الاتحاد

الملحق الثقافي

سليمان فياض.. ارتقاء «المجاور»

سليمان فياض1

سليمان فياض1

بغياب صاحب رواية «أصوات»، الكاتب الكبير والروائي والقاص والمؤرخ واللغوي القدير سليمان فياض «1929-2015»، يفقد جيل الستينيات، الجيل الأدبي الأشهر في حياتنا المعاصرة، واحداً من أهم وأبرز أركانه وأعمدته الكبرى، ويخسر مشهدنا الروائي والقصصي واحداً من أعلامه الأفذاذ، ومبدعيه من أصحاب البصمات الراسخة، يشهد على رسوخه رواياته ومجموعاته القصصية، إضافة إلى إسهاماته الكبيرة في مجالات أدب الأطفال والدراما الإذاعية والبرامج الثقافية والبحث اللغوي والتاريخي

منذ صدور روايته الأشهر «أصوات» مطالع السبعينيات من القرن الماضي، وحتى صدور روايته الأخيرة «أيام مجاور» في 2009، كان سليمان فياض ملء السمع والبصر بحضوره الإبداعي، ومساهماته الثقافية والفكرية، واحتل مساحة عريضة من المشهد الثقافي المعاصر، صحيح أن الشهرة والأضواء توارت عنه في سنواته الأخيرة ولم يعد يسأل عنه ويهتم بزيارته إلا قلة قليلة من أصدقائه وبعض الكتاب والصحفيين، الذين سعوا لإجراء لقاءات وحوارات صحفية معه، لكن يبقى اسمه متردداً وباقياً بأعماله، دون أن يطاله النسيان التام والإهمال المميت، الذي أصاب كثيراً من هذا الجيل، جيل الستينيات، مثل عبد الفتاح رزق وعبد الله الطوخي وأبوالمعاطي أبوالنجا، ويوسف عز الدين عيسى، وغيرهم.

مولد قاص
كان صدور مجموعته القصصية الأولى «عطشان يا صبايا» في عام 1961 إيذانا بإعلان مولد «قاص» من عيار ثقيل، وترسخت مكانته القصصية بصدور مجموعاته التالية: «وبعدنا الطوفان» 1968، و»أحزان حزيران» 1969، و»العيون» 1972، و»زمن الصمت والضباب» 1974، و»الصورة والظل» 1976، و»القرين ولا أحد» 1982، وصدرت آخر مجموعاته القصصية بعنوان «الشرنقة» عام 1997.

في عام 1972 فاجأ سليمان فياض جمهور الأدب في مصر والعالم العربي، وخرج عليهم برائعته «أصوات»، التي صارت واحدة من أهم الروايات العربية، التي صدرت في تاريخها كله، موضوعاً وشكلاً، فقد كانت «أصوات» واحدة من الروايات الباكرة التي اعتمدت تقنية «الأصوات المتعددة»، ولهذا يذهب الناقد والأكاديمي جابر عصفور إلى أنه لم يكن من قبيل المصادفة إطلاق كلمة «أصوات» عنواناً على رواية سليمان فياض، فالرواية «تنبني على تقنية الأصوات المتعددة للشخصيات، وذلك على نحو نسمع معه من كل شخصية من شخصيات القص الفاعلة ما يجسّد وجهة نظرها، أو موقفها المتعين من الحدث الرئيسي الذي تدور حوله الرواية. وصيغة جمع الأصوات - من هذا المنظور - إشارة إلى تعدد الرواة داخل السرد، وتولِّى كل راوٍ حكاية الحدث، كله أو بعضه، من زاوية بعينها، وعلى سبيل التزامن أو التعاقب، وذلك بصوته الخاص الذي يتجاوب وغيره من الأصوات في النسق البنائي العام».

وتنبني رواية «أصوات» على سبعة أصوات، بحسب ترتيب ظهورها: المأمور، محمود بن المنسي، أحمد البحيري، العمدة، حامد البحيري، أم أحمد، زينب. هذه الأصوات موزعة حيث ينتسب بعضها إلى السلطة، أو من يمثلونها المأمور، العمدة وينتسب بعضها الثاني إلى البسطاء من أهل القرية أحمد البحيري، أم أحمد، زينب زوجة أحمد وينتسب بعضها الثالث إلى قريب هؤلاء البسطاء القادم من الخارج حامد البحيري مصطحباً زوجته الفرنسية. أما البعد الرابع والأخير فيتمثل في شخصية محمود بن المنسي متعلم القرية أو مثقفها الذي أنهى تعليمه الثانوي، ويستعد لدخول كلية الطب التي قبلته، ويجيد اللغة الفرنسية إجادة تسمح له بترجمة كلام الزوجة الفرنسية في حال غياب زوجها.
حققت الرواية نجاحا مذهلا، وترجمت إلى العديد من اللغات الأخرى، وصارت واحدة من أهم الروايات العربية بإطلاق، ووضعت اسم سليمان فياض ضمن الفئة الأولى من كتاب الرواية العربية العظام، بالإضافة إلى كونه «قصاصاً» متميزاً صارت قصصه مادة ثرية للدارسين، والباحثين، والنقاد، لكن فياض، كان «فائض» العطاء والجهد والطاقة، ففضلاً عن إسهامه الروائي والقصصي، مارس الكتابة للإذاعة والتليفزيون: عمل طوال حياته، بالإضافة إلى عمله مدرسا بالتربية والتعليم، معدا للأحاديث والحوارات والبرامج الإذاعية والتليفزيونية، وكان له برنامج يومي، يُذاع على موجات إذاعة البرنامج العام «القاهرة» اسمه «قاموس المعرفة».
وأولى سليمان فياض البحث اللغوي والمعجمي اهتماماً خاصاً، فأخرج في هذا المجال عدة كتب ومؤلفات مهمة، احتلت مكانها في المكتبة اللغوية المعاصرة، منها: «معجم الأفعال الثلاثية»، و»أنظمة تصريف الأفعال العربية»، و»معجم المأثورات اللغوية والتعبيرات الأدبية»، و»النحو العصري»، و»معجم السمع والمسموعات».

