الاتحاد

ضبابية الرؤى


كنت أهذي بكلمات لم يفهمها شعوري وعقلي الصغير·· تمتمت لعلي أجد إجابة شافية من هذه الكتب الملقاة على المنضدة إلا أنني وجدت روحي تائهة لا أعرف مصدر هذا التخبط والذي طرأ علي فجأة·
بحثت في كل مكان حتى الغرفة المجاورة، وجدت أخي الصغير يعبث بمحتويات صندوق الألعاب ويحاول أن يجد لعبة ترضي شقاوته إلا أنه مازال يبحث عن شيء ربما كان في خياله الصغير·· لا أعلم ما هو ·· لمحت فضوله وحبه واستمتاعه مع ألعابه وطفولته·· عدت بأدراجي وتعلو محياي ابتسامة مقنعة حينها لم أع إلا وأنا في المطبخ أحاول أن أصنع لي بعضا من القهوة المحلاة لربما أعادت لي بعض صوابي وشعوري بالقلق··
جلست على طاولة المكتب فتشت عن بعض أوراق بالدرج الأخير فلم أجد إلا قصاصات قديمة وأوراق خربشة ورسومات لي حين كنت طفلة·· ارتشفت من القهوة شيئاً بسيطاً أحسست بمذاق جميل وهذه القهوة والتي أعتدت أن أشربها يوميا وفي كل مساء·
انشغلت بقراءة قصة قد أهداني إياها والدي في عيد ميلادي الماضي وتذكرت كم كانت فرحتي كبيرة وهو يقدم لي صندوقا جميلا أحمر مليئا بالكتب وبعض القصص القصيرة·· إنه دائما يراني طبق الأصل منه لحد أنه متعلق بي جدا ومن حيث أيضا الشبه الواضح بالملامح وأيضا الطباع والصفة الجميلة بيننا القراءة بشغف لكل ما يستجد على الساحة الثقافية والفكرية·
أعدت القصة على الرف ثم وجدت نفسي أرتب مكتبتي وأحاول تنسيق بعض الحاجيات بشكل يمنح منظراً أجمل لمكتبتي الصغيرة ثم وجدتها فرصة لترتيب الغرفة وملأ وقت الفراغ وهذا القلق في نفسي·
ناظرت الساعة فجأة لأجدها قد قاربت العاشرة مساء انه موعد والدي للعودة إلى المنزل كما هي عادته وكنت أترقب وصوله بفارغ الصبر·
كانت عادته أن يذهب لزيارة بعض الأصدقاء، وإما في مكتبة يكون اللقاء أو في مقهى أو بعض الأحيان يذهب للتسوق وقضاء بعض حاجيات المنزل·
ودائماً ما يحدثني عن أحلامه لي وما يتمناه لنا نحن أبناؤه·
فأسرتنا تتكون مني وأخواي الصغيران ووالدتي الطيبة وأخي والذي يكبرني بعدة سنوات فهو يكمل دراسته بالخارج، وكما رغب منذ صغره وتعلقه بعالم الفضاء·
ودائماً هو أبي له منطق مميز حيث يعيشنا بكل المعاني الجميلة ويغرس ذلك الحياة البسيطة في نفوسنا بدون أن يضغط علينا بآرائه أو حتى بأي قرار بدون أن يستشيرنا بكل شيء وقناعته أن التفاهم أساس وجود أسرة متحابة تتقارب حسيا ومبنياً على الصراحة والتعاون·
لحظات ما أشعر الابنة القريبة اليه وبحكم أنا الفتاة الوحيدة بالأسرة وبعكس والدتي هي بالرغم من قربها لنا إلا أن أفكاري دائما تتقارب من أبي، كما أن شعوري يجرفني دائما إليه بالرغم أيضا من أن والدتي بمثابة الطيبة والسخاء والاحتواء الكبير وكما يقولون 'البنت حبيبة أبيها'!
لحظات وسمعت خطوات والدي تقترب فأسرعت لتحيته ثم جلسنا في غرفة الجلوس نتجاذب أطراف الحديث وما طرأ عليه اليوم من مستجدات وأمور أراد أن يطرحها لنا··
حينها أطرقت برأسي وأنا أتمتم بكلماتي ولا أعلم ما حدث لي في هذه اللحظة بالذات··
رمقني أبي بعينيه وسألني في الحال:
ماذا فعلت ابنتي اليوم بيومها المعتاد··؟
ارتسمت على ملامحي بعض القلق ووجدت نفسي أبكي تلقائيا فأسرعت نحو غرفتي أجهض بالبكاء واختناق عبرات اليوم هذا·· لحقني أبي إلى الغرفة محدثاً اياي··
ما بالك ابنتي لم أعهدك على هذا الحال من الغضب والألم··؟
