الاتحاد

دنيا

أهل المعاقين.. قصص كفاح استثنائية لتربية فلذات الأكباد

ابتسامات ودموع تنثر في كل مكان، وابتهالات وتوسل لله أن يمنحهم الصبر والقدرة على تحمل مشاق الطريق، هم شموع تحترق من أجل إنارة سبيل فلذات أكبادهم، يرعونهم بقطرات دموعهم لينبتوهم زرعاً وخيراً في المستقبل، جهد فوق كل جهود الحياة، يمتد في الزمان، ويزحف بهم نحو الأمل في المعافاة، إنهم أولياء أمور وأهل المعاقين الذين كان قدرهم أن يرزقوا بأطفال معاقين، وزرع الله في قلوبهم الرحمة والحب الكبيرين لإيلائهم الاهتمام والعطف والحنان والمكانة العزيزة الخاصة.


يتحدث الكل عن المعاقين، وقليل من يتحدث عن أهلهم، والمساحة هذه مخصصة لهؤلاء الأهل بهدف الاستماع إلى ما يقولون:
سباق الفورمولا-1
إنه يعشق السيارات بشكل جنوني، يعرف كل تفاصيلها، أنواعها وألوانها وأشكالها، وآخر موديلاتها، تقول أم محمد عن ولدها: هو ابني محمد علي محمد وعمره 9 سنوات، أصيب بشلل دماغي نتيجة تعسر في الولادة ونقص في الأوكسجين، وهو الطفل الوحيد بين إخوانه الذي أصيب بهذا المرض، أعتني به بشكل خاص، وحبي له يفوق الحدود، أكرس له كل وقتي وأمنحه عطفي وأبذل قصارى جهدي لأرى الابتسامة ترتسم على محياه، والكل يكن له محبة خاصة، وبالطبع فالجهد مضاعف في تربيته والاعتناء به، وهذا يتطلب مني جهداً بدنياً وفكرياً أكبر، فاستيعابه بطيء، وقد أستغرق مدة أسبوع لتعليمه حرفاً واحداً، ومع ذلك لا أدخر أي جهد في تعليمه وتهذيبه والاعتناء به، وكلما بذلنا جهداً تحسن أداؤه وهذا ليس بالأمر الهين، احتياجاته مختلفة عن أي طفل في سنه، فكل أم تنتظر أطفالها يكبرون لتخلي مسؤولياتها من بعض النواحي تجاههم، كالقيام ببعض الاحتياجات الخاصة بهم، ولكن مثل هؤلاء فهم يعتبرون أمانة في أعناقنا، لهذا يجب أن تتضاعف العناية بهم، وكل شيء له أجر بإذن الله، وهؤلاء يتمتعون بمواهب كبيرة ومتعددة، ومن بينهم ابني فهو يحب المسجد ويتوجه له يومياً، ويقول إنه يضفي على نفسه الراحة والأمان، كما أنه يحب السيارات ويتتبع كل خطوات الجديد فيها وأنا أحاول مساعدته وإسعاده بجلب بعض المجلات التي تهتم بعالم السيارات، وقد حضر سباق الفورمولا-1 الذي نظم على حلبة ياس في أبوظبي، كما أن قناته المفضلة هي قناة “ جير وان” .

في البداية كان مسجلاً في مركز الضياء بأبوظبي، كما ساعدناه بالعلاج الطبيعي بمستشفى المفرق، وهذه تعتبر أول سنة له في مركز القدرة للمعاقين، وهم فعلاً يبذلون قصارى جهودهم لتحسن الأطفال، ويقومون برحلات ترفيهية وتعليمية لصالحهم، وهذا فيه فائدة كبيرة، وعلى العموم اهتمامي وتركيزي كله منصب على تربية محمد، ومن أغلى أمنياتي أن أراه يمشي على رجليه، وسأعمل على تحقيق أمنيته بمنحه سيارة مستقبلاً يسوقها بنفسه.

إعاقته حركية

يتحدث وليد محمد حسن والد زياد، أحد الأطفال المصابين بضمور في العضلات، ويقول: مهما تعبت مع ولدي، إلا أن والدته تتعب أكثر مني بكثير، فهي كانت تشغل وظيفة محترمة، ومن أجل الاعتناء بهذا الطفل تخلت عن وظيفتها، جلست في البيت لتعطيه من وقتها ورعايتها وعطفها، وزياد ولد بضمور في العضلات، وكان ذلك في مصر، هو ابننا البكر، وعمره اليوم 7 سنوات و9 أشهر.

فجأة ينقطع أبو زياد عن الحديث يتدرج وجهه حمرة، يسرح بنظراته بعيداً، ثم يعود لأرض الواقع ويرجع للحديث ويقول: كانت صدمة كبيرة حين شخص الطبيب حالته وقال لنا إنه مصاب بضمور في العضلات، وهذا لن يسمح له بالنمو الطبيعي كباقي أقرانه، ونحن اليوم في أبوظبي لمدة أربعة أشهر وسجلناه بمركز القدرة لذوي الاحتياجات الخاصة، حيث يولونه عناية خاصة، ويهتمون به بشكل جيد، وهذا المرض يؤثر على عقله، كما أن حركته زائدة، وكانت تعترضنا بشكل كبير في سعينا لإلحاقه بمدرسة عادية للأسوياء، كما أن من الصعوبات التي اعترضتنا في السابق كانت إيجاد مدرسة تهتم بحالته ومتخصصة باحتوائها، أما اليوم فالعبء أخف بكثير، بعد أن ألحقناه بمركز القدرة لذوي الاحتياجات الخاصة. ويضيف أبو زياد: إننا نحاول بشتى الطرق منحه السعادة، وأحاول مساعدة والدته على تحمل أعبائه والتخفيف عنها، كما أننا نعمل جاهدين لمنحه الثقة بنفسه خاصة أن له أخاً أصغر منه، وهو سوي وهنا تكون الغيرة سبباً في تدميره أحياناً، فنخاف دائماً من خدش كبريائه كأخ كبير يجب أن يسمع كلامه والاهتمام به أكثر، بالإضافة لذلك فهو حركي وأعباؤه زادت بثقل وزنه، ونحن نساعده على تحقيق احتياجاته الشخصية، كما أننا نعاني عندما يعاني من أي تعب سواء كان بدنياً أو نفسياً، بحيث عندما وضعناه في مدرسة مع الأسوياء كان يستاء جدا، وهذا طبعاً كان يلقي بظلاله علينا داخل البيت.

تربوا بدموع العين

مع ابتسامة عريضة تتابع حركات ابنيها بكثير من الحب والحنان، فخورة بما تقدمه لهما، لا تفارقهما، تحتضنهما في كل حين، تتحدث معهما بسعادة كبيرة ولا تتوانى في القول إنهما أوكسجين حياتها وربيع قلبها، هي عطور محسن، أم التوأم المعاق سجاد وحسنين منير، تقول عن التجربة: ولدتُ ولداي قبل أن يكملا شهرهما التاسع، ولأنهما ولدا بصحة جيدة لم يضعوهما حينها في الحضانة، ليكملا أيامهما المتبقية في النمو الجسدي، كنت آخذهم لأطباء الأطفال لإجراء فحوص المواليد الجدد لم يلاحظ عنهما أي شيء، إلى أن أخبرني أحد الأطباء أن ابناي مصابان بشلل دماغي نتيجة نقص في الأوكسجين، حيث لم يكتمل نموهما كما يجب في الحضانة.

