الاتحاد

دنيا

أيمن الدقر: لا نعرف المديح ولا يوجد شرطي في رؤوسنا


دمشق ـ عمّار أبو عابد:
بعد أربعين عاماً من غياب الصحافة الخاصة في سوريا، ظهرت مجلة أبيض وأسود كأولى المجلات التي تعنى بالشأن السياسي، وانفردت بالساحة على مدى ثلاث سنوات، حققت خلالها حضوراً لافتاً بين القراء، في حين فشلت تجارب إعلامية كثيرة واكبتها خلال أشهر معدودة من انطلاقتها·
ومع دخولها عامها الرابع، تعد أبيض وأسود لمرحلة جديدة من حياتها، وقد أطلقت مؤخراً موقعاً إلكترونياً لها على شبكة الإنترنت· فلماذا نجحت هذه التجربة حتى الآن، وفشلت تجارب أخرى، وما هو الجديد الذي تقدمه في ساحة الإعلام السوري، وما مدى إقبال القراء عليها، وما هي الهوامش المتاحة أمامها؟
هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها أيمن الدقر رئيس تحرير المجلة، وهو فنان تشكيلي معروف يتعاطى الشأن السياسي من عدة عقود·
؟ (أبيض وأسود) هي حتى الآن المجلة الأسبوعية السياسية الخاصة الوحيدة في سوريا، فما هو الجديد الذي قدمته في ساحة الإعلام السوري؟
؟؟ ما يميز (أبيض وأسود) بالمقام الأول أنها ليست مجلة سلطة، وبالمقابل هي ليست مجلة معارضة، فنحن ومنذ البداية أردنا أن تكون (أبيض وأسود) مجلة وطنية، فهي تختلف مع السلطة وتتفق معها، وهي تختلف مع المعارضة وتتفق معها· أما ما قدمته من جديد فهو وجهة نظرها التي تنطلق من الحرص على المصلحة الوطنية، وبالتالي فهي تسلط الضوء على الخطأ، والارتكابات في جميع مناحي الحياة السورية، وهذا طبعاً من خلال الوثيقة والرقم، وإذا عدت إلى التحقيقات التي نشرتها المجلة سواء السياسية منها أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ستجد أن هناك أسلوباً آخر يختلف عن أسلوب الإعلام الرسمي الذي أدمن على المديح في استعراض المنجزات· وأعتقد أننا كمجلة قدمنا منبراً إعلامياً مختلفاً وحققنا خطوة إلى الأمام في الصحافة السورية، رغم أننا لم نصل إلى ما نطمح إليه بعد·
صعوبات مادية
؟ ما مدى إقبال جمهور القراء السوريين على مجلتكم، وهل مستوى التوزيع المتحقق يوفر لكم عائدات إعلانية تغطي نفقات الإصدار وتوفر هامشاً للربح؟
؟؟ مازلنا نعاني من صعوبات مادية رغم أن إقبال القراء على مجلتنا في تصاعد، فالعدد الجديد يطرح في الأسواق يوم الإثنين وتنفد جميع النسخ من السوق مساء الثلاثاء· وهذا يعتبر إقبالاً ممتازاً لم تحققه مطبوعة سورية منذ أمد طويل· لكن الحقيقة أن المجلة لا تغطي جميع المناطق السورية، نظراً لسوء التوزيع، فمع غياب مؤسسات خاصة للتوزيع، وحصر التوزيع بمؤسسة توزيع عامة هي المؤسسة العامة لتوزيع المطبوعات، لم نصل حتى الآن إلى توزيع منطقي ومدروس لمجلتنا في السوق، فمؤسسة التوزيع العامة توزع بشكل عشوائي وغير مدروس، وقد سبق لنا أن اعترضنا على أسلوب التوزيع وتوقفنا عن الإصدار لمدة شهرين بسبب ذلك، أضف إلى ذلك أن مؤسسة التوزيع تتقاضى ما نسبته40% من مبيعاتنا، رغم أن تكلفة العدد تتجاوز سعره في السوق· وكذلك فإن عائداتنا من الإعلانات لا تغطي تكاليفنا، وهذا يعود إلى احتكار مؤسسة الإعلان السورية العامة للإعلانات، فهذه المؤسسة أحدثت بمرسوم جمهوري سنة ،1963 وما زالت تعمل حتى الآن على أساس المرسوم القديم، فلم تحدث نفسها ولم يصدر مرسوم جديد بتطوير عملها، فهي عدا أنها لا تقوم بدورها ولا تزودنا بإعلانات تغطي تكاليفنا، فهي تتقاضى رسوماً تبلغ 25,5 % عن الإعلانات التي ترد إلينا من قبل جهات تجارية واقتصادية، في حين لا تقوم بأي عمل مقابل الحصول على هذه النسبة· وبالتالي فإن مؤسسة الإعلان ومؤسسة التوزيع هما أكبر عقبتين في وجه أي مجلة جديدة، أما العقبة الثالثة فهي الضرائب المفروضة علينا رغم أننا نحقق خسائر، حيث ندفع ضريبة على دخلنا من الإعلانات لوزارة المالية· فإذا جمعت ضريبة وزارة المالية ومؤسسة الإعلان ومؤسسة التوزيع، فستجد أنها تشكل عبئاً كبيراً على أي مجلة جديدة·
؟ إذا كانت المجلة خاسرة مادياً، ما الذي يدفعكم للاستمرار؟
؟؟ مشروعنا ليس مشروعاً تجارياً، إنما هو مشروع وطني، ونحن نحاول تغطية الخسارة الآن من خلال نشاطات أخرى، لكننا بالطبع لن نستطيع تغطية الخسارة إلى الأبد· ونحن نستمر على أمل أن يتم تطوير التشريعات والقوانين، وخاصة ما يتعلق بعمل مؤسستي الإعلان والتوزيع، وعلى أمل إصدار قانون جديد للمطبوعات·
لم نضع خطوطاً حمراء
؟ كمجلة سياسية سورية خاصة، ما هو حجم التعامل مع القضايا السورية المحلية قياساً للقضايا العربية والدولية الأخرى؟
؟؟ نحن نفرد ثلث المجلة تقريباً للقضايا السورية، وقد طرحنا مواضيع كثيرة حساسة وبجرأة كبيرة على صعيد الساحة الداخلية، فلم نضع أمامنا خطوطاً حمراء، ولم نضع شرطياً في رؤوسنا ليراقبنا، وبالتالي نحن نكتب ما نريد، وقد كتبت مرة عن قانون الطوارئ، وهو موضوع لا تتناوله الصحافة السورية، ولا يجرؤ أحد على تناوله· لكني فوجئت بإعادة نشر المقال في صحيفة البعث الناطقة باسم حزب البعث الحاكم في سوريا، وهذا يشير إلى أن بعض الصحفيين يضعون أمامهم خطوطاً حمراء غير واقعية وليس لها وجود· ويبدو أن الشرطي الموجود في ذهن الصحفي أكبر بكثير من الشرطي الفعلي، فهناك وهم· وما نكتبه في مجلتنا يثبت ذلك· فلم يحدث مرة أن تعرضنا لحواجز رقابية، ولم يحدث أن اعترضت الرقابة على أي من الموضوعات التي نطرحها·
؟ هل تقصد أنه ليس هناك خطوط حمراء مفروضة على عملكم؟
؟؟ ليس هناك أية خطوط حمراء، فنحن حتى الآن لم نكتب إلا ما يدور في أذهاننا· ولم نضع خطوطاً حمراء لعملنا، فطرحنا موضوعات كانت تعتبر من المحظورات، ولم يتعرض لنا أحد، ولم يوقفنا أحد·
لسنا استثناء
؟ يقال إن الاستثناء يثبت القاعدة ولا ينفيها، فهل مجلة (أبيض وأسود) استثناء، ولماذا أنتم الوحيدون الذين لا تعانون من عقبات رقابية؟
؟؟ لم أفهم ماذا تقصد بالاستثناء··· فالمجلة رخصت مع ثلاث مطبوعات أخرى سياسية، لكن هذه المطبوعات لم تباشر عملها حتى الآن، وهذا لا يعني أننا استثناء· بل يعني أننا كنا أكثر جدية من غيرنا، والتقصير يقع على عاتق الآخرين، رغم أني حقيقة لا أعرف ظروفهم· وأعود فأقول إننا لم نجد أمامنا أية خطوط حمراء، ولم نتعرض لأي اعتراض على طبيعة المواد التي ننشرها، وهذه حقيقة·
؟ في الصحف الرسمية هناك رقابة على طبيعة الموضوعات والقضايا المطروحة؟ فلماذا نرى هوامش واسعة من الحرية عندكم ونرى قيوداً في الإعلام الرسمي؟
؟؟ أعتقد أن مشكلة الإعلام الرسمي أنه يضم أجيالاً من الصحفيين الذين اعتادوا على نهج وأسلوب معين في عملهم، فلم يعودوا قادرين على الخروج عنه· فالصحافي (الرسمي) على ما يبدو لا يجيد الحديث إلا عن الإنجازات، ولأننا لم نكن موظفين في مؤسسات الإعلام الرسمي فنحن لم نعتد على هذا الأسلوب· وهناك من المسؤولين من يتصل بنا ويعترض على موضوعات تتناول مؤسسته بالنقد، ويقول: ألا ترون إلا الجانب السلبي في عملنا؟· فأقول له: عندما تحقق إنجازاً فهذا واجبك، أما عندما تحقق فشلاً فمن مهمتنا أن نسلط الضوء عليه، ونحن نترك الحديث عن الإنجازات للصحف الرسمية (!)
؟ هل تقصد أن الرقيب موجود في ذهن الصحفي السوري وليس على أرض الواقع؟
؟؟ أنا لا أقصد الصحفيين كأفراد، إنما أقصد الرقيب الذي يقرر ما ينشر وما لا ينشر في الصحف الرسمية، وهو موجود على أرض الواقع بالطبع، وهو الذي يضع في ذهنه خطوطاً حمراء وهمية وغير واقعية·
أصحاب الحظ السعيد!
؟ هل ترى أن مجلتكم حققت النجاح، بحيث تفسح المجال لصدور مجلات سياسية أخرى في البلد؟
؟؟ أرى أن أصحاب الحظ السعيد هم من سيقلعون بعدنا كمجلة سياسية اقتصادية ثقافية، لأنهم سيبدؤون من حيث وصلنا نحن· وسيبقى لنا شرف الريادة في هذا المجال سواء أخطأنا أم أصبنا، فنحن أول مطبوعة سياسية خاصة تصدر في سوريا منذ أربعين عاماً تقريباً·
؟ هل ترى أن الحرية يمكن أن تمر بجانب مكتبكم في حي المهاجرين، ولا تستطيع أن تمر في ساحة كفرسوسة من أمام مقر صحيفة الثورة؟
؟؟ برأيي أنها تستطيع أن تمر من هنا وتستطيع أن تمر من هناك فيما إذا فكر البعض للأبعد قليلاً· وسأعطيك مثلاً واقعياً، فأنا لا أتفق مع من يقول بقمع المظاهرات السلمية، بل أنا أفضل أن يأتي التلفزيون ويصور المظاهرة، وأن تأتي الشرطة وتحميها، فهذا أفضل بكثير من أن يسمع المواطن خبر التظاهرة من قنوات خارجية، فيفقد الثقة بإعلامه الوطني· ولا أعتقد أن بلداناً مثل سويسرا أو بريطانيا أو فرنسا لا تحدث فيها تظاهرات، أو أن لديهم مشكلات أكثر منا·
؟ إذاً أنت ترى أن تعزيز مصداقية الإعلام السوري في الشارع أصبح ضرورة؟
؟؟ نحن نعيش عصر الفضاء المفتوح وعصر الإنترنت، وعندما لا يتطرق الإعلام السوري لبعض الأخبار المحلية ويسمعها المواطن السوري من قنوات إعلامية خارجية، فهذا يضعف من مصداقيته سواء كان إعلاماً عاماً أو خاصاً، وبرأيي أن المواطن السوري يجب أن يسمع الأخبار السورية من الداخل وليس من الخارج، وأن لا يبقى آخر من يعلم فيما يخص شأنه الداخلي، وقد كتبت مرة عن هذا الموضوع في المجلة·
