الاتحاد

تقارير

سوريا: أخطاء الغرب وفرص بقاء الأسد

عندما خرج المتظاهرون إلى شوارع المدن السورية في مارس 2011، بدا أن الرئيس بشار على مقربة من أن يصبح أحدث ضحية لثورة كتلك التي أطاحت بزعيمي تونس ومصر، لكنه سرعان ما اتخذ منحى كالذي سلكه القذافي في ليبيا.
لكن بعد ثلاثة أعوام أخرى، لا يزال الأسد يقطن القصر الرئاسي المطل على العاصمة دمشق، وأدى إصرار نظامه والفوضى الواضحة داخل كيان المعارضة السياسية وتحول الجماعات الثورية المسلحة صوب التطرف، إلى تحفيز البعض في الغرب على التعبير عن ما كان مستبعداً قبل عام واحد فقط، ألا وهو إمكانية بقاء الأسد، وأن ذلك يمكن أن يكون أفضل من انتصار الثوار الذي من شأنه أن يؤدي إلى هيمنة متطرفين تابعين لتنظيم «القاعدة» على سوريا.
وأثار السفير الأميركي السابق لدى دمشق، والذي يتمتع بخبرة كبيرة في شؤون الشرق الأوسط، مؤخراً جدلاً واسعاً عندما توقع في مقال إن الأسد سيستعيد في النهاية السيطرة على الدولة «شبراً شبراً تكسوها الدماء». وأضاف «هل نرغب فعلاً في البديل الذي يعني سقوط دولة كبرى في قلب العالم العربي في أيدي تنظيم القاعدة؟».لكن على رغم بقاء الأسد أطول من ما توقع كثيرون في عام 2011، فإن فرص انتصاره في الحرب تبدو ضئيلة، إذ لم يعد أي الطرفين قوياً بما يكفي لتحقيق الفوز الحاسم، ولن يمنحه «الانتصار» سوى ظلالاً لما كان بيده في فبراير 2011، حسبما يرى المحللون.
وأشار «يزيد صايغ» باحث رفيع المستوى لدى «مركز كارنيجي الشرق الأوسط» من بيروت، إلى أن الأسد لا يمكنه الانتصار في الصراع، حتى وإن كان سيبقى إلى أجل غير مسمى.
وأضاف «إن قوات النظام مشتتة بدرجة تُصعّب عليها التقدم على جميع الجبهات، ويمكنها فقط أن تحقق مكاسب في منطقة أو منطقتين، مجازفة بخسارة منطقة أخرى، وعليه ليست ثمة عودة إلى الوضع قبل عام اندلاع الأزمة». وفي هذه الأثناء، يعتمد بقاء الأسد بشكل كبير على عوامل ثلاثة: غياب التنظيم بين صفوف المعارضة، ولا سيما في ضوء انعزال الممثلين المعترف بهم دولياً وخارجياً عن الأوضاع على الأرض في سوريا ـ وزيادة التطرف بين الجماعات الثورية المسلحة، وهو ما أضعف الدعم الخارجي للمعارضة.
- الدعم الدبلوماسي والعسكري واللوجستي من قبل روسيا وإيران.
- الطبيعة المتماسكة لنظام الأسد، الذي لم يظهر حتى الآن أية علامة على الانهيار.
وعندما اندلعت الاحتجاجات ضد النظام، رد الأسد بقوة وحشية، وسجلت حصيلة الخسائر مستويات قياسية، وبدا رد فعل النظام القاسي على المظاهرات والإخفاق في تقديم إصلاحات ملموسة خطأً إستراتيجياً، إذ أنه أشعل شرارة حرب أهلية طائفية دامية تمزق أركان الدولة.
وعلى رغم ذلك، تخضع هذه الرؤية للمراجعة الآن، إذ تراجع الجدل بشأن كيفية الإطاحة بالأسد من السلطة أمام قلق الغرب من أن تصبح سوريا ملاذاً لتنظيم «القاعدة».
وتكشف التصريحات الأخيرة لكروكر ومسؤولين أميركيين آخرين أن الأسد لم يعد بالضرورة يعتبر أسوأ الخيارات لمستقبل سوريا.
وذكر المدير لـ «سي آي إيه» مايكل هايدن أمام مؤتمر في بداية ديسمبر الماضي أن فوز الأسد كان يعتبر من بين أكثر ثلاثة نتائج «بغيضة» ممكنة بدرجة كبيرة جداً. وأوضح أن الخيارين الآخرين هما استمرار الحرب الطائفية بين المتطرفين من الفريقين، مع استمرار السير على طريق تدمير الدولة وزعزعة الاستقرار في أنحاء المنطقة، أو انقسام الدولة، وهو ما يمكن أن يفضي إلى تفكك دول الشرق الأوسط التي شكلتها بريطانيا وفرنسا إبان الحرب العالمية الأولى. وينتقد بعض المحللين آراء كروكر وهايدن وآخرين، زاعمين أن الإجراءات الوحشية التي اتخذها الأسد بحق النشطاء السلميين الذين طالبوا بالديمقراطية في بادئ الأمر هي التي أفضت إلى تطرف المعارضة في المقام الأول.
وأفاد الباحث رفيع المستوى لدى «مركز رفيق الحريري لشؤون الشرق الأوسط» فريدريك هوف، بأن تشبث نظام الأسد بالسلطة وأساليبه التي وظفها هي التي أدت إلى وجود المتطرفين في سوريا». وتابع «هوف»، الذي عمل في السابق منسقاً بين الإدارة الأميركية والمعارضة السورية، «إن جهود نظام الأسد لإضفاء التطرف على المعارضة عززها الغرب على نحو غير مقصود، عندما فشل فشلاً ذريعاً في دعم الخصوم الحقيقيين للنظام».
وأفل نجم «الجيش السوري الحر»، الذي يمثل جماعة المعارضة المسلحة الرئيسة في الأساس، أمام بزوغ نجم الجماعات الإسلامية المسلحة. ويمثل التنافس بين الجماعات الثورية تسابقاً من أجل الوجود من خلال الحصول على التمويل والأسلحة.
وفي هذه الأثناء تشكل مؤخراً ائتلاف ثوري جديد تحت مسمى «الجبهة الإسلامية»، والتي تحتوي تحت مظلتها ما يتراوح بين 45 إلى 60 ألف مقاتل، غير أن الجبهة رفضت الحل السياسي للصراع، وتجاهلت دعوة للحوار مع الولايات المتحدة، بينما تطمح إلى إنشاء دولة إسلامية بمجرد الإطاحة بالأسد.
وحتى إذا ما شجع الغرب ضمنياً على هزيمة الجماعات الإسلامية المتطرفة في سوريا، فإن جيش النظام السوري المشتت ليست لديه القدرة على فعل ذلك.
وبالطبع، لعبت روسيا دور الداعم الدبلوماسي واللوجستي الحيوي لنظام الأسد، بمعارضتها قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التي تدعم إجراء قوياً ضد دمشق، إلى جانب منحها الجيش السوري مساعدات عسكرية وتمويلات.
ويرى المحللون أنه على رغم أن روسيا، وبقية داعمي النظام السوري، ليست بالضرورة متمسكة ببقاء شخص الأسد على المدى الطويل، لكن لا تكاد تكون هناك فرصة لتخليها عن سياستها تجاه سوريا في المستقبل القريب.
وإذا كان نظام الأسد يفتقر إلى الموارد العسكرية لاستعادة بقية الدولة وسحق المعارضة المسلحة لحسم المعركة، فما هو أفضل ما يمكن أن يأمل النظام في تحقيقه؟
ومع اقتراب مؤتمر السلام بشأن سوريا المزمع عقده في الثاني والعشرين من الشهر الجاري في مونتريكس بسويسرا، لا يتوقع كثيرون حدوث تقدم فعلي على طريق إنهاء الصراع، وأفضل المأمول هو وقف لإطلاق النار يبقي حالة الانقسام الراهنة على ما هي عليه، في انتظار تسوية أوسع نطاقاً.
وعليه، يبدو أن تقسيم سوريا يكتسب زخماً في ظل الأوضاع الراهنة، ومن ثم يسيطر الأسد على المناطق التي يحكم قبضته عليها حالياً، لكنه سيظل معتمداً بشكل رئيس على حلفائه من أجل البقاء، مع استمرار عزلته دبلوماسياً ومالياً بشكل كامل نتيجة العقوبات ضد نظامه.


نيكولاس بلانفورد
بيروت


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا