الاتحاد

تقارير

أسئلة التنمية البشرية

تحتدم المناقشات والمجادلات عبر وسائل الإعلام في عالمنا العربي حول التقارير السنوية التي تصدر عن الأمم المتحدة بشأن التنمية البشرية، ثم ما تلبث هذه المناقشات، أن تدور دوراناً عجيباً لتستقر على نقاط ومحاور لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن تقلب أو تغير الصورة القاتمة التي ترسمها التقارير المشار إليها. بل إن طبيعة الاستقبال العربي المثقف ونصف المثقف لهذه الخلاصات الأممية المشحونة بالدلالات والنذر المخيفة، بالنسبة لمستقبلنا ولمستقبل أجيالنا الصاعدة، تكرس ذات الاختلالات والإخفاقات التي تقدمها هذه التقارير على نحو رقمي لا مجال فيه للشكوك.

ربما لا تعرف كتل كبيرة من المواطنين في الدول العربية المتباعدة معنى «التنمية البشرية»، أو أنها تجهل أبعادها الاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية الحقيقية. ولكن ينبغي، على أقل تقدير، ملاحظة أن مفهوم التنمية البشرية يصب في فكرة إحالة الإنسان «الخام» إلى إنسان مثقف أو إلى إنسان يمتلك من المهارات ما يمكنه من أن يكون عضواً نافعاً مفيداً في المجتمع، بدلاً من أن يبقى «عالة» عليه، الأمر الذي يعرّض هذا الإنسان لمزالق الانحراف والجريمة واللاجدوى وحتى إلى «البطالة المقنعة» المتفشية في الأقطار العربية، التي يرنو فيها الناس لأن يكونوا مديرين ورؤساء مؤسسات جميعاً، اعتماداً على المستورد والوافد من أصحاب المهارات الصناعية والزراعية الأجانب، الأمر الذي يؤول إلى استهلاك مبالغ مهولة من مدخولاتنا الاقتصادية الوطنية. لذا تشكل العمالة الوافدة، خاصة تلك المستقدمة من دول أجنبية، دالة واضحة المعالم على إخفاق أغلب أنظمتنا التعليمية والتربوية والمهنية والجامعية التي تتكاثر على نحو مدارس وكليات أنيقة كـ«الفطر» عبر مدننا وقرانا ولكن بلا جدوى، حيث تكون المعطيات أو المخرجات في أغلب الحالات نوعاً من «الأمية المقنّعة» التي تقدم لنا خريجين لا يقرأون ولا يكتبون. هذا ما يفسر انحسار حركة التأليف والإبداع وضآلة أعداد ونوعية المطبوع والمقروء والمكتوب بأيدٍ عربية. أما إذا أراد المرء أن يتساءل عن «تسويق» المنتج الثقافي العربي إلى القارئ العالمي، فإن هذا نوع من الأحلام الوردية. ويبدو أن الخلل الأخطر الذي تعاني منه العديد من الدول العربية لا يتمثل فقط في أن الجميع يريدون أن يكونوا مديرين وقادة إداريين، بل يتمثل كذلك في غياب مؤسسات التعليم المهني ومؤسسات المعاهد الفنية التقنية التي تصنع الفئة أو الحلقة الوسطية في بنية الإنتاج الصناعي والزراعي والتجاري، الأمر الذي يفسر فتح الأبواب واسعة لاستقدام المهارات الأجنبية، من الفنيين الجيدين إلى المربيات الجاهلات. مأزق الجامعات العربية أنها تُخرّج أطباء لا يعرفون سوى الاسبرين، ومهندسين بلا مهارات عملية وخريجي لغات أجنبية لا يقرأون سوى العربية، كما يحدث في العديد من الجامعات والمدارس! وتحولت العديد من مجتمعاتنا المزركشة بالشهادات العليا إلى مجتمعات استهلاكية، بدلاً من أن تكون مجتمعات إنتاجية. وبدلاً من أن ينتج حملة الشهادات الأولية والعليا الكتب التي تخاطب الجمهور وتصنع الثقافة، لم نزل نعاني من «عقدة الخواجة» في جميع حقول الثقافة المحلية، بعد أن كانت الثقافة العربية الإسلامية هي منبع الثقافات العالمية في القرون الوسطى. حتى في حقول الموسيقى والغناء والفنون العادية التي تغزو عقول أبنائنا وبناتنا من النشء والشبيبة، يبقى الإنتاج نمطاً ضعيفاً من محاكاة الفنون الرخيصة الموجودة في دول العالم الأخرى. تقارير الأمم المتحدة تقدم لنا مرآة لرؤية الذات ولمراجعة كل ما يشوب وجهنا من كلف وبثور يعكس ما نعاني منه في دواخلنا من أمراض اجتماعية وتردٍ ثقافي.

د. محمد الدعمي
أستاذ محاضر في جامعة ولاية أريزونا ينشر بترتيب خاص مع «منبر الحرية»

اقرأ أيضا