الاتحاد

الملحق الثقافي

باب النسيان الكثيف

من ينقذ الجزيرة الحمراء وهي في الرمق الأخير؟

من ينقذ الجزيرة الحمراء وهي في الرمق الأخير؟

أولئك الذين تركوا الطين مثقلاً بالزمن تتلاعب به أمواج الريح، عائماً على الذاكرة الغامضة، سخياً بنداءات الغائبين، أرخوا شراع الظهيرة، أطفأوا الموال الأخير، دخلوا في قيلولة امتدت في التاريخ، ولم يرجع منهم أحد. «هجروا المكان».. هذا هو الواقع، أبناء عم البحر ورفاقه، المعانقين للصمت والصبر والخرافة، تركوا باب الحكاية مفتوحاً على الغياب ومدارات الريح والضباب المكبّل بالنسيان الكثيف. سطر فارغ في آخر الحكاية يرتجف، يتمدد مع الوحشة، لا وجهة له، يترهل، يتبعثر جزأه، ولا أحد يكترث بتحريك هذا السطر الفارغ، ربما لأنه في آخر الصفحة، دائماً هنالك قفزة سريعة منتشية للصفحات التالية، وربما لأن الرّاوي مات، وربما لأن الشخوص قد تعبت من البحر، تخلت عن الحكاية كلها، وهربت مع الضوء الذي اختفى خلف نوافذ الطين، وربما لأن الراوي الجديد وصل متأخراً، فتعثر بأرضية متعبة لحكاية سقط منها الكثير من الشخوص الأكيدة، فلم يضمن استمرارية بعث الحكاية المبتورة، وإنما قفز سريعاً إلى حكايا المدن والهواء الذي تخنقه مصانع الحضارة وأبراجها

هكذا هي الجزيرة الحمراء الواقعة في إمارة رأس الخيمة، بلدة عريقة لذاكرة زمن الشقاء والكادحين، زمن تترهل هويته وتدخل في الأرض رويداً بعد أن شربت الإهمال والرمل ورياح النسيان والتغافل كثيراً، ورغم كل مخاوف الاندثار الغامض للجدران النازفة المنسية من الصاعقة القادمة من تحت الأرض، فإن رائحة دمعة الماضي الحزينة تسبح وتنتشر في الأفق من توقيت القيلولة إلى الأصيل تحديداً، شيء نوراني في داخلك يكبر على عتبة الشمس الدافئة المتهادية بحنان على رؤوس البيوت المتعبة، يشرق المكان على الشعر والخرافة والكثير من الكائنات الماورائية، وقبيل الغروب بساعة سيحدث أن تسمع في الشمس أصوات كل الغائبين، الذين عبروا وهاجروا من باب الحكاية المنسية، وتسمع صوت النداء في أصابعك أيضاً، وهي تحنو وتحتضن عطش الشوق في ثنايا الجدران المتآكلة، إنه صوت علوي ينبثق في داخلك، صوت الروح التي يغالبه الحنين نحو حكاية ما مجهولة نسي الوطن أن يدثرها في كتابه، ونسي أبناؤه أن يضعوا النقطة الواثقة الآمنة في سطرها الأخير، فوقفت الحكاية المبتورة وحيدة مرتبكة في وجه الأسئلة الكبيرة.

كيف سنكتب تاريخنا الطويل الحافل بالعجائب والمعجزات والمخاطر في ظل كل هذا الغياب والنسيان المتعمّد؟
أين هي مؤسساتنا التوثيقية والترميمية في إمارة رأس الخيمة؟ لماذا تشيح الدوائر المعنية وجهها عن هذه البقعة العريقة ذات الرمز التاريخي والإنساني والجمالي والبعد الخرافي؟، ما دور دائرة الأشغال والبلدية ودائرة التراث في حماية ممتلكات هذه الإمارة التاريخية؟
أما آن الأوان لاحتضان الأرض هناك وهي في حالة رمقها الأخير؟ أقول رمقها الأخير لأن التاريخ جُلّه قد ذاب، ولأن البلدة كلها انصهرت وفي حالة انجذاب نحو العالم السفلي، ولأن السائر المرهف في عطش الجزيرة الحمراء من البديهي جداً أن يصله نزع أنفاسها الأخيرة مثل حزن جاف يتمدد بين غابات خارجة من رحم الكون، ولأني هناك أمشي ثقيلة، مثل طريق جدي الذي فقد عليه عكازه وذاكرته، ثمة مآذن قديمة ما زالت صلوات البحر تتسرب من مكبراتها، وسحابة وحيدة في الأرض تدخل في عين الروح وتأخذ مكان الدمعة وحرقة الضمير، فالأزقة والبيوت والمساجد الأثرية والقرية بأكملها قد صارت وكراً للثمالة وملهى للعابرين من الغرباء، مرتعاً للعابثين، وهواة الخربشات على الجدران من الكلام البذيء.
في الجزيرة الحمراء، المكان الممزق بالذاكرة، المكان المأهول بقصف من تحت الأرض، حيث يبدو كل شيء هناك أنه غير مرئي، أنت ترى كل شيء لكنك لا تنظر إلى شيء تماماً، يبدو كل شيء غير عابر أيضاً، لا تمر الأشياء هناك عابرة، ولا يمر الموت صدفة، لكل شيء قدر من الوقت المناسب، لاشيء قبل الآن، ولا شيء بعد الآن، إنها خطة الكون التي لا تقف عند حد من الزمن.

لماذا كل هذا التغييب؟

من أين يُستجدى مجد الإنسان وأمن الطبيعة؟ من أين تأتي فكرة تشييد الوطن؟ أين يكمن منبع الخيال الموازي لعالم الحقيقة؟ أليست الحكايا الأولى خرجت من عمق الصوت الموحد للذاكرة وعرق الأرض وجذور الإنسان والتاريخ، من يكتب تاريخ الأرض في إمارة رأس الخيمة، ذاكرة الإمارة وملاذنا الأول نحن القاصين، والرواة والباحثين والمدوّنين، ليس بحوزتنا سوى مصادر شفاهية متذبذبة ومتباينة لرّواة وشخوص تعرف الذاكرة وتمتلك المعلومات الداعمة من صور وحكايا، لكن أغلبها تتحفّظ، فتحملنا على موجة الشك والكثير من الأسئلة، التي لا تتأتى إلا من فراغ السطر الأخير، كل ما أخشاه أن ينقطع هذا الحبل الوحيد الواهي قبل دعمه وتوثيقه، أن يموت الرّواة، وحافظي الذاكرة ومصدر ثقافتنا الشفهية، ويختفي منا السطر الأخير وتضيع كل الحكاية، وفي حلقنا ينمو السؤال اليتيم (أين تكمن فكرة تشييد الوطن؟ من يكتب تاريخ البلاد؟).

في الظل
سطرنا الأخير الفارغ هو عين الروح، موطن الأساطير والسحرية، السطر الأخير الفارغ يحارب الواقع بالمزيد من الازدواجية في الحكايا والخيال، ، وهكذا هي إمارة رأس الخيمة، إمارة الغموض المتنوع والخيال الذي يحكم البحر ويحتوي السماء بلا حد، الإمارة الولادة للإبداع والأسئلة والقلق، الغنية بالإرث والتاريخ والإزدواجية ما بين الحقيقة والأساطير المتفجرة من تنوعها الجغرافي، لكننا نحن أجيال رأس الخيمة بحاجة ماسة إلى معرفة الحقيقة، ولو كانت عائمة في الظل والضبابية، بحاجة إلى تشرّب الخرافات والتفاعل معها، لأننا لا نملك يقيناً سواها، الخرافة تنبع من نبض الحقيقة، كل نشاط خرافي هو في الأصل كان وجوداً حقيقياً، وتقول الحقيقة بأنك في الجزيرة الحمراء، بإمكانك أن ترى الله، نعم لا تستغرب، إنك ستراه في روحك، وسيحدّثك أيضاً، سيخبرك بأن كل من عليها ميت إلا وجهه، لكنه لن يمنعك من التحليق في سقف السماء لأجل شرب قطرة من حب، فالله يحب الحب، والجزيرة الحمراء موطن تتواطأ فيه الأرواح القديمة مع زائري الجزيرة، ممن تزخر قلوبهم بعشق الأرض وتخليده فنياً بالتشكيل على لوحة أو إعادة إحيائه واحتوائه في خرافة تنهض على النسج الخرافي العريق، ليتجدد المكان بحيلة جليلة ألا وهي حيلة الفن على يد عشاق الألوان أو عشاق والحكاية.

توثيق المكان بالريشة

الفنان التشكيلي ابن رأس الخيمة (ناصر بوعفرا) في إحدى مدوناته الجديدة على صفحة الفيس بوك قام بعرض لوحتين بريشته مخلّداً فيها ذاكرة الجزيرة الحمراء قائلاً: «رغم قدم المكان فإنه ملهم للفنان، للشاعر وللمصور حتى الإنسان العادي لديه مساحة كبيرة للتأمل والتفكير، فرغم تساقط العديد من الجدران الجميلة والأسقف فإنك تظل تسرح وتفكر فيما مضى وفيما تبقى، وتتخيل أصوات ساكني هذا المكان من رجال ونساء وأطفال، بينما تشاهد آبار المياه المردومة في آخر المنزل وبقايا أحجار البحر التي استخدمت في البناء قديماً).

وفي مدونة أخرى يضيف بوعفرا لوحتين جديدتين للمنطقة كاتباً أعلاهما: (من مجموعة أعمال جميعها رُسِمت في الجزيرة الحمراء، ترصد أطلال هذه المنطقة، وأوثق بها جزءً من زواياها الحميمة والمفعمة بعبق الماضي، والذي سوف نحن إليه بعد حين، وأنا بدوري وما أملك من فن متواضع أسعى للاحتفاظ بهذه الصور والأعمال الفنية التراثية التاريخية، حتى تتمكن أجيال قادمة من الإطلاع عليها).

توثيق المكان بخرافة
أبناء رأس الخيمة في مواجهة التغييب المتعمد للمكان تجدهم لا يملكون من حيلة الدفاع عن الميراث العريق غير غزارة الخيال والفن والإبداع، مما يحفظ إرث الوطن ويجدده ويمجده، فالخيال أكثر أهمية من المعرفة فهو يحيط بالعالم، الخيال يحكم العالم على حد قول (اينشتاين)، الواقع يأخذنا إلى مسارب محدودة ومحسوبة، الحقيقة باهتة واضحة غير مغرية ووجهها واحد ومعرضة للاندثار، فخلف الستار وفي غرف التعتيم ثمة قوة سرّية تتحكم بمسارها وأجلها المحدود، بينما الخيال يرفعنا إلى كل مكان، ولا ينتهي بحد، يكمن سحره في حرية عومه على الغموض والفضول.

هناك في الجزيرة الحمراء، سيحدث أن تشاهد عاشقين يتهاديان بخفة في رحم غيمة عابرة، أو بالأحرى يستبقان الغيم في السماء، فيبشران الأرض بنزول مطر وشيك، يحدث ذلك دائماً.

تتخاطر الأمطار في وجهيهما كل لقاء، تسمع همس العاشقة، وهي تبتسم بقدسية خاصة: «في هذه البقعة من الأرض، أنا أكبرك بألف عام».
يلتقط حبيبها لها صورة عند الرياح، وصورة أخرى عند شبح طفل يركض في الزقاق ثم يدخل في رحمها فجأة.
يحبها وتحبه وأنت الثالث الذي يعرف الحقيقة، بينهما ميلاد مطر في رحم غيمة، وعقم بئر سحيق مظلم، تسقط فيه الطيور فقط، ثم تموت بداخله عطشاً.
حتى الطيور غريبة في الجزيرة الحمراء، هناك بلابل غريبة، وأشجار طويلة، لكنها تسقط فجأة، وهي في قوة اخضرارها، لا تموت واقفة أبداً، كحال البيوت المتهالكة من حولهما.
في كل مرة سيختار الحبيب لحبيبته شجرة لها رأس يسبح في الغيم، لكن الشجرة بعد أيام ستهوي في أفول كئيب كما يسقط صرح عظيم فجأة دونما قصف أو دك أو اغتصاب، المكان غريب في كل شيء، حتى الأشجار ليست لها جذور، ربما جذورها في السماء، لذا تموت كما يموت القتلى في قصف عشوائي مدوٍ وهادر.
وعند الغروب، سيصلك ارتطام صدى الضحكات بملوحة الأموات، سيضحك أموات الجزيرة الحمراء، وتستحيل الضحكة إلى نداء واحد من تحت الأرض: (أنت الوحيد الذي لن نحوله إلى قدّيس، أنت دعاء الطير في هذا المكان).
عودة إلى العاشقين هناك، سيتهامسان مع دعاء الطير على ضلع شجرة، وأنت الصامت ثالثهما، سيكون الدعاء حزيناً جداً، وتقاطع الحبيبة دعاء الطير قائلة: «أنا ثقيلة اليوم، حركتي ثقيلة، أثقل من الأرض، لابد أن هناك في الجانب الآخر من الحياة من يفكر بي الآن بمشاعر ثقيلة جداً، كأني أحمل مشاعر ليست لي».
سترتعش أنت، وتنتبه وتغير وجهة تفكيرك.
لكنك تنتبه مجدداً إلى الحبيب وهو يطوَّق رأس حبيبته أكثر: «هذه هواجس التحليق، روحكِ خفيفة، وهذا يكفي للوصول إلى عش الطير».
في هذا الوقت ستفكر هي بأن يكون لها ريش وسماء واسعة، (إنهم ينادونني، يريدون مني أن أحلق بأقصى سرعة، لا أريد أن أكون سهماً، سأفقد فتنة التحليق).
وهو سيسمع نداء حزنها (كوني ريشة).
ستنهض بدلال من حضنه وتصدح وهي تبتعد في بحر الجزيرة الحمراء (سأستحم الآن.. ربما يسقط مني الريش الزائد).
سيقف الطير وحيداً في رعشة الماء، على جدار بيت متآكل، بعد أن ماتت كل أشجار الجزيرة، ويرسل دعاءه للمحيط السماوي الأعلى، لتلتحف الجزيرة بالشفق الأحمر، وأنت مثل قدّيس وحيد تجلس تتأمل حزنك الذي راح يبتعد، يعرج إلى الشفق مع دعاء الطير.. عالياً، عالياً، ينفض حزنك الأرض عنه، ويطير، ارتفاعاً أكثر في الشعاع.
وقتها تنتبه إلى أن البيوت المتهدلة أيضاً ترتفع، والجزيرة الحمراء تدخل في البحر وذاكرة الغرقى والغوص والشقاء، كل شيء ينجرف نحو الغياب، وحده صدى الأسئلة الكبيرة يكبر فيك (أين تكمن فكرة تشييد الوطن؟ من يكتب أساطير البلاد؟)

اقرأ أيضا