الاتحاد

تقارير

الصين تجرب: «الرنمينبي» بدل الدولار!

اليوان هل يزاحم الدولار؟

اليوان هل يزاحم الدولار؟

فيما تجاهد الصين لمواجهة التباطؤ الاقتصادي الذي يهدد بتراجع قيمة استثماراتها بالدولار الأميركي، فقد شرعت في اتخاذ خطوات صغيرة للاعتماد على عملتها في إجراء تعاملاتها التجارية مع الخارج، حيث سمحت مؤخراً لخمس مدن بعقد صفقات تجارية مع أطراف دولية من خلال عملتها الوطنية (رنمينبي)، بدلاً من الدولار. ومع أن الإجراء مازال في نطاق محدود ولم يمتد إلى باقي البلاد، فإن المبادرة التجريبية التي أطلقها الصينيون تمثل إحدى أهم الخطوات التي قاموا بها حتى الآن لتقليل اعتمادهم على العملة الخضراء وتعزيز مكانة الـ«رنمينبي» الدولية على المدى البعيد.

وتأتي هذه الخطوة في الوقت الذي اختتم فيه مسؤولون أميركيون وصينيون قمة دامت يومين وعقدت في واشنطن يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة قضايا التعاون الاقتصادي، بما فيها إقرار دور أكبر للصين في الهيئات المالية الدولية. وقد كان لافتاً في الأشهر الأخيرة، إعراب كبار المسؤولين الصينيين عن قلقهم من مدى قوة الدولار وإمكانية استمراره على رأس العملات العالمية، رغم أن الصين لا تطرح عملتها كبديل للدولار على المدى القريب، وهو ما يوضحه «باري إيشنجرين»، أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا، قائلاً «إن الجهات الرسمية في الصين جادة في سعيها لزيادة التعامل الدولي بعملتها، وإن كانت تدرك أن ذلك سيستغرق عقوداً قبل أن يصبح (رنمينبي) جذاباً في التعاملات الدولية». ويسمح المشروع المحدود الذي أقدمت عليه الصين بإجراء الشركات والمصدرين في خمس مدن، هي: شنجهاي، وجوانجزهو، وشينزهين، ودونجوان، وزوهاي، لتعاملاتها التجارية بالعملة الصينية، كما سيسمح بتداول الـ«رنمينبي» في هونج كونج وماكو، وربما لاحقاً في دول جنوب شرق آسيا. وفي حال استمر التعامل بالعملة الصينية، فلا شك في أن الـ«رنمينبي» سيصبح أقوى مع مرور الوقت وسيدخل السوق المالي العالمي من أبوابه الواسعة، وهو ما سيروق للمسؤولين الأميركيين الذين طالما ضغطوا على الصين للرفع من قيمة عملتها، بحيث سيساعد ذلك على إعادة بعض التوازن إلى الميزان التجاري مع الولايات المتحدة، والذي يصب حالياً في صالح الصين، رغم أن الصينيين لا يخفون تخوفهم من هذا السيناريو بسبب احتمال تآكل هامش ربح شركاتهم في حال ارتفاع قيمة عملتهم في وقت تعاني فيه المصانع الصينية أصلاً من تقلص ذلك الهامش مقارنة بالأعوام السابقة. وإذا كان من الصعب إزاحة الدولار كعملة موثوق بها على الصعيد العالمي، على غرار الجنيه الإسترليني الذي ظل العملة الأولى في العالم حتى بعد ظهور الولايات المتحدة كأول قوة اقتصادية على الساحة الدولية، فإن اقتصاديين آخرين يرون أن تنامي القوة الاقتصادية للصين سيفرض على الدولار اقتسام الساحة الدولية مع الـ«رنمينبي». وفي هذا الصدد يقول البروفيسور «إيشنجرين» موضحاً الأمر: «إذا كان هناك من دليل على حجم التغيرات الجارية في عالمنا اليوم، فهو حالة التعددية القطبية التي نعيشها، بحيث لن يكون في مقدور دولة واحدة ولا عملة واحدة الهيمنة مثلما فعلت الولايات المتحدة خلال الفترة القصيرة أواخر القرن العشرين». وتأتي الخطوة الصينية بإتاحة التعامل بعملتها بعد شهور من التعليقات المباشرة التي أدلى بها المسؤولون الصينيون حول الدولار. ففي شهر مارس الماضي، عبر رئيس الوزراء الصيني «وين جيابو» عن قلقه إزاء سلامة الأصول والاستثمارات الصينية والمقدرة بمئات المليارات من الدولار في شكل سندات خزينة أميركية، ولم تمر سوى أسابيع قليلة على ذلك حتى دعا البنك المركزي الصيني إلى ضرورة استبدال الدولار الأميركي كعملة دولية للاحتياطيات النقدية. لكن، وإلى غاية اليوم، مازالت الصين متمسكة بالدولار بعدما رفعت استثماراتها الخارجية من العملات الأجنبية، لاسيما سندات الخزينة الأميركية بأن أضافت خلال شهر مايو الماضي 38 مليار دولار من سندات الخزينة الأميركية إلى رصيدها ليصل مجموع رصيدها إلى 800 مليار دولار. وبالنظر إلى اعتمادها الكبير على مبيعات صادراتها إلى الخارج، فإنه من غير المرجح أن ينتقل الصينيون إلى أبعد من الخطوة البسيطة والمحدودة القاضية بإجراء بعض تعاملاتها التجارية بعملتها الوطنية، إذ يرى الخبير «إيشنجرين» أنه سيكون على الاقتصاد الصيني المرور بتحولات جوهرية لتعزيز مكانته على الساحة الدولية. وبحسب «ليندا ليم»، أستاذة إدارة الأعمال بجامعة ميتشجان، تنقص النظام المالي الصيني الشفافية اللازمة التي قد تدفع دول العالم لتبني العملة الصينية، ذلك «أنهم بحاجة أولاً إلى سوق رأسمالي أكثر تنوعاً، ويحتاجون إلى إصلاح نظامهم المالي واعتماد مزيد من الشفافية في معايير المحاسبة». لكن «إيشنجرين» يتساءل: «هل يشكل التوجه الصيني الأخير مصدر قلق لأميركا؟»، فيجيب قائلاً: «ليس هناك ما يضر بالدولار، إن هو تقاسم مكانته كعملة دولية رائدة مع اليورو اليوم، أو مع رنمينبي بعد عشرين إلى ثلاثين سنة من الآن، بل قد يكون الأمر جيداً بالنسبة لنا؛ لأنه سيساعدنا على التركيز أكثر وتشجيع الانضباط المالي».


جيريمي كوتنر - الصين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا