الاتحاد

الملحق الثقافي

شعراء أمّ النار

مدافن أم النار (أرشيفية)

مدافن أم النار (أرشيفية)

كثيرة هي الدراسات التي تُرجع أصول الشعر إلى الغناء والإنشاد الديني الأسطوري السحري القديم. وفي لفتة عميقة الى النصوص التي تركتها الحضارات الغابرة في بلادنا، يتكشّف لنا مدى غنى الإرث الشعري الذي تشتمل عليه هذه النصوص.



أضفى الفينيقيون على آلهتهم صفاتهم، ويقظة أسئلة حاجاتهم المادية والروحية، وبنوا الهياكل أو المعابد التي كان يستقل فيها الكهّان - الشعراء، حيث يمارسون طقوسهم برحابة تأمل وانتظام إنشادي حيوي المنطلقات.. حتى إن بعضهم كان يقوم بوظيفة التأكد من إرادة الآلهة عينها، وهؤلاء هم العرّافون. والبعض الآخر كانت مهمته طرد التأثيرات السوداوية والأرواح الشريرة إلخ... وهؤلاء هم المعزّمون.
أما وظيفة بعث السرور والطمأنينة في صدور الآلهة، فكانت من مهمات المغنين أو المنشدين. وكان في المعبد الفينيقي الواحد أيضاً، كتّاب ينسخون الأناشيد ومزامير الطقوس، إضافة إلى رسم كيفية تأديتها، وعلى نحو لا يغضب الآلهة.
والكل، كما يلاحظ الدارسون، كان مجنّداً في حضرة تدفقات الشعر، وبخاصة أمام مشهديات تراتيل مشكاة الصلاة الوثنية، والاغتسال، والتبخير، والمحرقات، وموائد الطعام، والشراب، والرقص، وسائر افتراضات العبادة وتفاصيل المسرّات.
والنصوص المنشدة كانت في غالبيتها تأتي على شكل قصائد طويلة، تنتشر لاحقاً في أوساط سكان مدن الساحل الفينيقي فيحفظونها عن ظهر قلب. ومنها هذا المقطع الشعري الذي نقلناه عن الإنجليزية من كتاب «فيوضات الشرق القديم» للمؤرخ والأنثروبولوجي الأميركي ريتشارد ف. غاردنر:

«وحدي مع الشمس / وأمام وادي الماء العالي / أرى فيضك واضحاً يا إلهة الخلاص الأخير/ ألمسه براحتيّ وأغوص فيه / أصير تخاريم مذهّبة في عرشه السائر/ عرشه الهاتف بلا كلل / الى شمس أخرى قرمزية / وبعدما أنقذتني من عذابي الطويل / انقذيني الآن، أيتها الآلهة،/ من فيض عدلك الذي يتأبّد صحوه فيّ / فأنا بتّ غير قادر على وطأة / مثل هذا العدل المديد / لم أعد قادراً، حتى على ارتداء / ضوئه العاري من بعيد / ولا حتى على جنون رقصة النحاس الأبدية».

مثل هذا النص وغيره من نصوص متشابهة في الحقبات الحضارية القديمة التي عرفتها بلداننا، ترجمت فيما بعد، لتحدث تحوّلات جوهرية في تجارب كثير من شعراء العالم المحدثين، خصوصاً في الغرب، وفي طليعتهم الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، الذي كان صرّح أكثر من مرة، بأنه «يدين بشعريته الى أساطير الفينيقيين والبابليين والسومريين والآكاديين وأناشيدهم الشعرية العذبة.. هؤلاء الخبراء في رصد تعاقب السلالات الإلهية، وما يدور في فلكها من نصوص، هي من عيون الشعر غير المدروس جيداً في العالم حتى الآن».

والطريف أن بعض الدراسات الأدبية الحديثة، تثبت أن كثيراً من الأناشيد والمزامير الدينية الفينيقية القديمة، لم يكن ذا إيقاع موسيقي تتوالى إحداثياته النغمية، بل كان ذا طابع نثري له تدافعاته الموسيقية الداخلية الخصوصية. وكانت جوقات المرتلّين، لا تنسجم مع الإطار الإنشادي العام الذي يحدثه النص.

الفينيقيون وحضارة أم النار
يذهب المؤرخ اليوناني الأشهر هيرودوت إلى أن الفينيقيين هم شعب بحري جريء قدم من منطقة شبه جزيرة العرب، (منطقة الخليج العربي اليوم) إلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وذلك في منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد. يؤكد كلام هيرودوت هذا الآثار الموجودة حتى اليوم في دولة الإمارات العربية المتحدة، وخصوصاً في منطقة أو جزيرة أم النار القريبة من إمارة أبوظبي، وفي سلطنة عمان التي تحمل بعض أسماء المدن فيها اليوم الأسماء نفسها الموجودة على الساحل السوري واللبناني، مثل مدينة صور وصيدا وأرواد وطرطوس. وبحسب الجغرافي الروماني «سترابو» فإن الفينيقيين كانوا قد توطّنوا إقليم البحرين، مؤسسين حضارة دلمون قبل انطلاقهم فيما بعد إلى وادي الرافدين، ومنها إلى الساحل السوري الكبير على البحر المتوسط، حيث أسسوا مدناً / دولا دامت ما يقرب من الـ 25 قرناً، مثل أوغاريت وطرطوس وجبيل وبيروت وصيدا وصور، انطلقوا منها أيضاً مؤسسين مدناً / دولاً أخرى مثل قرطاج في تونس اليوم، وغيرها في قلب جزر البحر المتوسط مثل قبرص وكريت ورودس ومالطا... إلخ. وهكذا بلغت فينيقيا والمدن التابعة لها ذروة مجدها وازدهارها التجاري في القرن الثالث عشر، حيث سيطرت على مناطق العالم القديم وبخاصة بعد اكتشافهم للأبجدية – الأم التي تولّدت عنها مختلف أبجديات العالم الأخرى كاليونانية واللاتينية والعربية... إلخ. وقد نسب هيرودوت إلى قدموس الفينيقي شرف اختراع الأبجدية الأولى، مستنداً في ذلك (هو وغيره من مؤرخين طبعاً) إلى لوح فخاري اكتشف في مدينة أوغاريت بالقرب من مدينة اللاذقية حالياً، مسجلة عليه هذه الأبجدية.

شعراء أم النار

إذا كان الشاعر اليوناني «بندار» من أصل فينيقي عميق وبعيد، فإن الشاعر الفينيقي - اليوناني ملياغروس، أو ملياغر كما يعبّر الفرنسيون، هو شاعر فينيقي - عربي أيضاً، ولد سنة 140 ق. م. في مدينة غادارا التي ذكرتها الأناجيل بأرض الجدريين (نسبة إلى مدينة أخرى هي جيراسا أو جرش حالياً) وتسمى غادارا اليوم بـ»أم قيس»، وهي تشكل صلة وصل بين الأردن وفلسطين وسوريا. واسم أم قيس في التوراة راموت جلعاد، وكانت تجمّعاً مهماً للثقافة اليونانية، لذلك اختارتها الكتب الدينية والأسطورية القديمة لتجري فيها معجزة إخراج الشياطين من مجنون المقابر ودخولها في الخنازير، لمواجهة الفكر اليوناني المنطقي.

يفخر ملياغر بأصول آبائه وأجداده الفينيقيين، الذين جاؤوا من جنوب شبه جزيرة العرب بلغة اليوم، وتحديداً من جزيرة أم النار التي تقع على بعد 20 كلم من إمارة أبوظبي، وهي موقع أثري بالغ الأهمية والدلالة، كونه يمثل مدينة عريقة تبين فيما بعد أنها فينيقية، ويعود تاريخها إلى 2500 سنة ق. م. ولقد جرى اكتشاف أم النار حديثاً من طرف بعثة آثار دنماركية في العام 1959 من القرن الفائت، وهي على ما تقول معلومات البعثة «تمثل منجماً لحضارة عريقة سكنها أناس مهرة اشتغلوا في الصيد وصهر النحاس وزاولوا التجارة، امتداداً إلى وادي الرافدين، ثم لاحقاً امتدت هجراتهم وقوافل أجيالهم التجارية إلى سواحل البحر المتوسط».

