الاتحاد

تقارير

اتفاق أبيي نموذجاً

استقبل السودانيون قرار لجنة التحكيم- التي عينتها محكمة العدل الدولية للنظر في القرار الخاص بشأن النزاع حول «أبيي»، وهي منطقة التماس بين قبيلتي المسيرية «الشمالية» وقبيلة الدينكا «الجنوبية»- بارتياح كبير وبفرح وسرور أكبر. فقد كانت المنطقة التي تركت اتفاقية نيفاشا «معلقة»، وهي تقرر بين الحدود بين الإقليمين الجنوبي والشمالي. وأصبحت أبيي «قضية» وهاجساً خطيراً ومثيراً لتجدد الصراع بين «الحركة الشعبية لتحرير السودان» وحزب «المؤتمر الوطني» طرفا اتفاق السلام، الذي افترض فيه أن يضع حداً لحرب أهلية دامية ومأساوية، وفي أكثر من مرة هددت المشكلة الحدودية بنسف اتفاق السلام واغتيال السلام العادل الذي حلم به السودانيون وتوقعوا أن يعيد إلى بلدهم استقراره وأمنه وإيقاف نزيف الدم والأرواح والأموال الذي أوصل السودان - الذي كان يوماً نموذجاً أفريقياً للتسامح والتراضي، نموذج يبشر بمستقبل واعد لبلد يذخر بالثروات الطبيعية والبشرية والتطور السياسي والاقتصادي.

وفي أكثر من حادثة، وأكثر من مرة، بدا للمتشائمين وفاقدي الثقة بمستقبل السودان الجديد أن «أبيي» ستكون هي ساحة العودة إلى الصراع المسلح والعنف والتهاب المشاعر القبلية بين الشريكين اللذين شكلا حكومة السودان الانتقالية، ومن المعرف بعد ذلك بحكومة الوحدة الوطنية في الشمال والجنوب كان هناك - قبل قرار الهيئة الدولية - من يزيد المشاعر العدائية التهاباً، ومن يريد للتوتر السياسي والعسكري اشتعالاً. بل في ظل وجود حكومة الوطنية، وصلت الحال إلى درجة أن البعض «شكّل» قوات قبلية عسكرية وخلق لنفسه - أو «خُلقت» له ألقاب ووظائف عسكرية فوق القوات المسلحة القومية، وكان تسليح القوات القبلية بصورة لم تخف على عامة الناس حول إنكار السلطات المستمر، بأن ليس لها يد في ذلك! ولقد مارس الطرفان «المؤتمر الوطني» و«الحركة الشعبية»، وقادا حملات تعبئة شديدة الضجيج بين قبيلتي «المسيرية» و«الدينكا»، حملات التعبئة تلك خلقت حالة من التوتر والكراهية، لم تعرفها قبائل المنطقة طوال تاريخها الحافل منذ أن فرضت عليهم الطبيعة والجغرافيا، ذلك الواقع أيضاً مر بلحظات تاريخية مضيئة ومشرفة رعتها، وأسست لها قيادات قبلية تاريخية من المسيرية كالناظر بابو نمر، ومن «الدينكا» الزعيم والرئيس النادر «دينج الكبير»، اللذين وضعا أسس علاقات التعايش والتعاون بين القبيلتين السودانيتين الكبيرتين. عاش «المسيرية» و«الدينكا» في ظل سلام كانت تقوية ولاتزال علاقات المصاهرة والمصالح المشتركة في زمن كان فيه السودان المستقل لايزال يافعاً أخضر العود. لقد أعلن طرفا الصراع «المؤتمر الوطني» و«الحركة الشعبية» قبولهما واعترافهما بقرار ترسيم الحدود المتراضى عليه. والأمانة التاريخية تفرض عليهما مثلما قادا ونظما حملات العداء والاستعداد للحرب أن ينخرطا في حملة أكبر وأقدس. حملة تعبئة شعبية هدفها إصلاح ما أفسداه في علاقات القبيلتين الكبيرتين، وأن يعملا بصدق وأمانة لتنفيذ الاتفاق وإجراءاته تحت رعاية وإشراف الخبراء الدوليين، فإن أي اتفاق مهما بدا جيداً لن يحقق الأهداف المرجوة منه من دون الأهالي المعنيين بالأمر والذين يعيشون في أرض الواقع. هذه المهمة الجليلة، وإن كانت مسؤوليتهما معاً، فهي أيضاً مسؤولية كل القوى الوطنية الراغبة والساعية لتحقيق السلام العادل والاستقرار والنتيجة ليست لـ«أبيي» وحدها، ولكن لأقاليم السودان مهضومة الحقوق. والمجتمع الدولي الذي رعى اتفاق نيفاشا وقرار هيئة التحكيم، يتعين عليه مساعدة السودان وأبنائه من أجل تحقيق هذه الأهداف.


عبدالله عبيد حسن

اقرأ أيضا