الاتحاد

الملحق الثقافي

المحبّة.. ضرورة أمنية

سعيد ناشيد

سعيد ناشيد

المحبّة أساس المعرفة وغايتها أيضاً، بل المحبة والمعرفة سيان، لا وجود لهذه بلا تلك. إننا نرغب في المعرفة بدافع المحبة والشّغف أولًا. ومع ازدياد معرفتنا بالموضوع يزداد حبنا له وتعلقنا به. هذا طبيعي. وكذلك أو على سبيل المثال، طبيعي أن يكون العلماء المدافعون عن إنقاذ بعض أصناف الكائنات الحية من الانقراض هم الأكثر معرفة بتلك الكائنات.

يُقال، إن الإنسان عدو ما يجهل. نقول: الإنسان صديق ما يعرف. هل نحتاج إلى مثال آخر؟

لا يدافع عن البيئة إلا من أحب الطبيعة، فهل في هذا من شك؟
لكن، هنا مربط الفرس، هناك من يدافع عن جهل، فيكون دفاعه مجرد هستيريا من الصراخ والجنون. هناك من يدافع ليس بوازع الحب والمعرفة، وإنما بدافع الخوف والحقد والجهل، فيدمر الشيء الذي يزعم الدفاع عنه.
من نقصد بالضبط؟ بوسعنا أن نقول: المحبة معرفة والكراهية جهل. يصدق هذا القول على معرفتنا بالطبيعة، كما يصدق على معرفتنا بالإنسان. الحب والمعرفة متساوقان متحايثان متلازمان. هذا ما أدركه اليونانيون منذ قديم الزمن، وعلى أساسه نشأت الفلسفة من حيث هي محبة للحكمة/المعرفة. هل بقي الأمر على ذلك الحال؟
سرعان ما انطلقت سيرورة تاريخية طويلة بدأت من العصر الوسيط، وطالت العصر الحديث أيضاً، نحو انفصال المحبة عن المعرفة. وعلى أثرها تُرك الحب من طرف الفلسفة أولاً، ثم من طرف سائر العلوم أخيراً، وبقي الحب مجالًا للفن والأدب.
فعلًا، فقد حاول التصوف النظري في الإسلام أن يستدرك الأمر، وخلد روائع المتون التي تربط الإيمان بالحب، وتربط المعرفة بالحب، لكن سرعان ما عاد التصوف إلى الهامش ووقع جله أو بعضه في براثن الطرقية الشعبوية مستجيرا من فقهاء العوام بالعوام أنفسهم، وذلك بعد أن حورب بشراسة فأُعدم الكثير من أقطابه بفظاعة تحفظها كتب التاريخ، الحلاج، السهروردي، إلخ.

طلاق بائن
ورثت الحداثة في بدايتها ذلك الطلاق البائن بين المعرفة والمحبة. فكانت غاية المعرفة عند ديكارت تتلخص في سيطرة الإنسان على الطبيعة، بمعزل عن أي علاقة ود مع الطبيعة. وهو المنحى الذي قاد إلى تأجيج صراع الإنسان ضدّ الطبيعة، وصولاً في الأخير إلى هيمنة العقل الأداتي، والذي يتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية عن مآسي توظيف العلم كقوة تدميرية ضد الطبيعة وضد الإنسان. ذروة العقل الأداتي والتكنقراطي كانت مع صعود الستالينية والنازية، وتوظيف التقنية والرياضيات والهندسة الوراثية في أوهام السيطرة الأيديولوجية على العالم والطبيعة.

حين يتم تجريد المعرفة عن المحبة لا يبقى العلم محايداً، لا يبقى العلم قوة ناعمة، بل يصبح العلم والتقنية قوة تدميرية ضد الإنسان. ولعل أوهام العقل الأداتي التكنقراطي هي التي تفسر حجم الانفاق العسكري المهول لبعض الدول ذات الإيديولوجيات المغلقة، مثل إسرائيل وإيران.

إعادة قران
السؤال الآن الأكثر جدية وجذرية في نفس الآن: كيف نعيد المصالحة بين المحبّة والمعرفة؟

كيف نجعل المحبة أساس المعرفة، كما كانت منذ عصر الحكماء؟
الإيديولوجيات المغلقة تفقر المعرفة، وتنشر الجهل، وتختزل الطبيعة والتاريخ في مجرد نماذج صارمة لا تعني إنسانيا أي شيء، وهذا ما يخلق بيئة وجودية حاضنة للعنف والتطرف. وفي الواقع لا يوجد شخص يكفّر شيئاً يعلمه علماً واسعاً. لا يوجد عالم بتاريخ الفلسفة يكفر الفلسفة، لا يوجد عالم بتاريخ التصوف يكفّر التصوف، لا يوجد عالم بتاريخ الحداثة يكفر الحداثة، ولا يوجد عالم بتاريخ الموسيقى يحرّم الموسيقى. الكراهية هي الثمرة المرة للجهل. نعم، قد ينتهي عازف موسيقي إلى تكسير آلته والالتحاق بجماعات التكفير والتحريم، وقد وقع مثل هذا، لكن عالماً بتاريخ الموسيقى لا يفعلها. المعرفة سلاح فعال ضد البغض والكراهية والتطرف، إنها وسيلة أساسية في التعايش والسلام بين الشعوب والحضارات والديانات. وهذا ما يجب على مناهج التربية والتعليم أن تدركه وتستثمره. يحتاج كل مواطن إلى معرفة ثقافات ومعتقدات الآخرين، حتى تتسع الرؤية، وتتخذ طاقة الحب بعداً إنسانياً يتعدى القبيلة والطائفة والأمة. كم شعرت بالقلق وأنا أقرأ في المناهج التعليمية لبعض الدول العربية عبارة «البغض لله» أو «البغض في الله» تتكرر لماماً في بعض المواد الدينية. ألا يساهم هذا في زرع بذور الكراهية وزرع ألغام الحقد والتطرف؟

الحب أساس الإيمان
يجب أن نجعل من الحب أساس المعرفة وأساس الإيمان أيضاً، ويجب أن نعتبر هذا الأساس مطلباً معرفياً وواجباً أخلاقياً وضرورة أمنية. وكما أن المعرفة التي لا تقوم على المحبة تغدو شكلية بلا أثر على شخصية الإنسان، فكذلك الإيمان الذي لا يقوم على المحبة يكون شكلياً بلا أثر على سلوك الإنسان، بل قد ينحصر أثره في إطلاق العنان لطاقة العدوان.

يؤكد التحليل النفسي على وجود غريزتين أساسيتين في الإنسان، غريزة الحب والبناء (إيروس) وغريزة الموت والهدم (ثاناتوس). ومثلًا، فإن الطفل الذي يلعب على شاطئ البحر قد يبني قلاعاً من الرمل بنشوة وزهو، لكنه بنفس النشوة والزهو يعود لهدمها، فندرك وجود الغريزتين. وهنا يأتي دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية (المدرسة، الأسرة، الإعلام، الجمعيات المدنية والأهلية). قد تساهم تلك المؤسسات في تغليب قوى الحب والبناء، فيغدو الشخص عنصراً فعالاً في البناء والإبداع والمشاركة الإيجابية إلخ، وقد تعمل على تغليب غريزة الموت والهدم، فيصبح الشخص مجرد أداة للهدم وإشاعة الموت والتخريب.
مجمل القول، كلُّ ما لا يبنى على الحب مجرد خراب وأنقاض، سواء تعلق الأمر بالمعرفة أو بالإيمان، سواء تعلق الأمر بالإبداع أو ببناء الأوطان.

اقرأ أيضا