؟ هناك من يقول إن بعض الهوامش المتاحة في الإعلام الخاص ـ كمجلات خاصة ـ تلعب دوراً تنفيسياً، ولا تقوم بدور حقيقي إيجابي في تشكيل الرأي العام، فكيف تميز بين كلا الدورين؟
؟؟ أنا لست مع هذا الرأي، لأنه ليس هناك هامش أعطي للقطاع الخاص وحرمت منه الصحافة الرسمية، لكن برأيي أن الصحافة الرسمية لا تعرف كيف تلعب دورها وتستفيد من المزايا التي تتمتع بها، فمنذ عام 1958 والصحافة الرسمية عندنا تعمل بالطريقة نفسها· أما ما يقال عن الهوامش والخطوط الحمراء، فأنا شخصياً لم أعرفها في عملي بمجلة (أبيض وأسود)، ولم يقل لي أحد هذا هامشك، هنا يسمح لك أن تكتب وهنا لا يسمح ولم يتدخل أحد في عملنا، رغم أن هناك من ينزعج من جرأتنا، كوزير نكتب عن وزارته أو محافظ نتعرض لخلل ما في إدارته، ولكن هذه ليست مشكلتنا، فنحن نؤدي واجبنا·
؟ يلاحظ أن الصحف الحكومية الثلاث بدأت منذ بعض الوقت باستقطاب الأقلام السورية الشهيرة والمعروفة، فما هو بديل مجلتكم التي لم تلجأ إلى هذا الأسلوب؟
؟؟ نحن لم نضع في أذهاننا أن نستقطب الكتاب الكبار، بل كان الهدف أن نقوم بعمل مؤسساتي حقيقي ونضم كادراً شاباً وقادراً على متابعة مختلف القضايا، فكونا فريق عمل من خريجي كلية الصحافة المتميزين، ومازلنا محافظين على هذا الفريق· ومع الوقت والنجاح الذي تحقق استقطبت مجلتنا كتاباً مميزين مثل خيري الذهبي وشوقي بغدادي وناديا غزي وعفيف بهنسي ونهلة السوسو وتوفيق جراد وميشيل كيلو وغيرهم· لكنهم لا يكتبون بصفة دائمة، لأن غايتنا لم تكن في استقطاب الأسماء الكبيرة، فنحن لنا رؤية مختلفة، والمهم بالنسبة لنا هو فريق العمل·
؟ لكن بعض هذه المطبوعات أغلقت لأسباب أخرى، ويقال إنها اصطدمت بحواجز رقابية؟ فهل كانوا أجرأ مما هو متوقع؟
؟؟ لا أتصور ذلك، فأنا سمعت مثلاً عن أسباب إغلاق بعض الصحف، أنها خرقت شروط ترخيصها، فبعض هذه المطبوعات تختص في الثقافة وراحت تكتب في السياسة، وهذا مخالف لشروط الترخيص·
فنان برتبة رئيس تحرير
؟ أنت فنان تشكيلي وتعمل الآن رئيساً لتحرير المجلة، فهل ترى فرقاً ما بين ممارستك للأمرين، وما الذي يجمع بينهما؟!
؟؟ أنا في الأساس فنان تشكيلي، وهذا صحيح· لكنني أيضاً أعمل في السياسة منذ عام ·1967 وأعتقد أن الفن التشكيلي مرتبط بالسياسة كحالة عامة· فاللوحة الفنية التي لا تحمل فكراً تشبه ممثلاً يقف على خشبة المسرح ولا يحمل نصاً، فهو عندئذ يتحول إلى مهرج· والفن الذي لا يحمل فكراً، سواء كان سياسياً أو اجتماعياً أو جمالياً، لا يعول عليه· فأنا أرى تلاحماً كبيراً بين العمل الصحفي والسياسي والعمل الفني· وبالمناسبة أنا أرسم بعض اللوحات للمجلة، كنوع من التوظيف للفن التشكيلي في الصحافة ومزاوجة بينهما، بينما يبقى نشاطي وإنتاجي الأساسي كلوحات زيتية أساهم بها في المعارض·

اقرأ أيضا