وكشفت آثار أم النار عن «مقبرة تضم 50 مدفناً بنيت بحجارة خاصة فوق سطح الأرض، بعضها دائري ويتراوح قطره ما بين 6 إلى 12 متراً وعلوها ما بين 3 إلى 4 أمتار. وقد حوت قطعاً من الفخار الأحمر، فضلاً عن رسوم محفورة على جدرانها تمثل حيوانات: المها والثيران والجمال وعجول البحر. وفي قلب المدافن عثرت البعثة الدنماركية على جواهر وعقود ودبابيس ذهبية وأسلحة نحاسية، ما يدل على غنى وتقدم حياة قوم أم النار، الذين وصفهم هيرودوت «بالفينيقيين النشطين الذين قدموا من منطقة الخليج العربي إلى بلاد كنعان». أما مؤرخنا الشهير الطبري فقد قال إن نشأة الفينيقيين تعود إلى أربعة آلاف سنة ق. م. وربطهم بـ«العماليق، من العرب البائدة».

ويؤكد أمين الريحاني، الذي عاش ردحاً في السعودية والبحرين والكويت، إجماع المؤرخين وعلماء الآثار على «أن الفينيقيين، مثل العرب ساميون، نزحوا من الشواطئ العربية الشرقية على الخليج العربي، من القطيف، ومن البحرين إلى سواحل البحر المتوسط في قديم الزمان». والريحاني هنا يتكلم عن النزوح الثاني للفينيقيين بعد النزوح الأول من ساحل عمان. ويشبّه (أي الريحاني) مقابر أم النار بمقابر جزر البحرين الماثلة آثارها إلى يومنا هذا في البحرين العزيزة، والتي تسمى حضارتها القديمة «بحضارة دلمون الفينيقية» بحسب «أبوالتاريخ» هيرودوت نفسه.
والمدن التي أنشأها الفينيقيون لاحقاً على البحر المتوسط، حملت، كما سبق وذكرنا، الأسماء نفسها على ساحل عُمان الفينيقي قديماً، مثل: صور وجبيل وجزيرة أرواد، وهذه الأخيرة هي الاسم القديم لجزيرة المحرق في البحرين. وكذلك جزيرة تاروت في القطيف شرق السعودية (والتي عثر فيها على آثار فينيقية) سميت باسمها بيروت عاصمة لبنان، بحسب ما يذهب إليه المؤرخ اللبناني الرحالة يوسف ابراهيم يزبك: «اسم بيروت هو اسم فينيقي قديم لمدينة تاروت القطيفية، والتي يقال إنها كانت تحوي آبار مياه كثيرة، تماماً كما باطن أرض العاصمة اللبنانية اليوم».
نذكر هذه التفاصيل كلها لنؤكد أن التاريخ الحضاري القديم للمنطقة العربية (بخاصة تاريخ شبه الجزيرة العربية) لا تنفصل حلقاته بعضها عن بعض. وهكذا لا ينفصل، مثلاً، تاريخ الإمارات القديم عن التاريخ العماني والسعودي والبحريني والكويتي والعراقي والأردني والسوري واللبناني القديم.

أرض الورد الرملي
بالعودة إلى الشاعر الفينيقي - الإغريقي - العربي ملياغر، والذي يُعدّ رائد «المدرسة السورية في الشعر الهلينستي»، نراه يلقي التحية الشعرية (وما أوثقها وأدمغها من تحية) على وطن أجداده وأهله الأصلي في أم النار «أرض الورد الرملي النادر» و»الحنين الأقوى من أي قلب»:

