)·
هذه المرحلة، التي استمرت عند 'ماغريت' من العام 1925 إلى العام ،1939 تميّزت بأهم وأعظم لوحاته·
إلى ذلك، وبفعل عدم اكتراث 'ماغريت' بجماليات اللوحة، لا في انسجام ألوانها ولا في غنى مادتها المشهدية، فإن شريحة من النقاد ترفض تصنيفه في خانة 'كبار الرسامين' من هذه الناحية·
وكان جوابه الدائم على هذه 'التهمة' التي بدأ تداولها قبل وفاته: 'أنا هكذا، لا أرسم سوى المشاهد الهادفة إلى تفكيك ألغاز وغرائب هذا العالم'!
كان 'ماغريت' يرفض بشدة اعتبار الرسم كعملية استنساخ للطبيعة، بل كمواجهة حادة لأشياء الطبيعة·
مصادر الاستيحاء
من هنا ربما كان لدى هذا الرسام البلجيكي الاستعداد الكامل لاستيحاء موضوعات لوحاته من شتى أنواع المصادر، من روايات 'فانتو ماس' البوليسية إلى الرسوم المتحركة إلى الأفلام الشعبية إلى أفلام 'تشارلي شابلن'، وإلى درجة أن مكتبته المنزلية الكبيرة كانت تضم عدداً ضخماً من الروايات مع عدد ضئيل من كتب الفنون، لم يكن يريد أن يتطور رسمه من الخارج، بل من أعماق داخله إذا كان لابد من ذلك· وهذا ما أبقى رسمه ثابتاً بدون أية متغيرات في جوهره: ابتكار شعري بالصورة بدل الكلمة·
وفي السياق نفسه، ففي أسفاره إلى باريس أو ايطاليا أو اسبانيا، لم يكن يهتم بزيارة المتاحف والمعارض، بل بلقاء أصدقائه السورياليين وبالتمتع بأشعة الشمس الدافئة·
صيف 1929 أمضاه في 'كاداكس' مع 'سلفادور دالي' و'بونويل' و'خوان ميرو'، كما مع 'بول' و'غالا اليوارد'·· يتناقشون ويرسمون ويمارسون لعبة الشطرنج، وفي ذلك الصيف انفصلت 'غالا' عن 'اليوارد' من أجل 'دالي'، ومن هناك عاد 'ماغريت' وزوجته إلى باريس حيث كانا استأجرا منزلاً صيفياً مؤقتاً قريباً من صديقهما 'بريتون' والسورياليين الفرنسيين·
وحدث ذات مساء أن طلب 'بريتون' من زوجة 'ماغريت' أن تخلع عن صدرها قلادة الصليب، فرفضت لأنها مسيحية مؤمنة ولأن القلادة ذكرى من جدّتها· لكن 'بريتون' أصرّ على طلبه وبطريقة فجّة، فغضب 'ماغريت' وزوجته وغادرا منزل 'بريتون' دون وداع، وعادا في الصباح إلى بروكسل·
وقد تركت هذه الحادثة أثراً عميقاً وبعيداً لدى 'ماغريت'، الذي اعتبرها احتكاكاً سلبياً حاداً ما بين الرسم والشعر!
رينوار··· الصدمة
في العام 1940 اتجه 'ماغريت' بلوحاته مرغماً نحو أساليب 'الكبار' حيث يعرف النقاد رسومه في هذه المرحلة بـ 'رسوم حقبة رينوار'·· والتي اتبعها في المرحلة الثانية (1947-1948) بمرحلة 'رسوم الصدمة'، والتي عاد بعدها إلى نفسه، إلى 'ماغريت' الذي يرسم بهدوء والذي يغرق في أعماق اللوحة بدون أن يتأثر بأي شيء مما يحيط بها·
ثم، مع اقترابه من خريف عمره (عاش 69 عاماً)، بدأت نظرة 'ماغريت' إلى الحياة تتغير، من الوردي إلى الأسود، وكان طبيعياً أن ينعكس ذلك على طبيعة رسومه، وبدأت لوحاته تأخذ أبعاداً جديدة، ومحاولات لايجاد أجوبة للأسئلة الصعبة: 'أجهل السبب الحقيقي الذي جعلني أمضي حياتي في رسم لوحات قد لا يبقى أي أثر لها بعد مئة عام'!
'أورينت برس'

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©