تحبس دموعها في جفونها، يختنق حلقها وتقف الدمعة على خدها، وتهمس في حشرجة: لا أريد أن أتحدث عن هذا اليوم، لا أريد أن أتذكر تفاصيل الخبر على حياتي، كانت صدمة كبيرة، انهرت تماماً، ولم أصدق الخبر، ولكن أهلي كانوا حسن العون، ساعدوني على تحمل الصدمة، وأحاطوني وإياهما برعاية خاصة، واليوم هما في ربيعهما الثالث عشر، بدأت ملامح الرجولة ترتسم على وجهيهما، وأنا سقيت عروقهم بدموعي، فالناس يحسبون عمر أولادهم بالسنوات، بينما أنا أحسبها بالثواني، لأني أتعب جداً في الاعتناء بهما، خاصة أنهم أصبحا شباباً وطلباتهما زادت وأسئلتهم كبرت، مع العلم أنهما سبب سعادتي في هذه الحياة، فهما أصحابي وأولادي والمقربين إلى قلبي، ويحتلان مكانة كبيرة جداً عند الأهل ولهم في قلوبهم معزة خاصة .
تضيف عطور: أحاول أن أن أسعدهما بكل ما أوتيت من قوة، فطلباتهما مستجابة ونسعى أنا ووالدهما قدر المستطاع لتلبية كل احتياجاتهم، خاصة وأن الشلل الدماغي عندهم أخف من غيرهم، لهذا فهما يتمتعان بملكات كثيرة ومن يصادفهما يحبهما، وأنا أسعد دائماً بقربهم بحيث أقرأ لهما وأساعدهما على القيام بواجباتهما الشخصية، وهذا بالطبع ينهكني وأبوهما، ونحن نتعاون في كل كبيرة وصغيرة تخصهما، بحيث أعمل على جعلهما يمشيان ويبدلان الخطوات في البيت بمساعدتي، وإن كنت مشغولة عنهما بعمل البيت فإنهما يزحفان على بطونهما، واخترعنا لهما تمارين رياضية تناسب مؤهلاتهما الصحية، وكل هذا أقوم به وحدي في الفترة الصباحية أما المسائية بعد أن يأتي والدهما من العمل أسلمه المسؤولية لأرتاح قليلاً، وهكذا فعملنا مناوبة ومساعدة لمنح هؤلاء السعادة والفرح، رغم أن المسؤولية كبرت، بحيث بدأت تساؤلاتهما تكبر.

أما عن تعليمهما فتقول عطور: في البداية كنا سجلناهما في مركز الضياء، أما اليوم فسجلناهما هذه السنة في مركز القدرة لذوي الاحتياجات الخاصة، وهي المرة الأولى التي عرفا فيها الحروف الهجائية وأبجديات الحياة بشكل عام، وبدأ الحمل يخف شيئاً ما بمساعدة المركز، خاصة أنه في البداية كنا نرفض إدخال أولادنا في أي مركز نظراً لأن أولادنا في حالة أحسن من غيرهما، ولم يتقبلا مدارس غير مركز القدرة لذوي الاحتياجات الخاصة، واليوم هما مرتاحان نفسياً إلى حد بعيد.

هي سعادتي

من جانبها تتحدث والدة أماني فومي، وهي طفلة مولودة بمتلازمة داون، فتقول عن ابنتها: أماني خلقت بمتلازمة داون، مشكلتها الكبيرة أنها حركية، وأحب الاعتناء بها وأمنحها كل وقتي واهتمامي، وأحاول مساعدتها لتنمية مواهبها وملء كل فراغها، وهي تحب الموسيقى، كانت سابقاً في مركز النور واليوم هي في مركز القدرة لذوي الاحتياجات الخاصة، وهي أحسن بكثير لما يقدمونه لها من مساعدة، وأنا مهمتي تتمثل في الاعتناء بها في أكلها وشربها وتغيير ملابسها وكل شيء يخصها وهذا يتعبني جدا، ولكن بالصبر والابتهال لله سبحانه وتعالى أن يعيننا، فالأمور كلها تكون في أحسن حال.
أحمد غازي: مركز القدرة يخفف عن الأهل


عن دور المركز في التخفيف من عبء هذه الحالات يقول أحمد غازي، مؤسس مركز القدرة لذوي الاحتياجات الخاصة: كان من بين أهدافنا عندما تأسس هذا المركز المساعدة على تخفيف العبء عن الأهل من جهة وإيجاد علاجات لبعض الإعاقات من جهة ثانية، والعمل على صقل بعض مواهب المعاقين في جوانب أخرى، ونساعد هؤلاء بكثير من التقنيات التي تساعدهم في حياتهم العملية وترفه عنهم مثل السباحة وكرة التنس، والرحلات الترفيهية والسياحية، وغيرها من الأعمال، ونتفاعل كثيراًww مع الأهل الذين يبدون اهتماماً كبيراً بأولادهم.

اقرأ أيضا