كتاب النميمة
من أشهر من تركه سليمان فياض من كتب أثارت، وما زالت، كثيراً من الجدل وأصداء واسعة ما أسماه البعض بأدب النميمة، نسبة إلى كتابه الشهير «كتاب النميمة» الذي اشتمل على 30 لوحة قلمية لعدد من الكتاب والمثقفين الذين عاصرهم فياض والتقاهم واحتك بهم، وقرر أن يسجل وجهة نظره وانطباعاته عن هذه الشخصيات في فصول كتابه، يقول فياض عن كتابته هذه: «مع كل ما كتبته من أدب النميمة فلم أخسر أحدًا، بل إن أصدقاء من المغرب وتونس قالوا لي إنك فتحت لنا بابا جديدا للكتابة، والكتابة عن أي شخص تكون أفضل بعد موته، والفنان يمكنه التحدث عن أي شيء مهما كان محل تحفظ بكلمات مهذبة غير جارحة، وبطرق غير مكشوفة، لأنه يشير ويوحي ويومئ، وأنا تعلمت هذه اللعبة من نجيب محفوظ، فلا تستطيع المصنفات الفنية، ولا الأزهر أن يمسكا عليّ شيئاً فليست هناك تهمة. بل هناك ظاهرة اجتماعية ثقافية».

يفتتح سليمان فياض كتابه «كتاب النميمة» بإهداء، قد يظهر منه الغرض من الكتاب «إلى الأجيال الجديدة، تذكرة بأن الإنسان تاريخ وموقف، فلا سر يخفى، ولا شهادة تموت»، ويقول فياض: «لست مسؤولاً عن أية إسقاطات أو تصورات شخصية لقارئ ما على أحد النماذج، لمجرد أنها معماة، ولا تحمل اسماً من الأسماء»، ويضيف: «لست مسؤولاً عن أية وقائع أو مشابهات في هذه البورتوريهات إلا عمن سميتهم بأسمائهم»، لماذا كتب إذن هذا الكتاب؟ يجيب فياض: «غايتي أن أقبض على اللحظات الهاربة والظواهر المستمرة أو الآفلة، التي يغفل عنها دائماً التاريخ العام والخاص أيضاً لأنه يتجاوز في الشرق ما يعتبر أسراراً شخصية في حياة الناس».

لم يكن «كتاب النميمة» لسليمان فياض، بجزئيه «كتاب النميمة»، و»نبلاء وأوباش» يحتوي لغة أدبية راقية، ويمكننا اعتباره نصوصا أدبية، إذا قرأه شخص من خارج الوسط الثقافي، بعيداً عن السعي لحل لغز القصة، والوصول إلى اسم الشخصية الأدبية، والذي حلل فيه ايضا شخصيات العديد من المثقفين المصريين، عبر أسماء رمزية مثل، الفأر، والقط، والتمرجي، ومالك الحزين، والواعظ، وعازف الفلوت، وعجل جسد له خوار، هو الكتاب الوحيد الذي خصصه في هذا المضمار، فله كتاب آخر أصدره عام 1992 عن دار سعاد الصباح بعنوان «المثقفون وجوه من الذاكرة» ينهج فيه ذات النهج الذي اتبعه في «كتاب النميمة».
حينما سئل سليمان فياض في حوار أجراه معه أحد الصحفيين المصريين وسأله عن مطالبه في هذه السن «كانت سنه 82 عاماً»، أجاب قائلاً: مطالبي في الدنيا متواضعة، كانت زمان منحصرة في أن أكون كاتبا من الدرجة الثالثة، وكتبت 14 قصة وطبعت منها ثماني قصص في مجموعة «عطشان يا صبايا»، وسافرت إلى السعودية، وحين عدت وجدت 15 مقالة نقدية مكتوبة عنها، جمعها لي الصديق وحيد النقاش، لذا كلما رأيت كاتباً جديداً أنصحه بالاعتناء بالكتاب الأول، لأنه يربط المبدع بالقارئ، أو يضيعه، وكما قال تشيكوف: «لو بقيت مني ستة أعمال فأنا عبقري».
بهذا المعنى فإن سليمان فياض، لم يكن عبقرياً واحداً فقط، بل أكثر من عبقري في الأدب والإبداع والفكر والتاريخ واللغة.. وهو إرث لو يعلم الناس عظيم.. لو يعلم الناس عظيم. رحم الله سليمان فياض.

اقرأ أيضا