«أجدادي العظام جاؤوا من هناك / من أم النار / من أرض الورد الرملي النادر/ والأيائل التي تتحكّم بالريح من شرفات عيونها / ومن مشتبك قرونها التي تُهدّئ زمجرة الزوابع / من هناك جاؤوا، من أرض النحاس الأحمر / من حرير أول مغزل لربّات الجمال الثلاث: إبفروزين، أغلاييه وتالي / من برّ إلى برّ عبروا.. ومن بحر إلى بحر/ فوقهم طيور صديقة ترشدهم إلى حيث هم / كيف يسيرون؟، أين يستريحون؟ / متى يتعجّلون ويتخفّفون؟ / أوّاه لقد تركوا ضفاف أرواحهم هناك / ليستولدوا ضفاف أرواح هنا / كنت أنا بالتأكيد واحداً منها / وأنا ليس لي من مهمة مقدسة الآن / سوى وصل الأرواح بالأرواح / والضفاف بالضفاف / والورود بالورود / يا روحي الواحدة في حياتي الراهنة / وفي كل حياة لي مقبلة / من أم النار أنا / من حنين أقوى من أي قلب / ومن قلب أقوى من أي حنين / أفهمتم من أنا يا شعراء فينيقياّ؟! / أفهمتم لماذا أمسك بيدي صولجان البحر؟! / وبرغبتي واكتظاظ شهوتي عظمة الرب إيروس؟!/ أفهمتم من أنا وأنتم معي جميعاً؟! / يا بوسيدونيوس الأفامي؟ / ويا أنتيباتروس الصيداوي؟ / ويا فيلوديموس الصوري / ولبتوس الجبيلي / وكيرياموس الأوغاريتي؟ / أفهمتم من أي جذر أنتم؟! / أحفاد من أنتم؟! / وكيف هي نار أم النار مستمرة في أشعاركم؟ / ألا فلنمجّد أرواح أجدادنا، هناك كما هنا / لا فرق / فأرضنا واحدة / وسماؤنا واحدة/ وأجدادنا هم .. هم.. مجد جزيرتنا / ومجد أرواحنا الهائمة / من أم النار إلى هنا / ومن هنا إلى أم النار».

وأبرز ما يعرف عن الشاعر ملياغر هو نزوعه الفلسفي الوجودي العام، وكذلك تمجيده للأخوّة الإنسانية التي يراها وقد تحققت على أرض سوريا القديمة، الممتدة من طوروس شمالاً وحتى حدود مصر جنوباُ. يقول: «لا تظنوني غريباً، فكلنا من وطن واحد هو العالم».

عاش ملياغر القسم الأكبر من شبابه في مدينة صور اللبنانية، وكان مثقفاً ثقافة عميقة ويتقن ثلاثاً من لغات عصره: اليونانية والآرامية والفينيقية. وقد تأثر بتعاليم الفلسفة «المينيبية» (نسبة إلى صاحبها الفيلسوف: «منيبوس») الداعية إلى السلم والمحبة بين البشر، وتجنّب الشرور ما أمكن. لكنه من جانب آخر، كان وزير نساء عابثاً، متلافاً ينتقل من امرأة إلى امرأة:

«المرأة الحريرية بمخالبها الناعمة/ تأخذ عشقي بجدية/ فتهرب من نفسها/ ومن نفسي/ لكن الفشل كان نصيبها/ والنار ناري تمكنت من حرقها/ وابتلاعها/ الآن انطلقتُ إلى حسناء أخرى/ أجمل منها وأشرس/ تمكّنتُ من افتراسها أيضاً / وحالما وقفت وهممت بالرحيل/ افترستني نجوم لا تُرى/ أوّاه أيها الشاعر الشقي / ما أحلى أن تفترسك نجوم لا ترى/ ما أحلى أن تشعر وتوقن وتقتنع/ أن الشجاعة تقود إلى النجوم/ والخوف يقود إلى الموت / ما أعظم الحب / ما أجمل المرأة».

جمع الشاعر ملياغر أول «حماسة»، أي مجموعة شعرية من الشعراء الإغريق، وهي بالمناسبة أول مجموعة شعرية في العالم. وقد حوت قصائد لـ 50 شاعراً، شبّههم بالورود، ولذلك سمّى مجموعته «أسطفان»، أي إكليل الورد. ومنذ ذلك الوقت شاع إسم أسطفان، أي إكليل الورد، ومنه اشتقت أسماء: استيفانوس وستيف وستيفان، ويرجّح البعض أن يكون هذا الإسم قد وصل إلى العربية بصيغة: مصطفى.

في مقدمته الشعرية لمجموعته، اختار ملياغر لكل شاعر اسم وردة من الورود تتناسب مع اتجاهه الشعري، وتلك أول مرة في التاريخ يُطلق فيها اسم الورود على الشعراء. وأدخل هو في المجموعة نفسها قصائد له، بحيث صارت المجموعة تضم لاحقاً ما قوامه 130 قصيدة.
معظم شعر ملياغر إيروتيكي «يقدس» مبدأ اللذة، وبراعته فيه نابعة من قدرته على الجمع بين المركبّ المعقّد والإحساس الصادق الطبيعي. ومن صور، ارتحل الشاعر ملياغر إلى جزيرة (كوس COS) اليونانية في المتوسط اليوم، وقبل أن يقرر قضاء بقية عمره ويموت فيها، كان تعرف على عدد لا يحصى من النساء، ذكر أسماء 10 منهن في شعره. ويُعتقد، بحسب د. إحسان هندي في كتابه المهم للغاية: «شعراء سورية الهلينستيين» أن ملياغر «لم يرتبط عاطفياً إلا باثنتين منهن فقط، وهما «هيليودورا» التي عاجلها الموت في عز شبابها، و«زينوفيلا» التي كان لها من العشاق عدد أكبر من أن يتحمله ملياغر. ولهذا فإنه لم يرتبط بالزواج بأي من هاتين الصبيتين، وقضى عمره عازباً حتى وفاته عام 60 ق. م. عن 80 عاماً». وقد وجدت على مقربة من قبره، كتابة باليونانية تفصح عما ترجمته:» فإذا كنت سورياً أيها العابر فقل عند قبري سلام/ وإن كنت فينيقياً فقل «أدوني» / وإن كنت يونانياً قل «خايريه» / وتقبل منّي التحية / التي يردّها طيفي إليك». (الترجمة هنا للدكتور إحسان هندي).

بين أبوظبي ومعبد أشمون

وثمة شاعر فينيقي آخر يستذكر بمحبة وإعجاب سلالته الفينيقية المتحدّرة من أم النار، عبر قصيدة تبدو أشبه بوصيّة، زرعها فيه جدّه الذي تمنّى عليه أن يتطلع دوماً إلى السماء، لأن السماء وحدها هي التي تجمع بين وطنه القديم: أم النار ووطنه الجديد: مدينة صيدون أو صيدا اللبنانية حالياً. اسم هذا الشاعر الكبير أنتيباتروس، مواليد شرق صيدا في العام 150 ق. م. وكان، كما تقول المعلومات، يتنقّل بين مختلف مدن الشاطئ الفينيقي، يقرأ أشعاره، ويتلو فلسفته، ويعشق وطنه الفينيقي المتكامل عل طريقته، من أم النار الظبيانية إلى معبد أشمون الصيداوي:

«أوصاني جدّي بأن أتطلع كثيراً إلى السماء / لأن فيها غزارة أضواء ثابتة / ترشدني دوماً إلى الأماكن التي انطلقت منها سلالتي الأولى / وإلى سائر الأماكن التي استقرّت فيها هجرات أهلي لاحقاً / هكذا أنا إذن ودفعة واحدة / أرى بلادي كلها بعيني السماويتين / يا إلهي أشمون / أسألك من داخل أبّهة معبدك الرخامي هذا / من أنا يا ترى؟ هل أنا من أم النار؟ / أم من تاروت؟ أم من طيبة؟ / أم من قبرص؟ أم من رودس؟ / أجابني صدى الإله: أنت منهم جميعاً أيها الشاب / وهم أيضاً من اتساعك المتعدد هذا / جدّك حكيم يا بني، اتبع نصيحته / وتطلّع بكثرة إلى السماء / ففي لألاء أضوائها الثابتة / ما يزرع في رأسك وعينيك / ما تؤكده للجميع أينما كانوا».
وللشاعر أنتيباتروس الصيداوي قصيدة رائعة أخرى تحاكي همّه الوطني العميق أيضاً، وإن بصيغة شعرية غنائية غير مباشرة أحياناً:

لا أملّ من البحر / ولا البحر يملّ مني / فضاؤه يجلو الروح / ويردّني إلى فضاءات من غابوا عني / من أسلافي في أم النار / هل غبت أنا عنهم؟ أم هم الذين غابوا عني؟ / الحقيقة لم يغب أحدنا عن الآخر / فالبحر قاهر الزوال ما زال يجمعنا / اسألوا زرقته التي هي في مثل صفاء زرقة سماوات أجدادي / أسألوها../ أسألوا عجل البحر الرائع/ اسألوا الحيتان البيض الرشيقة / أسألوا الأسماك الصغيرة الملونة / والتي ببراعة تتداخل في خطوط مساراتها المتعاكسة / في قلب اللازوردي الشفّاف / اسألوا أشعاري التي أزفّها إليكم / يا أهلي يا أهل البحر / يا عارفين بخارج الأشياء وداخلها / يا أول البحر أنتم / ويا أول البحارة المبحرين فيه إلى كل مكان».
زارع النار الأزلية
وثمة شاعر فينيقي آخر يجدر أن ننتبه إلى ظاهرته. إنه تيفريكاتوس، زارع النار الأزلية في أعلى قمة من قمم جبال جزيرة كريت: «قمة بسيلوريتيس»، وذلك «تيمناً بالنار الأولى التي كان زرعها أجداده في أم النار الظبيانية» على حد تعبير البروفيسور «يوسي آرو»، أحد كبار المستعربين الفنلنديين، الذين اهتموا باللغات القديمة، ومنها اللغة الفينيقية، وما تفرع عن أبجديتها لاحقاً من لغات آرامية ويونانية ولاتينية ... إلخ.

والشاعر تيفريكاتوس من مواليد كريت سنة 133 ق. م، اكتشف نصوصه الشعرية للمرة الأولى، وفكّ التشفير في بنيتها الدلالية الإبداعية، الأب الفرنسي بارثولوميو (1758 – 1825)، عالم الآثار الشهير، ورائد التخصص العلمي بالنصوص المدوّنة أو المنقوشة، باللغتين الفينيقية واليونانية، على الصخور والجدران في جزر قبرص ومالطة وكريت ورودس وسردينيا. ومن هذه النصوص التي كان حقّقها وقمّشها ووضعها باللغة الفرنسية الأب بارثولوميو، استطاع البروفيسور يوسي آرو أن يدلف هو الآخر إلى دراستها ومقارنتها، بالاستناد إلى مواطنها الأصلية، ليس في جزر البحر المتوسط المذكورة فقط، وإنما في أماكن من البرّ الفينيقي لهذا البحر، حيث زار مثلاً في العام 1978 لبنان بصحبة الشاعر الفنلندي – اللبناني سحبان مروه (مترجم ملحمة الكاليفالا الفنلندية إلى العربية) وجالا معاً في صور وصيدا وجبيل، ولفته في بلدة لبنانية بالقرب من مدينة صور تدعى «الخرايب» بعض نقوش وكتابات فينيقية دوّنها في مفكرته ليستخلص منها لاحقاً، أنها عبارة عن قصائد للشاعرين الفينيقيين، ملياغر وأنتيباتروس. وقد قام بنقلها لاحقاً إلى العربية، بالتعاون مع الشاعر اللبناني سحبان مروه. ويقول الشاعر مروه: «لعل يوسي آرو، الذي يجيد أكثر من 16 لغة عالمية قديمة وحديثة، هو الأقدر، بعد الآب بارثولوميو، على الاشتغال العلمي الدؤوب على النصوص الأدبية والشعرية للفينيقيين ونقلها إلى لغات أخرى».

وبالعودة إلى «زارع النار»، الشاعر الفينيقي تيفريكاتوس، يكشف البروفسور يوسي آرو أن النصوص الخاصة بهذا الشاعر، والتي كان أول من اكتشفها الأب الفرنسي بارثولوميو في جزيرة كريت، هي التي يُعوّل عليها أكثر بكثير من النصوص نفسها، وغيرها، التي قرأها بتعثّر معرفي ودلالي، عالم الآثار البريطاني آرثر جون إيفانز (1851 – 1941)، وإن كان هذا الأخير يُشكر على ما قام به من حفريات في كنوسوس في جزيرة كريت، كشف خلالها عن آثار لبقايا حضارة قديمة سمّاها هو بـ»الحضارة المينوية»، نسبة إلى الملك الأسطوري مينوس، والذي أسّس لأول عمران حضاري على أرض جزيرة هي الأجمل بين جزر البحر المتوسط قاطبة.
فيما يلي نماذج شعرية للشاعر الفينيقي الكريتي تيفريكاتوس، تُنشر للمرة الأولى، نقلها إلى العربية المستعرب الفنلندي يوسي آرو، وهي تؤشر إلى حضارة أم النار في امتدادها المتألق في العالم القديم، من أبوظبي إلى كريت، مرورا،ً طبعاً، بكل الحواضر أو المدن – الدول الفينيقية التي سبق ذكرها:

«على قمة بسيلوريتيس أشعلت بنفسي النار الأزلية / التي كان أهلي هناك في أرض فينيقيا / أشعلوها من قبل / باركوا لي علامتي الكبرى / باركوا لي جبروتي الذي هو جبروتكم / ولا تتأخروا في التجمهر حولها / فنحن معاً بحاجة للنداء الاحتفالي الواحد / الذي ينبغي، برغم صخبه المجلجل، أن يذهب بهدوء / إلى هدوء الأرواح المشتركة / السابحة هنا وهناك / في موج واحد من حرير الريح».
ومن قصائده بعد، واحدة بعن

وان «أسرار»:

«عندما تنزل النجوم إلى البحر في الليل / لترتوي مما ترتوي منه على هواها/ أصعد أنا إلى فراغها في النهار/ لأرتوي مما أرتوي منه على هواي/ ونتبادل الأسرار عبر طيورنا / التي ترفرف فوق الجميع / على أمل أن يفهمها الجميع / يا ربّات الجمال انتبهن إلى الطيور المرفرفة / فكلها أسرار مرفرفة / وأنتن فقط من بمقدرهن فك الطلاسم / أنتن فقط كلام الإله غير الناطق».
ومن قصائده أيضاً «رسالة إلى الإله بعل»:

«أيها الشاعر الذي فيّ / أيها الشاعر المدمن على نفسه أكثر من اللزوم / لا تكن شقياً مع الإله رجاءً / احترم غربته التي ليس بمقدورك تفسيرها / احترم شعريته أيضاً / احترم صمته وانفجاره الوسيع في الكون / احترم ما لا تعرفه فيه / ولن تستطيع أن تعرفه ما دمت حياً / أيها الشاعر الذي فيّ / كفّ عن حماقاتك / واستسلم للغزك الدافئ / الآتي دوماً من زهرة النار / إلى قمة جبل النار».


قدموس
تقول الأسطورة أن الأمير الفينيقي قدموس غادر فينيقيا إلى اليونان القديم بحثاً عن أخته المختطفة الأميرة الفينيقية الشهيرة: أوروبا (تكنّت باسمها القارة الأوروبية فيما بعد)، وحدث أن أسس قدموس هناك «طيبة» العظيمة، مدينة الأساطير والشعر والقصة، ومن أشهرها قصة الملك أوديب، الذي قتل والده، وتزوج من أمه دونما دراية بالأمر.. وقد استلهم القصة لاحقاً المسرحي اليوناني الأشهر في العالم القديم: سوفوكليس، وجعلها موضوعاً لواحدة من أشهر أعماله الدرامية.


طيبة ورموزها
من رموز مدينة «طيبة»: هرقل البطل الأسطوري المُهاب، ورجل الدولة العريق بيلو بيداس، والشاعر الكبير بندار (522 ق. م. - 443 ق. م.) وهو أعظم شاعر غنائي عرفته بلاد اليونان القديمة. وكان الأحبّ لكهنة معبد دلفي، الذين وجدوا في شعره ال ديني ما يوائم طقوسهم، خصوصاً وأنه القائل «إن الروح البشرية من أصل إلهي، وإن مآلها إلهي». كما كان الشاعر بندار، المعتز بجذوره الفينيقية، ملتصقاً بحميمية آسرة بمدينة «طيبة»، وبجدّه الأمير قدموس الذي كان يعلّم أبناءه الحروف الهجائية، ولا يزال في طيبة (أول مدينة مسوّرة في بلاد الإغريق) إلى اليوم، نقشاً يمثّل صورة قدموس الفينيقي وتلاميذه.

اقرأ أيضا