أجبته قائلة:
لا عليك أبي أنها مجرد ضغوط وتفكير واحساسي بالملل·
أعاد كلامه قائلاً:
أجبيني وهل أنت من تخفين شعورك على أبيك··؟
نظرت إلى عينه واحتضنته وأنا أبكي بحرقة··
أبي·· آآه يا أبي·· ما قسوة الأيام والسنوات برغم صغر سني إلا أنني أعيش عمر إنسان عجوز أحالته الحياة الى فوضى دائمة وضبابية للرؤية·
لا أعلم ما سأقوله لك أو سوف أتفوه الآن··
الأب: حالتك ليست على مايرام··
قولي لي·· ما هي الأمور التي استجدت بحالتك والتي أثرت فيك لهذه الدرجة ابنتي؟
الابنة: لا يا أبي·· لربما كنتُ قلقة بعض الشيء إلا انني ايضا أعيش حالة أمة بأكملها·· حين أشاهد الأطفال وهو يموتون يوميا·· والمجاعة في كل مكان·· وحالة الفوضى الرهيبة في دولنا العربية والنزاع والتشتت العربي·
اعاني من حالة عصيبة يوميا من جراء ما نراه في هذه الفضائيات·
ودعني أفسر حالتي حين أرى ملامح الأطفال في فلسطين·
أبي·· ابي·· تعلم انه موطننا·
الأب: أجل عزيزتي·· وماذا بيديك أن تحققي؟
الابنة: لا أعلم يا أبي ارغب ان اجمع اكبر عدد من البشر ممكن لخوض حرب مميتة للأعداء·
وأرغب ان اعيش امنيات طفلة بالوطن·
وارغب أن أقذف قنبلة نووية لهذا العدو وفي كل مكان بشرط الا يصيب مواطن عربي وطفل فلسطيني ولا سيدة عراقية·
وارغب بالكثير ابي كما ارغب بالحرية·· والعودة الى وطني السليب وانا مرفوعة الرأس·
الأب: هوني عليك ابنتي·· فإن كنت ترغبين ذلك·
عليك بالتالي··
استعيدي أولا انفاسك وتنفسي بعمق·
امسكي بقلمك وهذه الورقة البيضاء واكتبي بما تعانينه·
ستجدين ان القلم سوف يطاوعك وسيخفف عنك العبء طالما حمله عقلك الصغير وربما محا عنك هموم وطن وأحداث مؤلمة·
وايضا ستجدين اننا أغراب ولكن الغربة حين نعيش الغربة نفسها·
وستجدين ان هناك شعوبا سوف تعيش كلمتك مهما كان البعد بالمسافات عميق وستجدين ان هناك طفلا ينتظر منك صدقة·· وهي ابتسامتك·
وستجدين ان الحرف سيصل الى مسامع من يحلق معك بمشاعرك وانتفاضة قلبك الغض·
كوني تلك الفتاة والتي تتأمل الله في كل شيء وتحصي نعمته في كل شيء ثم تشكره وتحمده في كل يوم·
كوني الفتاة المحبة للخير والسلام واكتبي للعالم··
لا·· للحرب·· لا·· للتمزق·· لا·· للعدو في وطننا·
ثم·· احرقي أوراقك الباكية·
وازرعي بذرة نقائك بحبك للأسرة والمجتمع والوطن الغالي·
ثم·· اخلصي لتربة وطن ترعرعت فيه منذ ولادتك واخلص في تعليمك وحرصه على محبتك له· حينها·· سأجدك ابنتي التي أعهدها تواقة للعلم والتعلم· لم أدرك الا وابتسامة جميلة رسمها والدي بقلبي وشفتي·· ولم أشعر إلا وأنا أرى بسمتي ترسم ملامح وجه ابي الغالي· ولم أدرك فعلا انني في مأمن إلا حين وجدت والدا منحنا حب الأسرة وخدمة وطن نسكن فيه بكل أحلامنا وأمنياتنا· ويوما ما·· سنعود وسيعود اليه ابناء يحملون راية السلام والأمان·
الابنة: أعدك ابي اني سوف ابتسم ان شاء الله وسترى ملامحك الجميلة على وجه صفحات قلبي· وسأمنح كل درهم صدقة لطفل يتيم وابتسامة لكل سيدة حرمها القدر عائلها الوحيد·· وسوف أكتب حتى تملأ صفحات الأيام أحلامنا· غادر الغرفة ابي وطبع قبلة المساء المعتادة وتوجهت الى الله سبحانه وتعالى بالدعاء وتخفيف آلام الشعوب ثم صليت ركعتين حمدت الله وشكرته على نعمته حينها فاجأني النعاس·
ونمت وأنا لم أرَ ملامح الضباب ولا حتى غيوم الألم·
موزة عوض

اقرأ أيضا