الاتحاد

الرياضي

كلمات وأشياء


صحوة الضمير
لم يستطع العيش طويلا مع ذنب إقترفه·· شعر بوخز الضمير، فتنحى جانبا وسأل نفسه بمرارة·· هل تكون لي الشجاعة فأعلن على الملأ ما إقترفته ذات يوم وأتحرر من ثقل الذنب الذي يفوق ثقل الجبال؟· وكانت له الشجاعة، فخرج على الناس يقص عليهم حادثة غابرة في صكوك التاريخ، خطيئة ارتكبها في غفلة من الناس ومن وزر الضمير·· ذاك الشخص كان هو الألماني روبرت هويتسر، وهو حكم إستفزه ذات يوم طنين الأموال فقرر التلاعب بنتائج بعض المباريات إرضاء لشركات المراهنات التي كانت تطمح وقتها في نتائج بعينها·
كان الإعتراف هذه المرة قاسيا على الذات وعلى محيط كروي بكامله يتهيأ في أقل من سنة ونصف السنة إلى إستضافة حدث كوني في قمة كأس العالم، لذلك كان متوقعا أن تحدث هذه الإعترافات الجريئة زلزالا عنيفا ليس فقط داخل ألمانيا التي سارعت وسائل إعلامها إلى التداول في فداحة السلوك قبل أن تثني على فضيلة الإعتراف بالخطيئة حتى لو أن حجمها الكارثي يصيب شعبا بكامله في شعوره بسمو جنسه·
ولم يكن الزلزال العنيف الذي ضرب كل ألمانيا بعد الكشف بشجاعة عن هذه الإعترافات ليبقي محيط كرة القدم العالمية من دون رد فعل·· فالقضية على بشاعتها تهدد أمن كرة القدم، لذلك وجب على مجلسها الأمني فالإتحاد الدولي لكرة القدمپ أن يتحرك على نحو أو آخر ليفتي في القضية، ويتخذ حيالها ما يلزم من إجراءات لحماية المشهد الكروي من خطايا كهاته تستهدف القيم النبيلة لرياضة يحبها ثلاثة أرباع ساكنة الكون·
كان أول ما إطمأنت إليه خلية الأزمات التي تنعقد بشكل طارئ بدعوة من رئيس الفيفا جوزيف بلاتر هو أن ما إقترفه الحكم الألماني من خطايا لم يصب في مصلحة هذا الفريق أو ذاك بقدر ما صب في مصلحة شركة للمراهنات الرياضية والتي تشكل مصدر دخل قوي لكثير من الإتحادات الرياضية، إلا أن هذا لم يكن ليعفي لجنة الأزمات ولا حتى الإتحاد الدولي لكرة القدم من المسارعة إلى تداول الأبعاد الأخلاقية لهذه الخطيئة، وقد كان الإجراء المستعجل هو الدعوة إلى إحتراف الحكام، أو بالأحرى تجديد بلاتير دعوته لاحتراف الحكام، وهي الدعوة التي استقبلت من قبل كافة الإتحادات الكروية ببرود كامل، مثلما قوبل مقترحه بتنظيم نهائيات كأس العالم مرة كل سنة عوض الأربع سنوات المعمول بها حاليا بالرفض المطلق·
ولأنني أعرف تصلب الإتحاد الدولي في كل ما يشكل نيلا من كرامة وعدالة ونزاهة التحكيم، إذ لم يتوان في الضغط على الإتحادات الأهلية بمعاقبة كل سلوك يمس شخص الحكم والتحكيم، فإنني موقن بعد أن تفجرت قضية الحكم الألماني روبرت هويتسر أن رئيس الإتحاد الدولي سيزيد في ضغطه على الإتحادات الأهلية لإقرار إحتراف الحكام على غرار ما هو معمول به مع كل الأطراف التي لها صلة مباشرة مع كرة القدم·
وقد لا يكون مستصاغا أن يقف حكم لإدارة مباراة يشكل دخل 22 لاعبا المتبارين فيها من دون حساب الأطقم الفنية والإدارية ميزانية تسيير دولة من دول العالم، بينما لا يحصل هو من إدارة هذه المباراة سوى على مبلغ زهيد لسبب بسيط أنه يأتي لتحكيمها من دون أن تكون له علاقة مهنية مباشرة بكرة القدم·
إحتراف الحكام يربطهم مهنيا ووجدانيا بكرة القدم، يساعدهم على الإرتباط بشكل عضوي بمجال عملهم ويجنبهم الوقوع في مخالب الإغراءات التي تقود لارتكاب الخطايا·ومن كان من الحكام حتى اليوم بضمير معذب، فليفرج عن كربته ويتخلص من ذنبه·
بدرالدين الإدريسي

اقرأ أيضا

«المؤقتة» تحسم مصير تجمع «الأبيض» في يناير